خالد صالح عطية - الريح التي فرّقتنا... لا تحمل اسمًا

مستوحى من خربشة كتبها الدكتور عادل الأسطة بتاريخ 12/08/2025، غزة2/676


لم نختر أن نكون هنا أو هناك. لا أحد منّا كتب خارطة الميلاد، ولا تواقيع النزوح. نحن أبناء الخريطة الممزقة، سلالة الذين اختاروا الحياة فابتلعتهم الطرق.
الذين مضوا إلى غزة لم يقرعوا باب البحر حبًا في الموج، بل لأن البر أُقفل في وجوههم. والذين عبروا إلى الضفة لم يختاروها وطنًا ثانيًا، بل احتموا بها من جمر يافا وهو يسقط. والذين انتهوا في صبرا وشاتيلا، أو في اليرموك والنيرب وخان الشيح، أو على أرصفة صيدا وصور والبص، أو في شتاء حلب والرمل، كانوا يسيرون بأقدام الآباء لا بخياراتهم.
لم نكن في لحظة الهرب نعرف من سنكون. كنا نحمل أسماءنا فقط، وبعض صور قديمة، وبقايا من مفاتيح لا تفتح إلا الذاكرة.
نحن لا نكتب عن بعضنا البعض؛ نحن نكتب بعضنا البعض. دمنا مسكوب بالحبر، وذاكرتنا موحدة كأننا نردد قصيدة واحدة بأصوات كثيرة: صوتٌ في غزة، وآخر في الضفة، وأصواتٌ لا تنام في المخيمات.
غزة ليست مشروعًا، والضفة ليست حديقة خلفية، والمنافي ليست أرصفة انتظار. في كل زاوية فلسطينية ألمٌ صامت، وفي كل بيت قصفه الغياب، حكاية لا يعرفها الإعلام.
من ذاق التهجير لا يسأل عن مقدار الخسارة، بل يعرف أن الاسم وحده صار وثيقة سفر، وأن الطوابير لا تميز بين ابن البحر وابن الجبل وابن الخيمة.
لكن لا الجدران صدّت الحنين، ولا الخنادق منعت القصيدة. ما زال الشعراء من نابلس يكتبون لجباليا، وما زال أطفال غزة يرسلون أسماءهم في زجاجات البحر إلى رام الله، وما زال لاجئ في اليرموك يخبئ في خزانة الصفيح حكاية أمّه عن سوق حيفا، وتلميذ في مخيم النيرب يعيد رسم خارطة الوطن على ورقة مخصصة للمحو.
وفي صيدا، في البص، في صور، في حلب النيرب ، في خان الشيح، في الرمل الفلسطيني، وفي … وفي …يرددون نشيدًا واحدًا بلحن المنافي: لا تنسَ، لا تنسَ، لا تنسَ.
لسنا سلعة في أسواق الخطابة. دمنا ليس تذكرة في مهرجان. نحن الذين نحمل مفاتيحهم في جيوبهم، ونواصل السير في دهاليز هذه الورطة التي بدأت قبل أن نولد، وقد لا تنتهي قبل أن يولد أبناؤنا مجددًا في الخريطة.
وغدًا، حين تُطوى المسافات، ونلتقي على قارعة العودة، لن نسأل من أين أتيت، بل من كنت تُشبه حين كنت تبكي.



خالد صالح عطية
13-08-2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...