محمد بشكار - الحريةُ التي تُقيِّدُني.. !

لا أملك أرضاً تعدو في مساحتها الشاسعة الخيول، لأدرك معنى الحرية بمنطق القياسات الجغرافية بعيدة السيقان جرياً وراء امتلاك الأراضي في انتظار الترخيص لشراء بُقعٍ في السماء؛ فأنا حرّيتي على قَدْرِ خطوتي القصيرة، لا تنتهك حُرِّيات الآخرين فقط لأني أمتلك سلطة مالية تجعلني أشتري حصة أوسع في الكون، ليشقى من تبقّى بهامش ضيق لا يُسعفُه مَشْياً فبالأحرى سكناً؛ أنا لا أملك غير الرصيف الذي يأخذني وآخذه في مسافة لا تتجاوز العمل والمقهى والسوق ما لم يُِصِبْه انحرافٌ فيتجه إلى ما تُمليه النفس من سُبُلٍ أمَّارة بالهوى.. !




ليست الحُرَّية أن أُكَبِّرَ بطني لأبتلع حِصَّة كل البطون الصغيرة حتى أصير بحجم منطاد يطير شبعاً ليُلوِّث البيئة كلَّما تجشَّأ أو ضرط بالغازات.. !
الحُرِّية أن أتقاسم لذة العيش الكريم مع من يُكابد ألمها شظفاً لأستشعر لذَّةً أكبر، وأن لا أُنَشِّف ريق الفقراء بأنْ أجَفِّف كل منابع الثروات في البلد، مُدَّعياً وأنا أزيد السُّم في الحُقنة ضغْطاً، أن الأزمة إبرة وصلت للعظم في العالم، حتى صار كل همِّ السواد الأعظم والأبكم من الناس، هو تحويل الرأس من أداة تفكير في العلوم والآداب إلى قُفَّة بأذنين.. !
الحُرِّية لمن يعشق شارعه نظيفاً، ليست في كم موزة أُعرِّيها أمام الملأ ليقع أحدهم في قشورها وترسله حُطاماً و ليس غراماً إلى أقرب مستشفى؛ ليست الحُرية خرقاً للقانون يجعلني أُشهِر عدائي خنجراً لأعترض سبيل الناس؛ أو حَرْقاً لشجرة لم يَصِلْها من الحب ماءٌ فصارت حطباً؛ أو رمياً للسُكان برصاص النفايات التي ليس أقبح من مشهدها إعداماً.. !
الحرية أن أجعل كل ما أسكُنُه يسْكُنُني في قلبي، لأكون به أو يكون بي نظيفاً دون أن تتدخل مِكنسة البلَدِيّة فُرشاةً بين أسناني.. !
ليست الحرية أن أنتزع الحب من امرأة كُرهاً؛ أن نبالغ بالمساحيق في زينتنا لئلا يصبح الجمال قُبْحاً؛ وأنْ نذرَّ الرماد في العيون ونغفل أن بعض الرماد يكتنف جِماراً نائمة قد تشبُّ فينا بالحريق جميعاً ؛ وأن نزيد في يومنا ساعة وننسى أن تسْريع حركة الحياة يُقصِّر من أعمارنا.. !
الحرية أن أسبق النهر في جريانه لأوقف صحراء تزحف بقبائلها على العقول.؛ أن أضاهي البحر في هيجانه لأكسر صخرة تحجب الأفق.. !
الحرية أن أنهض باكراً في أفكار الناس دون خشية من شمس تُعاتبني على البزوغ قبْلَها لاحتكار سماء هي نعمة من الله للجميع وليست سوقاً.. !
الحرية أن لا أقيّدَ أفكاري في ورق إلى جانب أرقام الديون التي تُقيِّدني؛ بل أن أكتب ما أريد ساعة أريد في أي مكان أريد دون أن أسمع من أحد ما لا أريد حين أرفض ثمناً لضميري.. !


(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 29 أكتوبر 2015)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...