في مواجهة الفقد والجوع، حين تصبح الحياة شكلًا من أشكال المقاومة، والكتابة محاولة متأخرة لفهم ما لا يُفهم.
منذ بدء العدوان على غزة، تغيّر شكل الزمن. لم تعد الأيام تُقاس بالشمس، بل بعدد الغارات، وعدد الشهداء، وعدد اللحظات التي تنجو فيها الأسرة من الموت. الكلمات لم تعد تكفي، لأنها لم تُخلق بعد لتصف هذا القدر من الفقد، وهذا النوع من التجويع الوجودي المنهجي.
لكن ما يميز هذا الهجوم الكاسح عن سابقاته، أنه لم يكن مجرد امتداد لسلسلة الحروب الإسرائيلية على القطاع؛ بل شكّل نقلة نوعية في طبيعة الاستهداف: من تدمير البنية التحتية والسكانية، إلى محاولة سحق الإنسان نفسيًا، وتجريده من معناه وكرامته.
اعتاد الغزّيون – في حروب سابقة – تشكيل أنماط من التكيّف النفسي تساعدهم على تجاوز الفقد: عبر النكتة، أو الأغنية، أو سرد الحكايات البطولية. لكن هذه الحرب كسرت تلك التوازنات. لم تُبقِ مساحة لتكوين “قشرة صلبة” تحمي الوجدان من الانهيار. بل أعادت تشكيل الداخل: حزن بلا نهاية، وغضب بلا مفر، وصبر يتحوّل يومًا بعد آخر إلى محاولة يائسة لفهم عبثية الحياة تحت الحصار.
في هذه الحرب، لم تعد المقاومة فقط فعلًا عسكريًا، بل أصبحت حالة وعي: موقفًا ذهنيًا وروحيًا ضد محاولات الإذلال المستمرة. لقد صار واضحًا أن هدف الحرب ليس فقط تفجير المباني، بل تفكيك الإنسان من الداخل: قتل علاقته الطبيعية بالحياة، وتحويله إلى كائن يلهث خلف مقوّمات البقاء، ويخجل من حاجته.
لقد باتت أدوات الحرب مزدوجة: القصف من السماء، والتجويع على الأرض. أصبح الخبز سلاحًا، والمساعدات مشروطة بالصمت. لم يعد الجوع عارضًا إنسانيًا، بل إستراتيجية سياسية: أن تُشغل الناس برغيف الخبز لتُنسِيهم رغيف الكرامة.
تحولت الطوابير إلى بنية حياتية: طوابير الخبز، الماء، الدواء، وحتى طوابير الموت. لم يعد سؤال “كيف أعيش؟” هو السؤال المركزي، بل: كيف أظل إنسانًا؟ كيف أُبقي على كرامتي في ظل خريطة التجويع الممنهجة؟
وسط هذا الخراب، برز الفضاء الرقمي كملاذ ومرآة في آن. من خلاله، قرأنا أصواتًا من قلب الجحيم تصرخ بالحقيقة وتكتب بدمها. منهم شجاع الصفدي، أكرم الصوراني، أم أيمن الصوص، وغيرهم؛ ممن وثّقوا معارك البقاء اليومية وسط الحصار، لا ليواسوا، بل ليعرّوا. وكان حضورهم رديفًا لكل لحظة خذلان.
ثم جاءت صرخة أم غزّية وسط الركام:
“ليش إحنا؟ ليش أولادنا؟”
صرخة لا تطلب الشفقة، بل تُحرج نظرياتنا وتُحرّض وعينا. كانت أوضح من كل بيان حقوقي، وأصدق من كل سردية رمادية تقول “الواقع معقد”. هذه الصرخة تكشف هشاشة وتفكك النظامين الدولي والعربي، وتفضح كذلك عجز النظام الفصائلي الفلسطيني، بسلطته ومؤسساته، الذي انشغل بصراعاته الداخلية عن حماية شعبه، فتركه وحيدًا في مواجهة آلة الإبادة.
لقد سُحق الزمن في غزة. سُحقت معه العلاقة الطبيعية بين الإنسان واحتياجاته، وسُحقت معه الثقة بالنجاة. في هذا السياق، لم يعد الصمود فعلًا رومانسيًا، بل خيارًا اضطراريًا للبقاء على قيد الذات.
لم يعد الاحتلال مجرد مشروع استعماري، بل أصبح آلة لتفكيك الإنسان: أن تحرمه، ثم تحاسبه على عوزه. أن تجوّعه، ثم تحاكمه على فقدان كرامته. أن تقتله، ثم تتهمه بأنه لا يحب الحياة.
نحن، الذين نراقب من الخارج، علينا أن ندرك هشاشة أدواتنا. لا يكفي أن نكتب، أو نغضب من خلف الشاشات. غزة لا تطلب الكثير، بل أن نُصغي بصدق، وأن لا نحاكم صراخها بمعاييرنا المُرفهة. أن نفهم أن الشجاعة هناك ليست فقط في حمل السلاح، بل في البقاء على قيد الكرامة.
لقد تغيّر كل شيء: النظرة إلى الذات، إلى العالم، إلى الغد. الناس هناك لا يحتاجون إلى دروس في الصمود، بل إلى احترام صوتهم، والكتابة عنهم بضمير، لا شفقة. لأن المقاومة اليوم لم تعد شعارًا، بل حالة وعي ضد الاستسلام.
في وجه التجويع، والترويع، والخذلان، والإبادة، يبقى الغزّي أكبر من محنته، وأصدق من أي رواية تحاول أن تشرحه.
ومع ذلك، فإن غزة — بكل ما فيها من ألم وخراب — ما زالت تحرس بذرة الحياة. فكل طفل ينجو، وكل يد تمتد لإعانة جريح، وكل كلمة تُكتب بصدق، هي إعلان بأن الإبادة لن تكتمل، وأن إرادة الناس أقوى من آلة الفناء. الأفق قد يبدو مغلقًا، لكن التاريخ علّمنا أن الحصار لا يدوم، وأن من يزرع الصمود اليوم يحصد حرية الغد، ولو طال الطريق.
بقلم: خالد صالح عطية
14-08-2025
منذ بدء العدوان على غزة، تغيّر شكل الزمن. لم تعد الأيام تُقاس بالشمس، بل بعدد الغارات، وعدد الشهداء، وعدد اللحظات التي تنجو فيها الأسرة من الموت. الكلمات لم تعد تكفي، لأنها لم تُخلق بعد لتصف هذا القدر من الفقد، وهذا النوع من التجويع الوجودي المنهجي.
لكن ما يميز هذا الهجوم الكاسح عن سابقاته، أنه لم يكن مجرد امتداد لسلسلة الحروب الإسرائيلية على القطاع؛ بل شكّل نقلة نوعية في طبيعة الاستهداف: من تدمير البنية التحتية والسكانية، إلى محاولة سحق الإنسان نفسيًا، وتجريده من معناه وكرامته.
اعتاد الغزّيون – في حروب سابقة – تشكيل أنماط من التكيّف النفسي تساعدهم على تجاوز الفقد: عبر النكتة، أو الأغنية، أو سرد الحكايات البطولية. لكن هذه الحرب كسرت تلك التوازنات. لم تُبقِ مساحة لتكوين “قشرة صلبة” تحمي الوجدان من الانهيار. بل أعادت تشكيل الداخل: حزن بلا نهاية، وغضب بلا مفر، وصبر يتحوّل يومًا بعد آخر إلى محاولة يائسة لفهم عبثية الحياة تحت الحصار.
في هذه الحرب، لم تعد المقاومة فقط فعلًا عسكريًا، بل أصبحت حالة وعي: موقفًا ذهنيًا وروحيًا ضد محاولات الإذلال المستمرة. لقد صار واضحًا أن هدف الحرب ليس فقط تفجير المباني، بل تفكيك الإنسان من الداخل: قتل علاقته الطبيعية بالحياة، وتحويله إلى كائن يلهث خلف مقوّمات البقاء، ويخجل من حاجته.
لقد باتت أدوات الحرب مزدوجة: القصف من السماء، والتجويع على الأرض. أصبح الخبز سلاحًا، والمساعدات مشروطة بالصمت. لم يعد الجوع عارضًا إنسانيًا، بل إستراتيجية سياسية: أن تُشغل الناس برغيف الخبز لتُنسِيهم رغيف الكرامة.
تحولت الطوابير إلى بنية حياتية: طوابير الخبز، الماء، الدواء، وحتى طوابير الموت. لم يعد سؤال “كيف أعيش؟” هو السؤال المركزي، بل: كيف أظل إنسانًا؟ كيف أُبقي على كرامتي في ظل خريطة التجويع الممنهجة؟
وسط هذا الخراب، برز الفضاء الرقمي كملاذ ومرآة في آن. من خلاله، قرأنا أصواتًا من قلب الجحيم تصرخ بالحقيقة وتكتب بدمها. منهم شجاع الصفدي، أكرم الصوراني، أم أيمن الصوص، وغيرهم؛ ممن وثّقوا معارك البقاء اليومية وسط الحصار، لا ليواسوا، بل ليعرّوا. وكان حضورهم رديفًا لكل لحظة خذلان.
ثم جاءت صرخة أم غزّية وسط الركام:
“ليش إحنا؟ ليش أولادنا؟”
صرخة لا تطلب الشفقة، بل تُحرج نظرياتنا وتُحرّض وعينا. كانت أوضح من كل بيان حقوقي، وأصدق من كل سردية رمادية تقول “الواقع معقد”. هذه الصرخة تكشف هشاشة وتفكك النظامين الدولي والعربي، وتفضح كذلك عجز النظام الفصائلي الفلسطيني، بسلطته ومؤسساته، الذي انشغل بصراعاته الداخلية عن حماية شعبه، فتركه وحيدًا في مواجهة آلة الإبادة.
لقد سُحق الزمن في غزة. سُحقت معه العلاقة الطبيعية بين الإنسان واحتياجاته، وسُحقت معه الثقة بالنجاة. في هذا السياق، لم يعد الصمود فعلًا رومانسيًا، بل خيارًا اضطراريًا للبقاء على قيد الذات.
لم يعد الاحتلال مجرد مشروع استعماري، بل أصبح آلة لتفكيك الإنسان: أن تحرمه، ثم تحاسبه على عوزه. أن تجوّعه، ثم تحاكمه على فقدان كرامته. أن تقتله، ثم تتهمه بأنه لا يحب الحياة.
نحن، الذين نراقب من الخارج، علينا أن ندرك هشاشة أدواتنا. لا يكفي أن نكتب، أو نغضب من خلف الشاشات. غزة لا تطلب الكثير، بل أن نُصغي بصدق، وأن لا نحاكم صراخها بمعاييرنا المُرفهة. أن نفهم أن الشجاعة هناك ليست فقط في حمل السلاح، بل في البقاء على قيد الكرامة.
لقد تغيّر كل شيء: النظرة إلى الذات، إلى العالم، إلى الغد. الناس هناك لا يحتاجون إلى دروس في الصمود، بل إلى احترام صوتهم، والكتابة عنهم بضمير، لا شفقة. لأن المقاومة اليوم لم تعد شعارًا، بل حالة وعي ضد الاستسلام.
في وجه التجويع، والترويع، والخذلان، والإبادة، يبقى الغزّي أكبر من محنته، وأصدق من أي رواية تحاول أن تشرحه.
ومع ذلك، فإن غزة — بكل ما فيها من ألم وخراب — ما زالت تحرس بذرة الحياة. فكل طفل ينجو، وكل يد تمتد لإعانة جريح، وكل كلمة تُكتب بصدق، هي إعلان بأن الإبادة لن تكتمل، وأن إرادة الناس أقوى من آلة الفناء. الأفق قد يبدو مغلقًا، لكن التاريخ علّمنا أن الحصار لا يدوم، وأن من يزرع الصمود اليوم يحصد حرية الغد، ولو طال الطريق.
بقلم: خالد صالح عطية
14-08-2025