د. أحمد الحطاب - الثقة المفقودة

عندما يفقد شخصٌ ما الثقةَ في شخصٍ آخرَ، فهذا الحدَث يُعد تجربة مؤسِفة قد تكون لها عواقب غير إيجابية على العلاقات التي تربط الشخصَ الأول بالشخص الثاني. لكن، رغم هذه العواقب، من الممكِن الوقوف على الأسباب التي أدَّت إلى هذا الوضع المؤسِف وتجاوزها بالتَّفاهم بين الطرفين، وإعادة الثقة إلى ما كانت عليه قبل فقدانِها.

فإذا كان بالإمكان، على المستوى الفردي، إعادة الثقة إلى ما كانت عليه، فهل من الممكن إعادتُها على المستوى الجماعي/ السياسي؟ وبعبارة أخرى، إذا فقد المواطنون الثقةَ في السياسة بسبب التَّصرفات غير المُقنِِعة للأحزاب السياسية، وخصوصا أن هذه التَّصرفات تتكرَّرُ من ولاية حكومية إلى أخرى. أنا شخصياً، أقول وأعيد، من المستحيل إعادة الثقة لا في السياسة ولا في الأحزاب السياسية. لماذا؟

لأنه إذا كان الحزبُ فاسِدا وطبَّعَ ويُطبِّع مع الفساد، فالمنطِق يقول، من المفروض أن تحدثَ قطيعةٌ une rupture مع هذا الحزب! ثم، بالنسبة لي، كل حزبٍ لا يحارب الفساد، فإنه يقبل أن يدبِّرَ الشأنَ العام في جوٍّ مشحون بالفساد. والفساد وتدبيرُ الشأن العام، بكيفية مُرضِية، لا يمكن أن يتساكنا.

ورغم أن القطيعةَ التي تحدث بين الأحزاب السياسية، من جهة والشعب المغربي، من جهة أخرى، فعدم الوفاء بالوُعود ne pas tenir les promesses، يأتي على رأس القائمة. وما أكثرَ الوعود التي تُعطَى أثناء الحملات الانتخابية، لكن جلَّها لا يتم الالتزامُ به.

وفي هذا الصدد، أحد الأحزاب السياسية تصدَّرَ الانتخابات التَّشريعة سنة 2011، أخذ على عاتقه، أثناء حملتِه الانتخابية، أن يُحاربَ الفساد. وبدأ فعلا، لما صعد للسلطة، في محاربة الفساد، لكن رئيسَ الحكومة، آنذاك، تراجع عن التزامه، قائلاً لأحد وسائل الإعلام الأجنبية "عفا الله عن ما سلف". وهذا هو أكبر الأخطاء التي ارتكبها هذا الحزب، علماً أنه من المستحيل تدبير الشأن العام في مشهدٍ سياسي ينخره الفساد.

ومحاربة الفساد لا بمكن أن تنجح إلا إذا كانت البلادُ تتوفَّر على نظامٍ قضائي مستقل عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، أي قضاء يتَّسم بالنزاهة la probité والاستقامة l'intégrité ليُطبِّقَ، حرفياً، المبدأ الدستوري الذي ينصُّ على اقتران المسؤولية بالمُحاسبة associer la responsabilité avec la reddition des comptes.

وكل الأحزاب السياسية تلتزم أثناء الحملات الانتخابية بمُحاربة الفساد، لبطريقة أو أخرى. لكن هذا الأخير، لا يزال قائماً رغم ما خطَّته الحكومات المتعاقِبة على تدبير الشأن العام من سياساتٍ عمومية.

ومن بين الأسباب التي تجعل المواطنين يبتعدون عن السياسة أو يكرهونها، فكرياً وممارسةً، هو أن بعض القيادات الحزبية تظهر للناس كأنها قدوة يُحتدى بها، صفاءً وأخلاقاً، فإذا بها هي أول مَن تخرق مبادئ حزبها بتَورُّطها du fait de son implication في فضائح اجتماعية dans des scandales sociaux.

وفي هذا الصدد، أتذكَّر أن أحد وزراء الحزب الذي تراجع عن محاربة الفساد، تورَّط في فضيحة لها علاقة بالتَّغطية الاجتماعية. فهل يُغقل أن وزيراً الذي، من المفروض، أن يكونَ قدوةً في الاستقامة والنزاهة، وأول مَن يحترم القانون ودستورَ البلاد، يدوسهما بدون تردُّد، ويحرِم أحد موظفيه الذي يشتغل بمكتبه للمحاماة، من حقوق مكفولة دستورياً؟

وفي الختام، هذه ليست إلا بعض النماذج من الأسباب التي تجعل المواطنين يفقدون الثقةَ في كل ما هو سياسي وفي الأحزاب السياسية. من بين هذه الأسباب، أذكر على الخصوص :

1.انعدام الشفافية la transparence والاستقامة l'intégrité في العلاقات التي تربط الأحزاب السياسية بالمواطنين.

2.عدم جدوى السياسات العمومية l'inefficacité des politiques publiques التي لا تُغيِّر شيئاً في تحسين ظروف عيشِ المواطنين.

3.استِحواد شيوخ الأحزاب السياسية بمناصب القيادة لمدة طويلة، أي أن هؤلاء الشيوخ يرفضون تجديدَ النُّخب refusent le renouvellement des élites.

4.انعِدام الديمقراطية داخل كل الأحزاب السياسية، علماً أن نفسَ هذه الأحزاب تطالب بتطبيق الديمقراطية في العمل السياسي. فاقد الشيءِ لا يُعطيه!

5.انعِدام التَّآزر بين الأحزاب السياسية لخدمة الصالح العام. كل الأحزاب السياسية تتناحر فيما بينها بالسب والشتم، وخصوصا، أثناء الحملات الانتخابية.

6.تغييرُ الوجوه في البرلمان والحكومة دون تغيير الخط السياسي، وكأن هذا الخط تراث تتوارثه البرلمانات والحكومات، بمعنى أن هذا الخط ثابت ولا تجرأ أية حكومة على تغييره.

وأخيراً، من المعروف والمتعارف عليه، هو أن الأحزابَ السياسيةَ ذات مصداقية ayant une crédibilité تبحث دائما عن أسباب القطيعة وتحاول تجاوزَها بتغيير خطها السياسي، إرضاءً، أولا، لأعضائها، وثانياً للمواطنين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...