خالد عطية - مروان البرغوثي... حين يصبح السجن وطنًا مؤقتًا

إلى أي مدى يمكن لاسم واحد أن يلخص سؤال القيادة والمعنى في اللحظة الفلسطينية الراهنة؟ في ظل أزمة البنية السياسية والإبادة والتجويع الجاريين، يعود اسم مروان البرغوثي لا كشخص فحسب، بل كاختبار حي لفكرة التحرر، ولإمكان بناء قيادة تخرج من السجن الرمزي والمادي معًا.
وُلد مروان البرغوثي في كوبر عام 1959، وصعد داخل فتح منذ شبابه، وبرز تنظيمياً خلال الانتفاضتين كأحد قادة “التنظيم” في الضفة. اعتقلته إسرائيل عام 2002، وفي 2004 حكمت عليه بخمس مؤبدات وأربعين سنة إضافية. هذا الحكم لم يكن مجرد إجراء قضائي، بل جزء من السياسة الإسرائيلية التي لا تعترف للفلسطينيين أصلاً بحقهم في العدالة أو في المحاكمة العادلة. فغياب العدالة ليس ثغرة أو قصورًا شكليًا، بل ممارسة منهجية ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية لإقصاء الفلسطيني عن أي دور سياسي مستقل، ولطمس أي صوت مقاوم أو قيادة وطنية محتملة.
في السجن، الذي تحوّل في التجربة الفلسطينية إلى مصنع للمعنى، صاغ البرغوثي وثيقة الأسرى عام 2006، نصًا وحدويًا حاول وضع برنامج وطني جامع ومأسسة الشراكة بين القوى، ونقل المقاومة من ردّ فعل إلى استراتيجية متفق على سقفها. لم تكن الوثيقة مجرد خطاب أخلاقي، بل خريطة طريق لإدارة التعدد الفلسطيني داخل إطار تحرير ديمقراطي.
يظهر الرجل بثلاثة وجوه مترابطة: إنسان سياسي تَشكّل في الميدان وتعلّم لغة الشارع قبل لغة البروتوكول؛ رمزٌ جامع دفع كلفة شخصية عالية بعيدًا عن شبكات الامتياز في السلطة، ما جعله رصيدًا أخلاقيًا عابرًا للفصائل؛ ورأس مال سياسي تبقيه استطلاعات الرأي في صدارة المرشحين المفترضين للرئاسة كلما طُرحت انتخابات حرة، وهو ما يفسر كثافة الصراع على صورته وخطابه.
خلال حرب الإبادة والتجويع على غزة، عاد اسمه مجددًا إلى واجهة الرسائل السياسية. زيارة وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير لزنزانته في 15 أغسطس 2025 لم تكن مجرد حركة بروتوكولية، بل محاولة إذلال مقصودة ورسالة بأن يد إسرائيل تصل إلى رموز الفلسطينيين حتى خلف القضبان. مثل هذا الاستعراض يعكس حساسية صورة البرغوثي في معادلة الردع والمعنى، خصوصًا في لحظة إسرائيلية مأزومة.
يتقدم البرغوثي كلما تراجعت السلطة، لأنه يجسد بديلًا غير مُجرَّب خارج ماكينة الامتيازات التي أنهكت شرعية السلطة والانقسام. حين يتآكل العقد الاجتماعي، يميل الجمهور إلى من دفع كلفة شخصية ويمتلك خطابًا وحدويًا. لكن رفعه إلى مرتبة المخلّص يحمل مخاطر: اختزال السياسة في الفرد، وتجميد الزمان السياسي، وتحويله إلى ورقة في صفقات إقليمية ودولية.
إن أُفرج عنه، ستواجه فتح هزّة بنيوية: إما تجديد جذري يعيد وصل الحركة بمجتمعها، أو انقسام بين حرس قديم وشبكات جديدة، ما سيعيد تشكيل معادلة التمثيل الفلسطيني والشراكة بين الفصائل، وربما يفتح نافذة انتخابية إن توفرت ضمانات سياسية وأمنية. وإن بقي أسيرًا، سيتكرّس كرمز وحدوي، ويستمر فراغ القيادة التنفيذية مع تآكل شرعية إدارة الصراع.
تحويل هذا الرمز إلى برنامج يتطلب شرعية انتخابية حقيقية، وعقدًا وطنيًا محدثًا، وقيادة جماعية لا فردًا فوق الدولة، واستقلال القرار الوطني عن ريع السلطة، واستراتيجية مقاومة متعددة الأدوات من الميدان إلى القانون الدولي والمقاطعة وحروب السردية، ضمن إيقاع سياسي منظم.
تلاحق إسرائيل صورة البرغوثي لأنها تدرك أن الرمز المرتبط بقاعدة اجتماعية واسعة يُضعف قدرتها على تبرير مشروعها أخلاقيًا وسياسيًا، ويقترح بديلًا وطنيًا قادرًا على توحيد الفلسطينيين. في النهاية، ما يجعل اسمه محفزًا لا مهدئًا في زمن الإبادة والحصار هو أنه يربط بين كرامة السجين وكرامة الجماعة، بين من يُحرم من الضوء ومن يقف في طوابير الضوء والماء والخبز، ويجعل معركة الفلسطينيين ليست فقط مواجهة الاحتلال على الأرض، بل أيضًا معركة السردية الفلسطينية التي تكشف حقائق النضال والعدالة أمام العالم.
قد يخرج البرغوثي من السجن وقد يبقى فيه سنوات طويلة، لكن جوهر المسألة لا يتوقف على موعد الإفراج عنه، بل على ما إذا كانت الحركة الوطنية قادرة على تحويل تضحياته وتضحيات آلاف الأسرى إلى نظام سياسي جديد. المطلوب هو الانتقال من قيادة تقوم على شبكات المصالح والولاءات إلى قيادة تستند إلى عقد وطني جامع يحدد المسؤوليات والحقوق ويضمن الشراكة. عندها يصبح اسم مروان البرغوثي جزءًا من مشروع تأسيسي للتحرر وبناء الدولة، لا مجرد رمز يُستدعى في لحظات الحنين أو العاطفة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...