رانية مرجية - الحرية والعدالة… حين يتصافح الحلم مع الواجب

المقدمة

ثمة لحظات في التاريخ يتوقف فيها العالم عن الصخب، لينصت لصوتين عظيمين يعلوان فوق الجراح: صوت الحرية، وصوت العدالة. كلاهما لا يُشترى ولا يُمنح هدية، بل يُنتزع انتزاعًا من بين أنياب الخوف والظلم. الحرية هي أن أتنفس بملء رئتيّ دون إذن من أحد، والعدالة هي أن أعرف أن أنفاسي لا تُسلب من آخر لأجل أن أعيش. وما بينهما، يمتد جسر طويل من الدم والتضحيات، لكن أيضًا من الأمل والكرامة.



منذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء وسأل: “من أنا؟”، كان الحلم بالحرية يسكن وجدانه، والبحث عن العدالة يؤرق ضميره. الحرية ليست ترفًا سياسيًا ولا شعارًا يُرفع في الميادين ثم يُطوى، والعدالة ليست ميزانًا جامدًا فوق منصّة القضاء. كلاهما جوهرٌ وجودي، إذا غاب أحدهما اختلّ ميزان الحياة، وضاع معنى الإنسان.



الحرية – الحق الذي يولد مع النفس

في الفلسفة، يرى إيمانويل كانط أن الحرية الحقيقية ليست انفلاتًا من القيود، بل قدرة الإرادة العاقلة على أن تشرّع لنفسها القوانين الأخلاقية (كانط، أسس ميتافيزيقا الأخلاق). أما جون ستيوارت ميل فيؤكد في كتابه عن الحرية أن حرية الفرد تتوقف عند النقطة التي تبدأ فيها حرية الآخر، لتظل الحرية مرتبطة بالمسؤولية.
وفي التجربة الإنسانية، الحرية هي أن أقول ما أؤمن به دون أن أخشى السجن أو النبذ، وأن أعيش هويتي بلا خوف، وأن أرى في اختلافك امتدادًا لثراء العالم لا تهديدًا له.



العدالة – المعيار الأخلاقي للحياة المشتركة

يصف أفلاطون في الجمهورية العدالة بأنها تناغم بين أجزاء النفس كما بين طبقات المجتمع، بينما يرى أرسطو في الأخلاق النيقوماخية أنها الفضيلة الجامعة التي تضمن المساواة في المعاملة وتوزيع الخيرات. وفي العصر الحديث، وضع جون رولز في كتابه نظرية في العدالة معيارًا إنسانيًا حين قال إن القواعد العادلة هي تلك التي نختارها من وراء “حجاب الجهل”، أي دون أن نعرف مواقعنا في المجتمع، فنشرّع للكل كما لو كنا أي شخص فيهم.
لكن العدالة في بعدها الإنساني ليست نصوصًا مكتوبة، بل شعور داخلي بأن كرامتي وكرامتك سواء، وأن القانون لا يفرّق بين الوجوه.



حين يلتقيان في التاريخ

التاريخ يعلمنا أن الحرية بلا عدالة تتحول إلى فوضى، وأن العدالة بلا حرية تتحول إلى قمع.
• في فلسطين، كانت مسيرات العودة مثالًا على أن الحرية والعدالة وجهان لنفس النضال: المطالبة بحق العودة (عدالة تاريخية) لا تنفصل عن الحق في الحياة بلا حصار ولا قيد (حرية).
• في جنوب أفريقيا، جسّد نيلسون مانديلا المعادلة الصعبة: كيف تقاتل نظام الفصل العنصري طلبًا للعدالة، وتصرّ في الوقت نفسه على بناء دولة تحمي حرية الجميع، حتى خصوم الأمس.
• في الهند، علّمنا المهاتما غاندي أن النضال السلمي يمكن أن يكون سلاحًا يجمع بين الحرية كتحرر من الاستعمار، والعدالة كرفض لهيمنة طبقة أو عرق على آخر.
• في الولايات المتحدة، رفع مارتن لوثر كينغ صوته قائلًا: “الظلم في أي مكان تهديد للعدل في كل مكان”، رابطًا بين تحرير السود من التمييز وضمان الحرية لكل مواطن.



النداء الإنساني

الحرية تمنحنا الأجنحة، والعدالة تمنحنا توازن الطيران. الحرية تمنحنا الصوت، والعدالة تمنحنا الصدى الذي يرد علينا بالحق. وإذا التقيا، يولد وطنٌ لا يخشى فيه أحد أن يكون نفسه، ويزهر حلم لا يقتله فجر غادر.



قصيدة الختام

أيها الفجر،
لا تشرق قبل أن تردّ لكل قلبٍ صوته،
لكل عينٍ نورها،
لكل يدٍ قوتها،
لا تحمل لنا النهار إلا إذا كان ميزانك مستقيمًا،
وشمسك لا تفرّق بين ظلّ غنيّ وفقير.

أريد حريةً لا تسكرها السلطة،
وعدالةً لا تبيع ميزانها في سوق النخاسة.

وحين يلتقيان،
سأغرس راية بيضاء فوق جرح الأرض،
وأكتب عليها: هنا سكن الإنسان.



المراجع المعتمدة
1. أفلاطون، الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997.
2. أرسطو، الأخلاق النيقوماخية، ترجمة أحمد لطفي السيد، مكتبة النهضة المصرية، 1924.
3. كانط، أسس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار النهضة العربية، 1964.
4. جون ستيوارت ميل، عن الحرية، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، 1998.
5. جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة فاطمة الشايب، المنظمة العربية للترجمة، 2009.
6. مانديلا، نيلسون، رحلتي الطويلة نحو الحرية، ترجمة فايز الصيّاغ، دار الفارابي، 1995.
7. غاندي، المهاتما، قصة تجاربي مع الحقيقة، ترجمة كامل زهيري، المجلس الأعلى للثقافة، 2000.
8. كينغ، مارتن لوثر، لماذا لا ننتظر؟، ترجمة محمد عناني، الهيئة العامة للكتاب، 2011
Écrire à رانية فؤاد مرجية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...