مصطفى معروفي ــ قصائد لامعة في شعرنا العربي

عندما نتصفح ديوان الشعر العربي عبر عصوره المختلفة يشدنا إليه توتره الفني وطاقته الإبداعية التي يزخر بها، وخاصة في الوصف والتصوير، وقد تسحرنا بعض القصائد فلا تطاوعنا النفس إلا في إعادة الكرة من جديد لقراءتها والتمتع بمضامينها وأجوائها التي تبعث فينا الشعور بالسعادة والجمال وتزيد من نمو الذائقة الأدبية لدينا.
إذا بدأنا بالعصر الجاهلي الذي هو العصر الفني الذهبي للشعر بحق، سنجد معلقة امرئ القيس تطالعنا بفنيتها وحسن تناولها للمواقف ودقة تعبيرها. وهي تبدأ بالبيت التالي:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلِ
بسقط اللوى بين الدَّ خول فحوملِ
وقد أبدع فيها الشاعر في وصف الليل حيث يصوره كموج البحر، وفي وصف فرسه الذي يسير بسرعة فائقة فتمرق الأرض من تحته مروقا هائلا.
وتأتي إلى جنب معلقة امرئ القيس معلقة زهير بن أبي سلمى التي يبدأها بقوله:
أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّمِ
بِحَومانَةِ الدُرّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ
والتي يعبر فيها عن توقه للسلام ومساعيه التي لا تفتر من أجل تحقيقه واستتبابه بين أبناء القبائل التي دأبت تحارب بعضها البعض لأسباب تبدو أحيانا غير وجيهة ولا تستحق ركوب الخيل وحمل السيوف.
ونطل على العصر الإسلامي فتطالعنا قصيدة كعب بن زهير العصماء شامخة والتي قال الشاعر في بدايتها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ
متيمٌ إثــرها لم يُفــــــدَ مكبولُ
والقصيدة فيها تصوير بديع للجمال الأنثوي كما كان يراه الإنسان العربي آنذاك، وفيها يعبر الشاعر بإحساس صادق عن قلقه الشديد إزاء ما وصله أن الرسول (ص)يريد إهدار دمه بسبب إساءته ـ الشاعر ـ للإسلام وذم نبيه.
وعند العصر العباسي الأول نجد سينية البحتري الرائعة التي مطلعها هو:
صُنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي
وَتَرَفَّعتُ عَن جَدا كُــلِّ جِبسِ
وقد درسناها في المرحلة الإعدادية بعناية على يد أستاذنا العالم الجليل المتمكن. وهي قصيدة لا تقف مضمونا في حيز معين من المواقف بل تنطلق إلى أفق رحب من القيم الإنسانية الرفيعة.
وفي هذا العصر بالذات نلتقي بقصيدة أبي تمام البائية بمطلعها الذي هو:
السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
وفيها اقتدار شاعري فذ في تصوير الثأر للكرامة.
وفي العصر العباسي الثاني نجد ميمية أبي الطيب المتنبي والتي هي أيضا درسناها في نفس المرحلة الإعدادية وعلى يد نفس الأستاذ المشار إليه، والقصيدة أكثر من رائعة ويقول مطلعها:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ
وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
ولا يفوتنا هنا ونحن في هذا العصر أن نذكر أبا العلاء المعري وقصائده التي تفيض حكمة وجمالا.
وفي العصر الحديث هناك قامات شعرية تظهر من بعيد للعيان كنار على علم. فنصادف فيه مثلا أبا القاسم الشابي وخاصة في قصيدته المعنونة ب"صلوات في هيكل الحب"والتي مطلعها هو:
عذبْـةٌ أنـتِ كالطفــولـةِ، كـالأحــ
ــلام كاللّحن، كالصباح الجديدِ
وهي قصيدة عذبة تجل روعتها عن الوصف.
كما نجد الشاعر أحمد شوقي وقصيدته الرائعة "النيل"والتي يقول مطلعها:
مِن أَيِّ عَهدٍ في القُرى تَتَدَفَّقُ
وَبِأَيِّ كَفٍّ في المَدائِنِ تُغدِقُ
وغيرها من القصائد التي طبعت شعرنا بطابع الفن العالي القيمة في الشكل وفي المضمون،وجعلته يتبوأ مكانة مشرفة بين دواوين الشعر العالمية.
وبالله التوفيق.
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...