موسى مليح - اختبار لتجربة روائية... نص الكلمة التي ألقاها القاص والروائي موسى مليح في حفل توقيع رواية "الرفيق" بمدينة آيت أورير 14/08/202‪5

أصدرتُ روايتي "الرفيق قتبيت: سلطنة عمان 1989/1990" في بداية شهر سبتمبر/أيلول 2024، عن مطبعة سليكي إخوان بمدينة طنجة. ومع صدورها، شعرت أنني تخلصت من عبء الكتابة وتكاليف النشر، لتصبح الرواية من ملكية القارئ، ووجدتني أتحول إلى قارئ محايد يعيد تأمل النص من زوايا جديدة.
من الضروري بدايةً التمييز بين "الإنتاج" و"الإبداع". فكل عمل أدبي عند صدوره يُعد إنتاجًا، لكن لا يجوز أن نصفه بالإبداع منذ الوهلة الأولى، إذ لا يتحقق هذا الوصف إلا من خلال قراءات نقدية تبرز خصائصه الأدبية، وتؤكد تفرده، وتسهم في انتشاره. لقد علمتني التجربة النقدية مقولة أرددها دومًا: "على المؤلف أن يموت بعد كتابته للرواية حتى لا يشوش على مصير النص"، ولهذا لن أتحدث عن "الرفيق" كبناء قيمي شُيِّد بلغة أدبية، بل سأتناولها كتجربة كتابة.





خلال هذه الرحلة، عشت لحظات ممتعة، إذ كنت أتحاور مع شخصياتي الورقية، وأتقمص أفعالها ورؤاها، مما قادني إلى منح كل شخصية أسلوبًا سرديًا خاصًا. تذكرت آنذاك مقولة باختين عن "أسلبة الأساليب"، إذ شق السرد طريقه عبر تعدد الأصوات واللغات، بما فيها الخلفيات الثقافية والجغرافية المختلفة لشخصيات الرواية، القادمين من المغرب، سلطنة عمان، تونس، الجزائر، ليبيا، مصر، السودان، الأردن، وحتى الهند.
أمام هذا التنوع، شعرت بضرورة العودة إلى كتب التاريخ والجغرافيا والعادات والتقاليد والمذاهب الفكرية والدينية، لفهم البيئات الأصلية لشخصياتي قبل وصولها إلى "قتبيت". فتحول هذا العمل إلى نص جامع يحتضن نصوصًا أخرى، تُصرف عبر أزمنة سردية متشابكة. هذا التعدد يثير فضول القارئ، ويدفعه نحو الرجوع إلى مصادر خارجية، مما يفتح أبوابًا إضافية للقراءة، ويؤكد ما قاله توفيق الحكيم في "فن الأدب" بأن "المبدع لا يخلق من فراغ".
وقد أدركت أثناء الكتابة الفروق الجوهرية بين الرواية وباقي الأجناس الأدبية التي مارستها، كالقصة القصيرة والمسرح. فالقصة القصيرة تقتضي التكثيف والرمزية وتحقيق "الأثر الموحد" كما يقول إدغار آلان بو، بينما المسرح يخضع لبنية درامية محكمة، وهو نص يُكتب ليُعرض، لا ليُقرأ فقط. أما الرواية، فهي فن التخييل المركب، الذي يقوم على الخفاء والتجلي، وعلى الهدم والبناء في آنٍ واحد.



الخفاء، هنا، هو تلك الأسرار السردية التي لا يُفصح عنها مباشرة، وتُركت للقارئ ليكتشفها عبر شبكة المعاني. أما التجلي، فهو الشكل النهائي الذي تُقدَّم فيه الرواية ورقيًا أو إلكترونيًا. وأما عملية الهدم والبناء، فهي إعادة تشكيل مستمرة للنص أثناء الكتابة، تتحكم فيها لحظات الإلهام وتطور السرد. ولأن كل بناء يحتاج إلى مراقب، فقد مثّلت "أنا الأعلى" داخل النص هذا المهندس، محمّلة بالقيم الجمالية والفنية.
حين اكتمل العمل، و"جفّت الأقلام وطُويت الصحف"، وجدت نفسي أستعد لأفق جديد: أفق تلقي القراء. فتولدت لدي أسئلة كثيرة، أولها: ما الذي أطمح إلى تحقيقه من خلال هذا النص؟
خلصت إلى أن "الرفيق قتبيت" ليست سوى تجربة في الكتابة، والتجربة لا تُكتسب قيمتها إلا من خلال اختبار منهجي. لذلك قررت إخضاعها لاختبار نقدي عبر شبكة قراءة تهدف إلى قياس عناصر: التفاعل، والإيهام، والتخييل، والتمثيل.
وفقًا للناقد الألماني ولفغانغ إيزر، فـ"التفاعل" يحدث في النقطة الفاصلة بين بنية النص والقارئ. وهو يتفاوت من قارئ لآخر حسب ثقافته وتفاعله مع عالم الرواية. وقد يتجلى أحيانًا في مجرد قراءة الرواية لمرة واحدة، أو في إبداء إعجاب عابر بالحكاية، دون تحليل. بينما يصل التفاعل لأقصاه عندما يُعيد القارئ قراءة الرواية مرات متعددة، مسلحًا بأدوات التأويل.
أما "الإيهام"، فهو تلك اللعبة النفسية التي يوظفها الكاتب ليُدخل القارئ في وهم واقعية ما يقرأ، حتى ليظن أن الأحداث حقيقية، وأن المؤلف هو نفسه السارد.
أما "التخييل" فهو صناعة عالم روائي متخيل لا يعكس تمامًا الواقع، لكنه مستند إليه. و"التمثيل" يُترجم ذلك التخييل إلى شخصيات وأحداث ومواقف مرسومة داخل فضاء زمني ومكاني محدد. وفي هذا السياق يقول أمبرتو إيكو: "عندما يتم رسم العالم، تأتي الكلمات من تلقاء نفسها".
هنا، يظهر أن التفاعل والإيهام متاحان لكل القراء، بينما يتطلب التخييل والتمثيل قارئًا ناقدًا ومؤوّلًا، يملك من الأدوات ما يسمح له بفك الشفرات السردية، وإعادة تركيب المعنى. وعند الوصول إلى هذا المستوى من التلقي، يمكن للعمل الأدبي أن يرتقي من مرتبة الإنتاج إلى أفق الإبداع.

موسى مليح





* نص الكلمة التي ألقاها القاص والروائي موسى مليح في حفل توقيع رواية "الرفيق" بمدينة آيت أورير 14/08/202‪5:

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...