د. أحمد الحطاب - حزب العدالة والتنمية والتقاعد غير المستحق

الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية تؤمن نظرياً théoriquement بجميع مبادئ الديمقراطية، لكنها، في نهاية المطاف وعلى أرض الواقع، لا تؤمن، مثلُها مثل الأحزاب السياسية الأخرى، إلا بما يُسهِّل وجودَها في المشهد السياسي ويضمن لها التَّنافُسية من أجل الوصول إلى كراسي السلطة.

فنراها، أي الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية، تؤمن بالتَّغيير السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي… وتؤمِن، كما سبق الذكرُ، بكل ما يُعبِّد لها الطريقَ من أجل الجلوس على كراسي السلطة، بما في ذلك الانتخابات والإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، لكن، حسب ما تقتضيه المرجعية الإسلامية.

ومن أجل الجلوس على كراسي السلطة، فهي قادِرة على التوافق مع أحزاب سياسية أخرى، ولو تناقض هذا التوافقُ مع مرجعِيتِها الإسلامية، علما أن وجودَها في المشهد السياسي، هو التَّنافسُ من أجل الوصول إلى كراسي السلطة.

وفي هذا الصدد، فإنها تجعل من مرجعيتِها الإسلامية نظاماً يشمل جميعَ جوانبِ الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وتستمد سلوكَها السياسي من مبادئ هذه المرجعية. لكن الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية، رغم أن تأسيسَها يخضع لنفس القانون الذي بموجِبه، تُنْشَاُ الأحزاب السياسية، فإن الواقعَ يكشِف نواياها الحقيقية التي أظهرتها في عدَّة مناسبات. رفضت ولا تزال ترفض إصلاحَ مُدوَّنة الأسرة. كما رفضت خلال التِّسعينيات تحريرَ المرأة من عبودية الرجل…

وهذا يعني أن الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية تُخفي نواياها الحقيقية ولا تُفصِح عنها إلا إذا تمكَّنت من زمام الأمور سياسياً، اجتماعيا وثقافياً، علماً أن الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية، عادةً، لا تؤمن بالديمقراطية. لكن إذا كانت هذه الديمقراطية تفتح لها الأبوابَ، بدون عُنفٍ، للوصول إلى كراسي السلطة، فإنها تتظاهر بأنها تؤمِن بها. وهذا هو ما يجعل الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية تتبنَّى البراغمَاتية le pragmatisme السياسية للتَّعايش، في المشهد السياسي، مع الأحزاب الأخرى.

أما عندما تصل الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية إلى كراسي السلطة، فإنها تجد نفسَها أمام تحديات كبرى، وخصوصا، على المستوى الفكري. حينها، تجد صعوبةً في تمرير أفكارها المُستمدَّة من المرجعية الإسلامية، بمعنى أنها تجد صعوبةً في إقناع الغير نظراً للتناقض القائم بين ما وعدت به أثناء الحملات الانتخابية، أي التناقض القائم بين المُعلن من النوايا والمُضمر منها.

أضف إلى كل هذه الأشياء، أن الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية، عادةً، يكون لديها نقصٌ في الخِبرة المُتعلِّقة بممارسة السلطة أو الاستوزار. دون الإشارة إلى التناقض القائم بين أفكارها المستمدَّة من المرجعية الإسلامية وبين الواقع الذي يفرض نفسَه على الناس، عِلماً أن هذا الواقع يتغيَّر باستمرار، بينما أفكار الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية، تضرب جدورُها في أعماق تاريخ الإسلام، وجُلُّها لم يعرف تغييرات منذ ما يزيد عن إثنى عشر قرنا من الزمان.

غير أن المرجعية الإسلامية تفرض على مَن يؤمن بها سياسياً وعقائدياً، سواءً كانوا مُتحزِّبين أو غير متحزِّبين، صفاتٍ أخلاقيةً معينةً، أذكرُ من بينها : الشفافية la transparence، النزاهة la probité، العدل la justice، الاستقامة l'intégrité، الإخلاص la loyauté، الصدق l'honnêteté، الأمانة la fidélité، التواضع la modestie، الحوار le dialogue، السماحة la tolérance …

وحتى أبرِّر العنوان الذي أعطيتُه لهذه المقالة، السؤال الذي يفرض نفسَه علينا هنا، هو : "هل الأمين العام، الحالي، لحزب العدالة والتنمية أو أي عضوٍ آخر، يحترم مرجعيةَ حزبه، الإسلامية، وهل تتوفَّر، في شخصه، الصفات الأخلاقية المشار إليها أعلاه؟

بكل أمانةٍ وصدقٍ، الأمين العام، الحالي، و حِزبُه لا يحترمون مرجعيةَ حزبِهم، الإسلامية ولا تتوفَّر فيهم الصفات الأخلاقبة المشار إليها أعلاه. لماذا؟

لأن الأمين العام، الحالي، لحزب العدالة والتنمية بلغت به الوقاحة إلى مستوى لا يليق، أخلاقياً واجتماعياً وعلى الإطلاق، برئيس حكومة سابق وبرئيس حزبٍ يدَّعي أن مرجعيتَه إسلامية. إذ لم يتوقف، وأظن أنه لن يتوقَّف هذا الأمين العام عن سب وشتم المغاربة كلما سمحت له الفرصةُ بذلك. لقد سبَّ وشتم شريحةً عريضةً من المغاربة ونعتهم ب"الحمير" والمِكروات (الجراثيم) وساند أعداءَ وحدتنا الترابية التي تُعدُّ، بالنسبة لكل المغاربة، أولويةِ الأولويات وخط أحمر لا يجوز تجاوزُه .

أليس هذا السَّبُّ والشَّتمُ ومساندة أعداءَ الوحدة الترابية، تجاوزٌ للمرجعية الإسلامية التي يستمد منها حزب العدالة والتنمية خطَّه السياسي ومبادئَه الدينية. بل تجاوُزٌ لِما جاء في الآيتين رقم 8 ورقم 11 من سورتي المائدة والحجرات اللتان يقول فيهما، سبحانه وتعالى :

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (المائدة، 8).

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الحجرات، 11).

هاتان الآيتان تنطبقان حرفياٍ على أعضاء حزب العدالة والتنمية وأمينه العام، ما دام هؤلاء الأعضاء والأمين العام الحالي يُسانِد بعضهم البعض الآخر، علماً أن الله، سبحانه وتعالى، يخاطب في الآيتين الذين آمنوا. في الآية الأولى، الله، سبحانه وتعالى، يأمر المؤمنين بالعدل والقسط كيفما كانت الظروف ولو في ظروف يكثر فيها الأعداء، بينما في الآية الثانية، الله، عزَّ وجلَّ. ينهى عن السَّب والشَّتم. فأين هي المرجعية الإسلامية؟

المرجعية الإسلامية للأحزاب السياسية ليست إلا واجهة يُرادُ بها خِداع الناس وجلبهم إلى جانب هذه الأحزاب، وخصوصا، أثناء الانتخابات التشريعية.

أما "هل يستحق الأمين العام الحالي، هو أو غيرُه من أعضاء حزب العدالة والتنمية، التقاعدَ الدَّسِمَ، أقول لا، ثم لا، ولا شيءِ غير لا، وذلك لعدة أسباب، أذكر من بينها، على الخصوص : الأمين العام الحالي لم يكتب أثناء رئاسته للحكومة جزأً من تعويضاته الشهرية une partie de ses indemnités mensuelles كما يتطلب ذلك قانون الوظيفة العمومية. أما رئاسة الحكومة أو الاستوزار لا يُعتبران وظيفة عمومية، بل التزام سياسي ومسؤولية un engagement politique et une responsabilité. بينما الدولة خصصت لمَن استوزر تقاعداً شهريا فدره 40000 درهم، علما أن التقاعد الذي يستفيد منه الأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية يفوق هذا الراتب الشهري بثلاثة ملايين سنتيم.

ما أختم به هذه المقالة، هو قوله، سبحانه وتعالى : "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" (الكهف، 46). فأين هي المرجعية الإسلامية؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...