د. محمد الهادي الطاهري - صورة الإسفنجة ورمزيتها في رواية الإسفنجة للأستاذ الأزهر الزناد

1. تمهيد:
لم تأت المعاجم العربيّة على كلمة الإسفنجة. وأقصى ما يعثر عليه المرء في هذه المعاجم أنّ الإسفنج كما قال صاحب القاموس المحيط "عروق شجر نافعٌ في القروح العفنة"، والسّفنّج كما قال صاحب اللسان "هو الظليم الخفيف السريع، وقيل الطويل" والمؤنّث منه سفنّجة. وليس في هذه التعريفات ما ينطبق على المراد من لفظ الإسفنجة الوارد في عنوان الرواية وهو لفظ شائع في العربيّة المعاصرة، إذ ليس في نصّ الرواية على امتداد فصولها الخمسة ما يشير من قريب أو بعيد إلى مجمل المعاني المنصوص عليها في الاستعمال العربيّ القديم وهي معاني الخفّة والسرعة والطول إلى جانب معنى العقّار النافع لمعالجة القروح العفنة الذي انفرد به الفيروزآبادي في قاموسه المحيط.
وأمام هذه المسافة الفاصلة بين المعاني المقرّرة في المعاجم القديمة والمعنى الشائع في العربيّة المعاصرة ، وهو المراد من لفظ الإسفنجة الذي اختاره الزناد عنوانا لروايته، لابدّ من الرجوع إلى معاجم العربيّة الحديثة والمعاصرة لعلّنا نعثر على القاع الدلالي لكلمة الإسفنجة التي سكنت رأس الكاتب فجعلها مدخلا للرواية كما سكنت رأس الراوي فتردّدت على لسانه مرّات عدّة وجعل من صورتها مفتاحا لقراءة الكثير من ألغاز الحياة. فقد جاء في المعجم الوسيط أنّ الإسفنج حيوان بحريّ رخو الجسم ذو مسامّ واسعة، وأنّه جسم رخو مرن يُتّخذ منه ما ينفع للاستحمام والتنظيف لقوّة امتصاصه الماء. والظاهر من هذا التعريف أنّ الكاتب قد اختار عنوان روايته لا من العربية القديمة بل من العربيّة المعاصرة حيث تردّدت صورة الإسفنجة تمتصّ كلّ شيء في مواقع كثيرة من الرواية.
لم نكن لنجري هذه المقارنة بين ما أوردته المعاجم العربيّة القديمة وما جاء في المعاجم الحديثة لو لم يكن الكاتب واحدا من علماء اللغة العارفين بأصول العربيّة وفصولها وقد أفنى ردحا من حياته في تحليل أنظمة اللغة العربيّة الصرفيّة والنحويّة والدلاليّة. نقول ذلك لأنّ "الإسفنجة" لفظ لا ذكر له في العربيّتين القديمة والحديثة، ولم يرد على هذه الصورة الصرفيّة البتّة، وهو ما يعني أن الكاتب قد اختار لروايته عنوانا لا جذور له في الاستعمالين الفصيحين القديم والحديث، وأقصى ما يمكن التعويل عليه في تأصيل هذا اللفظ هو جرأة الكاتب على نظام اللغة العربيّة باختراع صيغة لتأنيث لفظ الإسفنج المذكّر فاستحدث منه الإسفنجة. الإسفنجة إذن مؤنّث الإسفنج، ذلك الحيوان البحريّ الرخو المرن، أو القطعة المصنوعة منه تستعمل للاستحمام والتنظيف.
في هذا الاختراع وما فيه من جرأة على نظام العربيّة في طوريه القديم والحديث، ما يدفع القارئ إلى التفكير في العقل اللغويّ الذي زوّد الزناد بهذه الجرأة ليتخلّى عن الفصاحة وينحدر بلغته نحو قاع دلاليّ لا أسس له وهو من هو علما بالعربيّة وأسرارها. وحين عرضنا لفظ الإسفنجة المستحدث في عربيّة الزناد دون غيرها على اللغات الأوروبيّة وجدنا أصواتا يردّد بعضها الآخر. فالإسفنجة العربيّة المولّدة صدى من أصداء كلمات فرنسية وانكليزية وإسبانية وإيطالية يردّد بعضها البعض، فهي في المعاجم الفرنسية éponge وفي الإنكليزية sponge وفي الإيطاليّة spugna وفي الإسبانية esponga. والمستفاد من هذه المقارنة الصوتمية أنّ الإسفنجة العربيّة ليست في نهاية المطاف سوى ترجمة حرفيّة لإحدى هذه الكلمات الأوروبية ذات الجذر اللاتيني الواحد (spongia)، ومعناها في جميع هذه اللغات هو نفسه المعنى الوارد في معاجم العربية الحديثة والمعاصرة.
وحين يقتبس عالم اللغة العربيّة من اللغات الأوروبيّة صورتيْ الإسفنجة السمعية والذهنيّة ويجريهما في اللسان العربيّ للتعبير عن معاني المرونة والامتصاص واتّساع الشيء لما يفوق وزنه أضعافا مضاعفة، يكون الاقتباس اختيارا واعيا يكشف عن نيّة التنبيه إلى آليّة امتصاص الواحد للكلّ وانصهار الكلّ في الواحد التي باتت تحكم العالم في زمن العولمة. آليّة بدت في أغلب ردهات الرواية منكرة رغم حضورها العنيف، وحين ترجمها عمر التونسي بطل الرواية إلى نظريّة لاقى الويلات حتّى كاد يشرف على الهلاك.
وفي ضوء هذه الملاحظات اللغوية، سنحاول قراءة صورة الإسفنجة في الرواية برصد مواقعها في النص وتفكيك عناصرها واستجلاء ما ترمز إليه.
2. ملخّص الرواية:
تتلخّص رواية الإسفنجة في شخصيّة عمر التونسي، وهو شابّ ذكيّ نبيه دخل الجامعة مدرّسا للتاريخ وسرعان ما لمع نجمه بعد أن أعدّ رسالة دكتوراه دولة في السوربون حول نظريّة خلدونيّة مقلوبة وهي أنّ الغالب يقتدي بالمغلوب خلافا لما قرّره ابن خلدون، وأنّ الشعوب الغالبة ينتهي بها التاريخ إلى الانصهار في ثقافة الشعوب المغلوبة، ولهذا الانصهار صورة واحدة في الرواية كلّها وهي صورة الإسفنجة تمتصّ كلّ شيء. ولكنّ هذا الصعود السريع أعقبه هبوط مدوّ حين قضت الهيئة العلميّة في السوربون بطرده من الجامعة بعد اتهامه بمخالفة التقاليد الأكاديميّة حين تنبّأ بذوبان الشعوب والدول الغالبة في ثقافة الشعوب المغلوبة وقدّم أمثلة على ذلك منها الاحتلال الإسرائيليّ في فلسطين وتفسّخ صورة أوروبّا الحديثة بحلول المهاجرين إليها من أطراف العالم والمستعمرات القديمة. وجد عمر نفسه مطرودا بلا عمل في بلاد غريبة فأخفى الأمر على لورا زوجته الفرنسية التي ساعدته على دخول السوربون طالبا ثم أستاذا، وعلى ابنتيه منها وعلى عائلته في تونس التي انقطعت صلته بها منذ غادر إلى فرنسا. وألجأه الطرد إلى السقوط في مهاو عديدة، فقد فكّر في الانتحار أوّلا وخطّط له وشرع في تنفيذه بعد أن ابتاع عقارا سامّا من قلب باريس العتيقة من تاجر مخدّرات وعقاقير ودجّال يبيع المنكوبين أوهاما ويفسّر لهم أحلاما. ولكن محاولة الانتحار باءت بالفشل فعاد إلى فرج التاجر محتجا فشرح له التاجر حقيقة العقار الذي اشتراه منه وأنّ مفعوله يزول إذا امتزج بالنبيذ، ثم أقنعه بالعدول عن فكرة الانتحار ودعاه إلى العمل معه في بيع الأوهام فقبل ووجد في هذه الصناعة الجديدة ربحا كثيرا مكّنه من عيش رغيد بعد أن أتقن قواعدها بدءا بارتداء الجلباب وإرسال اللحية وصولا إلى الإحاطة بما كتب في السحر والطلاسم وتفسير الأحلام، فبات يُعرف بالشيخ عمر بعد أن كانت شهرته البروفيسور عمر. ولكن الشيخ عمر لم يستمرّ في هذه الصناعة لما كان يعتمل في داخله من شعور بالخزي كلّما قارن صورته العلمية القديمة بصورة الدجال الجديدة، وظلّ ممزّقا بين ما يقتضيه الواجب تجاه عائلته المدلّلة التي اعتادت النفقات الكثيرة والعيش في البذخ والحرص على سلامتها النفسية من ناحية وما يقتضيه العقل المناهض للشعوذة، ووجد في عرض عرضته عليه السيدة لاروس، وهي التي شهدت جلسات محاكمته في السوربون وانتصرت له، مخرجا جيّدا. فتحوّل من مشعوذ دجال يعمل مع الشيخ فرج إلى محاضر في نوادي الجمعيات الثقافية يروّج نظرية الإسفنجة التي تعبّر عن فكرة الانصهار وذوبان الكلّ في واحد من خلال أمثلة متنوّعة، وعاد عليه هذا العمل بأرباح تفوق الخيال وذاع صيته في كلّ أنحاء فرنسا وباتت حياته كلّها لنشر نظرية الإسفنجة وتفسير كلّ ما يجري في العالم وإن كان بسيطا بواسطتها، حتّى عادات الطبخ وطقوس الطعام وآدابه. ومرّة أخرى تهبّ عليه عاصفة كادت تودي به بعد أن تسلّلت المخابرات إلى وكر النسور الذي يقيم به وفيه نشأت قصّة الحبّ الثانية مع السيدة لاروس. فقد زرعت المخابرات أجهزة تجسس لمراقبته في غرفة النوم وفي بيت الاستحمام وهدّدته بتقديم الصور والفيديوهات إلى زوجته لورا وابنتيه إن لم يقبل العمل معهم محلّلا لما يصلهم من تونس من معلومات حول البلاد. ولكنه رفض ذلك ونجح في إحباط خطّتهم فأوهمهم بالجنون. وفي خضمّ هذه المعركة مع البوليس السرّي يأتيه نبأ سارّ من السيدة لاروس تخبره فيه بأنه كسب القضية ضدّ جامعة السوربون وأنّ المحكمة قضت له بالرجوع إلى العمل والتعويض عن سنوات الطرد التسع، وبأنها حامل منه. فجنى من قرار المحكمة أموالا طائلة ورفض العودة إلى الجامعة واستمرّ في تقديم المحاضرات في جميع أنحاء العالم يفسّر كلّ شيء بنظرية الإسفنجة. وانتهى به المطاف إلى جنوب إفريقيا بعد أن طوّف في كل قارّة وهناك التقى بأحد زملاء الدراسة القدامى وهو من أبناء بلدته يعمل طبيبا، وهناك لاحظ آثار الزمن في وجه صديقه المجعّد وفي شعره الأشيب وجسمه المترهّل بينما بدا هو شابّا كأنّ شيئا لم يطرأ عليه والتفسير طبعا هو نجاحه في أن يفكّر ويعيش تماما كما تعيش الإسفنجة. إنها القدرة على امتصاص كلّ شيء وتذويبه واعتصاره بعد ذلك فتعود الإسفنجة كما كانت خفيفة طريّة.
3. تجليّات الإسفنجة الصورة:
ظهرت صورة الإسفنجة في ثلاثة مواقع رئيسيّة وهي على التوالي: عنوان الرواية، وعنوان الفصل الثاني (ميلاد الإسفنجة)، وعنوان المقطع الأخير من الفصل الرابع ( الإسفنجة الجديدة). وبهذا التوزيع تكون صورة الإسفنجة قد انتشرت في فضاء الرواية كلّها على شكل هرم مقلوب في حركة تنازليّة، حيث ظهرت أوّلا في صفحة الغلاف عنوانا للرواية كلّها، ثم ظهرت بعد ذلك في مطلع الفصل الثاني عنوانا فرعيّا لأحد فصول الرواية الخمسة، لتظهر أخيرا عنوانا صغيرا لأحدى فقرات الفصل الرابع. حركة تنازلية من باب الرواية الرئيسي باتجاه بابها الخلفيّ الصغير. وفي اجتماع شكل الهرم المقلوب والحركة التنازليّة ما يلفت الأذهان إلى صورة مجرّدة وهي صورة جسم بأضلاعه الثلاثة انقلبت فيه القاعدة فصارت ارتفاعا وإذا بهذا المثلّث يقف على رأسه في إشارة إلى انقلاب مّا هو في اعتقادنا انقلاب المغلوب على الغالب بما فيه من دلالات صريحة على النظريّة المحورية التي بشّر بها بطل الرواية في أطروحته فلقيت إعجاب المجتمع العلمي وقلبت حياة صاحبها رأسا على عقب من باحث شابّ إلى قامة علميّة في أشهر الجامعات العالمية، وبما فيه أيضا من إشارات ضمنيّة إلى ما طرأ على حياة عمر بعد الشهرة التي حازها من اضطرابات كادت تودي بعقله وجسمه في الوقت نفسه حين فكّر في الانتحار أوّلا، ثم حين انقلب من رجل علم في السوربون يرتاد مجلسه العلميّ الناسّ كلّهم إلى دجّال يبيع الأوهام للمنكوبين والحائرين بعد أن تمّ طرده من الجامعة بسبب نظرية الإسفنجة التي طلع بها فعكّر أمزجة المجتمعين السياسي والعلمي في فرنسا.
تتّخذ الإسفنجة في هذه المواقع الثلاثة دلالات مختلفة: فهي في العنوان علامة لغويّة الدالّ فيها صورة سمعيّة واحدة بلغات عديدة والمدلول فيها واحد وهو مادّة مصنوعة من حيوان بحريّ تستعمل للتنظيف. بين الدالّ ومدلوله كما نرى تفاوت في القيمة. فالدالّ في ذاته يقود الذهن إلى تمثّل صورة عالم متعدّد الثقافات واللغات ولكنّه عالم موحّد يسمّي الشيء باسم واحد. قد تختلف مخارج الحروف هنا أو هناك ولكنّ الصورة السمعيّة واحدة، والعرب والغرب إذن على ما بينهما من اختلافات حادةّ يلتقيان في هذه الصورة السمعيّة. الإسفنجة إذن علامة توحيد وتأليف بين المختلفات. أمّا المدلول فهو مادّة مبتذلة لا وزن لها ولا قيمة وإن كانت نافعة. ومع ذلك استعار الكاتب صورة الإسفنجة تمتصّ من السوائل ما يفوق وزنها أضعافا مضاعفة للتعبير عن معنى طريف وهو ذلك الحقير المغلوب يبدو في الظاهر بلا وزن ولا قيمة ولكنه عند النظر قدير على استيعاب كلّ شيء واعتصاره متى شاء.
وهي في الفصل الثاني، وفي المقطع الرابع منه تحديدا (ميلاد الإسفنجة) استعارة. لم يعد لفظ الإسفنجة إذن حقيقة بعد تحوّل من الدلالة على تلك المادّة المصنوعة إلى الدلالة على نظريّة علميّة. الإسفنجة نظريّة اكتشفها عمر التونسي وهو يقرأ التاريخ فسمّاها "الغالبون في التاريخ مغلوبون دائما". وقد تحوّلت هذه الجملة العلميّة الواردة في أطروحته بعد ذلك إلى لفظ مفرد وهو الإسفنجة، واعترفت له لجنة المناقشة بهذه النظريّة المؤسّسة على فكرة طفولية ما انفكّت تنمو في ذهن صاحبها وهي أنّ بين ظواهر التاريخ وأحداثه المتباعدة خطوط ترابط تبدو واهية ولكنّها تشدّها إلى بعضها البعض، وأنّ هوامش التاريخ والمنسيّ منه بالخصوص هو الأعمق أثرا والأكثر عملا، وأنّ الغالبين مغلوبون في الحقيقة والمغلوبين هم الغالبون. نظريّة قلبت نظريّة مؤرّخ تونسيّ عظيم يشهد له العالم بما كشف من قوانين التاريخ الخافية، وها هو تونسيّ آخر يضع نظريّة أخرى في التاريخ أقرّت بها العلماء واعترفت له بالفضل فيها.
أمّا في نهاية الفصل الرابع فقد نبتت إسفنجة جديدة، لا هي بالإسفنجة الأولى التي جرى اللفظ فيها على الحقيقة، ولا هي بالإسفنجة الثانية التي جرى اللفظ فيها على الاستعارة. لقد ظلّ اللفظ واحدا في كلّ الأحوال ولكنّه يجري مرّة على الحقيقة وأخرى على المجاز. فقد اختتم الفصل الرابع (وكر النسور) بمقطع عنوانه " الإسفنجة الجديدة" وفيه يحدّثنا الراوي عمّا آلت إليه قصّة الحبّ العجيبة التي عاشها عمر مع السيدة لاروس بعد أن علم بأنها حامل منه. والإسفنجة الجديدة كناية عن ذلك المولود المنتظر. إنّها خلاصة لقاء حميميّ بين عمر والسيدة لاروس بدت فيها ليلة الحبّ ليلة حرث وزرع استوى نباته عجيبا مُعجبا.
لقد تبيّن لنا من تتبّع حركة الإسفنجة في نص الرواية خيط يصل معاني اللفظ بعضها ببعض في كلّ تحولاته من الحقيقة إلى الاستعارة إلى الكناية. بل إن هذا اللفظ الناشئ أصلا من لحظة إجماع بين شعوب مختلفة على تسمية واحدة لتلك المادة المصنوعة، يتولّد منه معنى جديد في لحظة جماع. ليست الحقيقة كالاستعارة ولا الاستعارة كالكناية. فاستعمال اللفظ على الحقيقة يحبس المعنى يكاد يقتله وتأتي الاستعارة لتحريره من هذا الحبس فتتوسّع الدلالة ويظلّ مع ذلك تجاذب بين الدلالتين الحقيقية والمجازية يذكّر أحدهما بالآخر، وقد لمسنا هذا التجاذب في صورة الإسفنجة االحقيقيّة تنازعها صورة الإسفنجة المستعارة للتعبير عن نظرية قلبت العقل التاريخي رأسا على عقب فانقلبت معها حياة البطل من شاب تونسي مغمور جاء يلتمس العلم إلى أستاذ يضاهي عظماء السوربون ويفوقهم منزلة. أمّا حين صار اللفظ كناية فقد اتّسعت المسافة بين المعنى الحقيقي والمعنى المكنّى عنه إذ انتقلنا من الحقيقة إلى الاستعارة لعلاقة المشابهة بين المعنيين، ثمّ انتقلنا من الحقيقة والاستعارة إلى الكناية لعلاقة الإيماء. ومع الإيماء يصير اللفظ رمزا. وإذا كانت الاستعارة تعبيرا يحثّ الذهن على تمثّل المعنى المراد بآليّة التمثّل والتصوّر فيمضي إلى بناء علاقة المشابهة بين صورة حقيقية وأخرى مجازية، فالكناية تحثّ الذهن لا على تشكيل الصورتين وما بينهما من تقارب يجعل إحداهما تحلّ في الأخرى بل على إنتاج عالم دلالي مواز لعالم الحقيقة ولا شيء بين العالمين يقضي بانفصالهما. في الاستعارة يولد عالم شبيه بعالم الحقيقة وفي الكناية يولد عالم ثالث، خفيّ ولكنه متجذّر في عالم الحقيقة لأنّه لازم من لوازمه. وفي دلالة اللزوم يظلّ الذهن يحفر في طبقات المعنى وصولا إلى أعمق طبقة هنالك حيث يخفى المراد يكاد يُنسى.
تلك هي رحلة الإسفنجة من الحقيقة إلى الاستعارة إلى الكناية، وهي رحلة القارئ بحثا عمّا يشير إليه هذا اللفظ في مختلف استعمالاته ليعثر أخيرا على المعنى الخفيّ في رمز الإسفنجة وهو الإنسانية في زمن العولمة. لقد بات البشر على اختلافاتهم العرقية والدينية والثقافية شيئا واحدا، هم في الظاهر كثيرون متصارعون ولكنهم في العمق يفكّرون بعقل واحد وينظرون إلى العالم من منظار واحد ويسلكون سلوكا واحدا. ذلك هو طبعهم في كلّ العصور والأمكنة، يتقاتلون ثم ينتهون جميعا إلى واحد فيذوبون في بعضهم البعض وتختفي الفوارق بينهم. بات الإنسان إسفنجيّ الماهية أي بلا وطن دائم ولا مبدأٍ دائم ولا هويّة دائمة. حياته كلها انتقال مستمرّ ينسيه أصوله وفصوله كما نسي عمر عائلته في جامة ونسي بعد ذلك عائلته الثانية في فرنسا. هل نسمّي ذلك خيانة؟ نعم هي خيانة ولكن نظرية الإسفنجة تبرّرها فذلك هو منطق الحياة كما هو منطق التاريخ.
4. الإسفنجة آلة تفسير وتأويل:
ينتشر في نصّ الرواية خطاب تفسيريّ يكاد يضاهي ما فيها من سرد ووصف. بل هو خطاب يرقى في أحايين كثيرة إلى أن يكون خطاب الرواية المحوريّ، يجري على لسان البطل كما يجري على لسان الراويّ لتفسير أحداث الرواية وأحوال الشخصيات وأنماط سلوكها وما بينها من علاقات فضلا عن تفسير مسائل كثيرة منها الرفيع ومنها الوضيع ، ومنها الجليل ومنها الدقيق، ومنها المركزيّ ومنها الهامشيّ. وفي ما يلي بيان ذلك:
1.4.الإسفنجة لتفسير حركة التاريخ:
ظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني حين تحوّلت نظريّة "الغالب يذوب دائما في المغلوب" إلى استعارة لتجسيم حركة التاريخ. وبالعودة إلى النماذج التي قدّمها البطل في أطروحته أمام اللجنة العلمية لإقناع أعضائها بنظريّته نقف على أمثلة كثيرة من مختلف الحضارات في مختلف الأمصار والأعصار، فالرومان والنورمان والوندال والفراعنة وهولاكو كلّهم ذهبوا وظلّت آثارهم في البلدان التي اكتسحوها. كلّ هؤلاء الغالبين دمّروا وأحرقوا وقتلوا وشرّدوا ثمّ ذابوا وظلت الشعوب التي عانت ويلاتهم حيّة بتقاليدها وعاداتها. بغداد دمّرها هولاكو ولكنّ هولاكو ذهب وظلت بغداد حيّة.
2.4. الإسفنجة لتفسير علاقة عمر الباحث باللجنة العلميّة:
كلّ من في لجنة المناقشة علماء بارعون، وهيئاتهم يوم المناقشة مهيبة، أمّا عمر فشابّ وافد من بعيد وهو إذن في مقام المغلوب وهم جميعا في مقام الغالب، وقد استطاع بما لديه من تريّث أن يجعل من صدره وعقله إسفنجتين تتّسعان لما انهال عليه من اللجنة من ملاحظات وتعليقات. لقد استوعب كلّ شيء فصار هو الغالب وصارت اللجنة مغلوبة حين اعترفت له بنظريّته.
3.4. الإسفنجة لتفسير علاقة عمر التونسي بلورا الفرنسيّة:
نشأت قصة عمر مع لورا الفرنسيّة وهو ما يزال في تونس يطوف بها في المدينة العتيقة ويطلعها على أجوائها ويحتفلان معا في طقوس فرنسيّة تونسيّة. وقد نجح عمر في استمالة هذه الفرنسية إليه وامتصّها وامتصّته حتّى صارا زوجين اثنين وصار لهما بنتان اثنتان هما خلاصة التمازج التونسي الفرنسيّ. لورا وعمر اسفنجتان اثنتان تتّسع كل واحدة منهما لامتصاص ما في الأخرى. وعلى هذا الأساس كانت عمر بالنسبة إلى لورا إسفنجة تونسية مرنة وطريّة استطاعت أن تستوعب الثقافة الفرنسية وتهضمها بسرعة وهو ما تجلّى في سلوكه معها قبل الزواج وبعده، وكانت لورا إسفنجة فرنسية مرنة وطريّة هي أيضا واستطاعت أن تستوعب الثقافة التونسية البلديّة بسهولة وهو ما تجلّى في صورتها "الشعر بلديّ ولون العينين بلديّ وشكل الأنف بلديّ والبياض بلديّ وعلى ظهر يدها اليسرى زهرة ياسمين بالحرقوص البلدي...".
4.4. الإسفنجة لتفسير علاقة عمر بالسيدة لاروس:
نشأت هذه القصّة يوم ناقش أطروحته حين عرضت عليه نشر الأطروحة وقد كان ذلك "خطوة أخرى نحو الاندماج". ثمّ تتابعت الخطوات نحو الاندماج الواحدة بعد الأخرى، فقد أبدت لاروس تعاطفا مع عمر يوم قضت هيئة السوربون بطرده وساعدته على تحرير شكوى لاسترداد حقوقه، ثمّ أنقذته من مستنقع الدجل الذي وقع فيه بعد طرده وأخرجته من ذلك القمقم وفتحت له مجالا يليق بنظريته في تفسير الظواهر بعيدا عن الخرافة فجعلت منه محاضرا في نواد ثقافية جلبت إليه خيرا كثيرا. إلى أن وقع فيها ووقعت فيه ذات ليلة في "وكر النسور". بعد تلك الليلة صار عمر في نظر لاروس إسفنجا وصارت لاروس هي الإسفنجة بكل ما في الصورة من معاني الرقة والمرونة واللطافة والنعومة. لا تختلف هذه الإسفنجة كثيرا عن لورا فهي مثلها تماما جسدا وروحا ولكنّ شيئا آخر فيها جعلها تقدر على امتصاص عمر وهو وعيها بحقيقتها الإسفنجيّة بخلاف لورا. لم تكن لاروس مجرّد امرأة فقد كانت فوق ذلك رمزا لأعرق مؤسسة علميّة في فرنسا وهي (لاروس)، منفتحة على كلّ الثقافات واللغات مستعدّة أبدا لاستيعاب كلّ جديد وافد وإدراجه في صلب الثقافة الفرنسية.
5.4. الإسفنجة لتفسير ما يجري في العالم الآن:
كانت الإسفنجة نظريّة لتفسير أحداث التاريخ الماضية، ثم صارت أداة لتفسير ما يحدث الآن في كلّ أنحاء العالم. فالاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين جلب إليها رجالا ونساء من كلّ أصقاع الأرض، ولكنّ أرض فلسطين لم تُمحَ وها هم المحتلّون بعد خمسين عاما يذوبون في ثقافة الأرض المغلوبة ويمتزجون بأهلها شيئا فشيئا. إسرائيل إلى زوال إذن لا بفعل المقاومة المسلّحة بل بفعل التاريخ. والعالم كلّه صار قرية يتواصل فيها الناس ويتناقلون المعارف والخبرات بيسر. وكلّ الحروب والنزاعات نراها تجري على تخوم الكيانات وحدودها، ولكن هذه التخوم حدود واصلة فاصلة، تجتمع فيها المتناقضات وتتعايش ويتبادل الناس فيها المفردات والأفكار كما يتبادلون أنماط العيش. هنالك يظهر عمل الإسفنجة بوضوح.
6.4. الطعام والشراب:
تحتفي الرواية بموائد الطعام والشراب، ويمعن الراوي في تصوير هذه الموائد والوقوف على أسرارها. وهي موائد متنوّعة شرقيّة وغربيّة، محلّية وكونيّة، زيّن بها الزنّاد روايته وجعلها الراوي مصيدة لاقتناص أفئدة من أحبّ من النساء. فقد وقعت لورا في صيده بعد ما طاف بها في أسواق المدينة العتيقة وذاقت "الكسكسى بكتف العلوش" وشربت الشاي بالنعناع، كما وقعت لاروس حين ذاقت طعم الديك بالنبيذ، وكذلك الفتاة الباسكية حين ذاقت طبق التمر والمرقاز. أمّا عمر فقد وقع في شراك الثقافة الفرنسية بما ذاقه من ألوان الشراب والطعام من يدي أمّ لورا ومن مطاعم باريس وحاناتها. وليست هذه الموائد مجرّد صور لتأثيث الرواية وتوسيع مداها، فقد كانت في الغالب كناية عن معنى الامتصاص العميق الذي وجده الكاتب في فعليْ الأكل والشرب. فعلان يمارسهما الإنسان مذ كان إنسانا وبهما يمتصّ الطبيعة امتصاصا ويمتصّ معها الثقافة أيضا. يتحوّل الإنسان بما يأتيه من أكل وشرب إلى إسفنجة تتشرّب منتجات الطبيعة لضمان البقاء، وتتشرّب معها روح الأيادي التي جعلت من الطبيعة طعاما وشرابا. ولا يكاد يخلو مقطع من مقاطع الرواية من ذلك أبدا، بل إنّ الراوي قد جاوز في مناسبات كثيرة حدود الوصف والتصوير إلى أن يُفلسف المائدة وما عليها فيمضي إلى التفكير في ما تعنيه عوائد الطعام والشراب ويركز بالخصوص على ما يفضي إليه من نتائج. فبفنون الطبخ غزت شعوب شعوبا، واشتدّت أواصر المحبّة والمودّة ونمت علاقات وتقارب المتباعدون. أليس هذا دليلا على أنّ الإنسان فردا كان أو جماعة آلة امتصاص معقّدة تفوق الإسفنجة أحيانا؟ نعم. إنه كذلك وأكثر. فهو يمتصّ كلّ شيء ويذوب فيه كلّ شيء النبات والحيوان والماء والهواء والبشر أيضا. حينئذ تكون موائد الطعام المعروضة في الرواية أكثر من مجرّد فخّ لاصطياد امرأة. إنّها إسفنجة تجتذب إليها الناس فيقعون عليها، والواقع في الحقيقة إسفنجة أخرى تمتصّ ما فوق المائدة فتمتصّ معه دون أن تشعر ثقافة.
5. خاتمة:
لقد حاولنا في هذه الصفحات تتبّع الإسفنجة في مختلف مواقعها فبدت لنا منها صور عديدة، بعضها بُني حقيقة وبعضها مجازا وبعضها كناية، وهي كلّها صور للتعبير عن معنى الذوبان، ذوبان الكلّ في الكلّ وامتزاج الكلّ بالكلّ. قانون يسري على الطبيعة كما يسري على الثقافة، ويفسّر الماضي كما يفسّر الحاضر. وليست الإسفنجة في هذه الرواية صورة فحسب، فقد ارتقت إلى أن تكون نظريّة علميّة لتفسير التاريخ، ثم صارت نظرية فلسفية لتحليل أنماط العيش والسلوك والتفكير، ثم صارت مفتاحا لتفسير العولمة والكشف عن أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافيّة. الإسفنجة تلك التي تمتصّ كلّ شيء هي الإنسان أو هي ما تعلّمه الإنسان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...