مصطفى معروفي ــ متى يكون ما نكتبه أو نقوله شعرا

قلنا وما زلنا نقولها ونعيد قولها بأن الشيء المهم في الشعر هو الكيفية التي نقرضه بها أو نقوله ، وليس ما نقوله فيه، فقد يكون ما نقوله موضوعا ذا خطر عظيم وقيمة عالية في الحياة كتضحية في سبيل مبدإ أو موت من أجل الوطن، ولكن ما نقوله ونحن نتوهم أنه شعر لا يكون شعرا إطلاقا، لأن طريقة التناول إياها لا تمت بصلة إلى الشعر، فقد تكون إنشاء أو تقريرا الخ، ولكن هي بعيدة كل البعد عن أن تكون شعرا.
وقد يكون الموضوع بسيطا وربما يبدو للناظر تافها ـ هكذا ـ ولكن طريقتنا في قوله والكيفية التي تناولناه بها هي التي حددت لنا وأخبرتنا أن ما نقوله هو شعر بالفعل. وهذا هو الأمر الذي يغيب عن بال كثير من الإخوة والاخوات الذين نذروا أنفسهم لتعاطي القريض ويخيل إليهم أنهم يقولون الشعر حقيقة.
ثم إن الموضوع قد يكون مكرورا ومعادا لدرجة الملل منه، ولكن إذا أعدنا تناوله بكيفية شعرية فلا شك أننا سنضفي عليه آنذاك شيئا جديدا تتقبله الذائقة وترتاح إليه النفس التي تعرف مواطن الجمال في القول أين تكمن.
نقول هذا وليس المراد هو أن نقلل من قيمة الغرض الذي يسعى إليه الشاعر ويريد أن يخبرنا به، ولكن هذا في رأينا الشخصي المتواضع وحده لا يكفي،وبالتالي لا نستطيع بواسطته أو من خلاله أن نحكم على الشخص بأنه شاعر،لأن ذلك لا يقدم للشعر الخدمة اللازمة التي بها يتحقق بوصفه فنا قائم الذات بين الفنون الأدبية الأخرى.لأنه ـ الشعر ـ لكي يمارس وجوده لا بد من إضفاء كائن عليه، وهذا الكائن ليس إلا التصوير الفني الذي يستطيع تثبيته في وجدان المتلقي وأعماقه،ومن ثم تتم الجدوى من قول الشعر.
وعندما نقول التصوير الفني ،لأنه بغير التصوير ـ كأن يُقدم الموضوع للمتلقي مباشرةً ـ فإن الموضوع تنتفي فاعليته ،ويصير في أحسن الأحوال يخاطب الذهن ولا يتسرب إلى وجدان المتلقي ويكون كاتبه أو قائله كمن يطبل في الماء ،أو من كلامه يدخل من أذن ويخرج من أخرى.
ونحن نعرف منذ بدأنا الإطلال على الأدب وبخاصة الشعر أن استعمال الصورة الفنية وتوظيفها توظيفا موفقا يضمن للعمل الأدبي والشعر بالخصوص النجاح والذيوع والاستمرار، ولِمَ لا الخلود.
ويسعنا في الأخير أن نهمس في آذان بعض المبطلين أن الموضوع سواء كان فكرة أو مضموناً ما يستطيع أن يقوله أي شخص سواء كان كاتبا أو غير كاتب،وسواء كانت الكتابة أدبا أو غير أدب.لأن الأمر ليس منوطا مثلا بالتزام الأديب باتجاه معين أو نزعة معينة وممارسة التزامه تعبيرا بالكتابة عنه.لأن هذا لا يعطيه نعت أديب ولا يسبغ عليه صفة شاعر ،إذ إن اهتمام الشاعر بموضوعات معينة كالميل إلى موضوع العاطفة والحديث عن القومية والتشبع بفلسفة ما، والاقتناع بالتزام معين ،ليس هو كل شيء في مسألة الشعر والأدب عموما.
وما التوفيق إلا من الله تعالى.
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...