محمد العرجوني - تشابك الشعر والعلوم

نتيجة لاهتمامي بما سمي بقصيدة النثر، والتي اكتفى منظروها، عن قصد أو غير قصد برميها، كزائدة دودية إلى منطقة بين البين، متأثرين بحداثة "أسى باريس"1، ليجعلوا منها كائنا هجينا، والتي اعتبرتها بمثابة قصيدة ماورائية، بل وكمومية، كونها لا تخضع لأي من القوانين "الفيزيائية" التقليدية، سواء الشعرية منها أو النثرية، وإنما لها ذاتها وجب فقط الانتباه إليها، والبحث عنها في ذرات الكون المستعصية التي تخترقنا منذ الإنفجار الكبير بإدخالها "لمُصادم الهادرونات" الإبداعية، وتفكيك لغتها كما تفكك الجسيمات، لتحقيق تخصيبها، إما اندماجا أو انشطارا؛ نتيجة لهذا الاهتمام إذن، ساقني فضولي إلى التفكير في علاقة هذا الإبداع بالعلوم الحقة في تطورها، خاصة تلك العلوم التي تهتم بما يسمى بالجيسمات ما تحت الذرة، أي بكل ما لا يمكن إدراكه إلا من خلال محاولات مازالت في حاجة إلى تجارب أكثر نضجا. وهنا استحضر الفيزياء الكمومية والبيولوجية الكمومية، و كل ما له علاقة بالكَمّ، مركزا على ما يرافقهما من لا يقين ولا حتمية. ما يحيلنا ولو من داخل هذه العلوم، على الشعر الماورائي الذي ينفلت من القوانين المعتادة والذي لا يخضع لأية حتمية. في إطار هذا الاهتمام إذن، وجدت هذا الخطاب لأكبر شاعر فرنسي في القرن العشرين، شاعر متفرد بتميزه على كل معاصريه، حيث استعصى على التنميط ولا يُعرف عنه انتماء لأية مدرسة شعرية فرنسية أو غير فرنسية، ما عدا انتماؤه للشعر الخالص. إنه الشاعر سان جون بيرس. من هذا الخطاب، الذي ألقاه اثناء حفل تسلمه جائزة نوبل في 10 دجنبر 1960، اخترت منه هذا المقطع2 –من تعريبي، لعلاقته بما يثير فضولي -
"حينما نتوقف عند مأساة العلم الحديث وهو يكتشف حدوده العقلانية حتى في ميدان الرياضيات المطلقة؛ وحينما في ميدان الفيزياء، بمذهبيه العظيمين الرئيسيين اللذين يُرسيان، أحدهما مبدأً عامًا للنسبية، والآخر مبدأً كميًا للا يقين واللاحتمية والذي يحصر إلى الأبد دقة القياسات الفيزيائية ذاتها؛ وحينما نسمع أعظم مُبتكر علمي في هذا القرن، ومُؤسس علم الكونيات الحديث، والمسؤول عن أوسع تركيب فكري في مجال المعادلات، وهو يستحضر الحدس لمساعدة العقل، معلنا أن "الخيال هو التربة الخصبة الحقيقية للعلم"، بل ويذهب إلى حد مطالبة بحق العالِم في"رؤية فنية" حقيقية - ألا يحق لنا أن نعتبر الأداة الشعرية مشروعة تماما كما هي مشروعة تلك الأداة المنطقية؟"
وهوخطاب كما يتجلى بوضوح، يتحدث فيه عن الشعر، مركزا على العلاقة بين العقل والخيال، أي بين العلوم والشعر، حيث يتساوى العالِم والشاعر في"نفس التساؤل الذي يُشغل بالهما، حول نفس الهاوية، فقط أساليبهما في البحث هي التي تختلف"3.
هكذا تصبح القصيدة الماورائية، أو الكمومية، بكل تلاوينها، أداة لا تقل أهمية عن الأداة العلمية، بل وتصبح ضرورية وسابقة لها، كونها أداة خيالية تستحضر بإبداع مدهش ما يمكنه تحفيز الأداة العقلانية، تماما كما حدث مع حدس أو خيال العالم الفيزيائي كازيمير الذي أبدع في تساؤلاته حول معنى الفراغ، فكان حدسه بمثابة شعر، حينما قال بأنه لا وجود للفراغ. حدس يذكرنا بما قاله الشعراء من دون قصد، ما عدا تلك التلقائية الفنية، منذ الأزل وهم يتحدثون عن "همس الفراغ"، أي ملؤوه بالمجاز، وهو ما توصلت إليه حديثا تجارب الفيزياء الكمومية بكل دقة، فأصبح المجاز موجات كهرومغناطيسية بالكاد يمكن إدراكها. القصيدة بمستواها الماورائي إذن قد تصبح قصيدة كمومية تتمتع بتكثيف رهيب، نتيجة لتخصيب استعاري، يقوي شحنته الدلالية تاركة أثرا يستهوي العالِم الحالم والحليم. ودائما في هذا السياق، نستحضر مقولات لعلماء من بينهم كارل ويرستراس بقوله منذ القرن التاسع عشر: ""صحيح أن عالم الرياضيات، الذي لا يتمتع بمهارة الشعر، لن يكون عالم رياضيات مثاليًا"، ثم يليه أينشتاين الذي قال:" الرياضيات الصرفة هي، بطريقتها الخاصة، شعر الأفكار المنطقية". وأخيرا وليس آخرا، يلتحق بهم الشاعر الأمريكي عزرا باوند في حديثه عن الشعر، معبرا هكذا على التفاعل الإيجابي بين العقل والخيال أو الحدس، بقولته المشهورة: "الشعر نوع من الرياضيات الملهمة". إلى أن نصل إلى الحديث عن الكمومية الروحانية، نظرا لعدم يقينيتها، حيث مازال العقل البشري الحالي لم يفك شيفرات الوجود المتعددة، وهو ما قد يثير الإعجاب وفي نفس الوقت الارتياع، لتصبح نوعا من التصوف، يوحي بـأن كل الأشياء والكائنات، بما فيها أرواحنا، في ارتباط بالكون، بما أننا كأجساد مكونة من ذرات أول انفجار كبير. وهو ما قد يفتح شهية الباحثين لتفسير ظاهرة انبجاس الصور لدى الشعراء في لحظة معينة، فتكون قوية لدى البعض وضعيفة لدى الآخرين، وهي بالمناسبة عبارة عن تفاعلات حدسية يصعب استحضارها عند الطلب، بل قد تداهم الشاعر في أي لحظة.
هكذا يبدو الخيال- ميدان الشعر بامتياز- في علاقته بالعلوم- ميدان العقل- وكأنهما يتحركان في الكون بطريقة لولبية، تماما كما تفعل كل الأجسام والجسيمات، ليتشابكا، في لحظة ما، كلما استعان العِلم بالحدس، أو كلما كان العالِم ذا حس شاعري ينصت "لهمس الفراغ" الكوني.


--------------------------------------
1- Spleen de Paris, Baudelaire
2- Saint-John Perse, Discours de Stkholm, (fondationsaintjohnperse.fr) خطاب ستوكهولم، سان جون بيرس
3- نفس المرجع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...