مقدمة: - حينما نكتب للطفل نشعربأنّنا نكتشف العالم معه من جديد،فتغمرنا متعة الرّحلة في ذلك الفضاء المليئ بالفرح العامربالدّهشة ،فنبدع أجمل تلك النّصوص التي تترك الأثر الكبيرفي النفوس،ونحن نتجاوز حدود البساطة والسذاجة في كثير من الأحيان لنطلّ على عوالم شتّى في ذواتنا،وذوات القارئ الصغير الذي نسميه الطفل تارة،ونسميه في مرحلة أخرى الفتى واليافع دون أن نتجاهل العنصر الآخر من الفتيات،وفي تلك التّجربة نوثّق الرّوابط مع عالم الطفولة الذي لاحدود له،وليس من السهل أن يكتب الكاتب للطفل، لا لأنّ الصعوبة تكمن في لغته، ولا في ضغر عقله عقله الغامض، بل لأنّ الكتابة له تعني الدخول إلى عالم بريء لا يعرف الزّيف ولا المكر مطلقا، وهو لم يتشبّع بعد بذلك الجاهز من الأحكام والقوالب الجاهزة التي يصبها فيه بعض الكتّاب. ومن هذا المنطلق يجدربنا لبرّأي أن نقدم هذه الدعوة للكاتب الذي يشتغل على ثقافة الطفل أن يتخلّى عن موقع المعلم والأستاذ ليصبح شريكًا في رحلة الكتابة والإكتشاف في عالم الكتابة للطفل، وأن يكتب بنبض قلبه لا بخبرته المكتسبة وحدها.
وذلك لأنّ الكتابة الموجـهة للطـــــفل وطننـــــا العربي ،ماتزال تتأرجح بين طرفي نقيض وهما: -1- طرف التّلقين، حيث نجد القصة تحمّل رسائل أخلاقية مباشرة تلقّن للطفل تلك القواعد التي تجاوزها الزمن ،فأصبحت عديمة الفائدة مفرغة من محتواها الذي وجدت من أجله في فترة معينة من الزمن. -2-طرف التّرفيه المجاني، حيث يغيب العمق وتُختزل القصة في أداة تسليّة سطحية لا تشبع نهم الفارئ الصغير، وبين هذين القطبين تضيع الإمكانات الفنيّة والتربوية الهائلة التي يحملها النص الإبداعي الجيد حينما يُكتب الكاتب نصّه للطفل للطفل.
- في مقالنا هذا نحاول نقدم قراءة متكاملة لمفهوم النّص الموجه للطفل من منظور فنّي وتربويّ معاصر، يطمح إلى تجاوز الأساليب التقليدية القديمة في الكتابة، نحو صياغة جديدة تقوم على عمليّة الإشراك لا التلقين، وعلى قوّة التّكوين لا التوجيه،ضمن رؤية علمية تحترم خصوصيات الطفل المعرفية الثقافيــــة التربوية والدينـــــية،وتحتضن في نفـــسه الوقت تلك الأسئلة الوجودية المتجددة.التي تشغل فكرالطفل فيما يتعلّــــــق بالكون،وبالحياة في أشكالها المتعددة الجـــواب.
أولًا: التلقين والإشراك – - إنّ الإختلاف في الرّؤية والبناء في كتابة النّص الإبداعي للطفل يقودنا بالضرورة إلى تلك الفرضية التي يطرحها بعض الكتّاب في الوطن العربي، والتي مفادها أن الطفل كائن ضعيف يحتاج إلى ملء معرفي وأخلاقي. فتأتي القصة محمّلة برسائل صريحة، تقدم المغزى في نهايتها
خاتمة نهائية حتميّة مغلقة. هذا النمط يُفترض فيه الطفل متلقيًا سلبيًا،لا يُشارك في إنتاج المعنى، بل يستدرَجه لقبول تلك رؤية جاهزة للعالم،ومايدور فيه من قضايا تشغل بال الطفل الصغير.
- أمّا النموذج التشاركي، فيقترح أن يُعامل الطفل كقارئ له كامل الحقوق في التّأمل، والتأويل، والتساؤل إذا تطلّب منه الأمر ذلك. وهنا أنّ تلك القيّم لا تُلقن بل تُبنى من خلال التجربة الجمالية التي يصنعها النّص في نفسية القارئ الصغير،و يُترك حرّية الإكتشاف، وهو يُخطئ، كي يُعيد بناء العلاقة مع النّص ومع الشخصيات التي تصنع تلك الأحداث من موقع الوعي الحرّ لا من موقع الطاعة العمياء التي يقرّرها الكاتب.
ثانيًا: نحو نص يحترم الخصوصية وينفتح على الكونية:
إنّ النص الحديث الذي يجب أن يكتب للطفل عليه أن يُوازن الكاتب فيه بين أمرين وهما:
-1- احترام المرجعية الثقافية والدينية للمجتمع، دون المبالغة في خطاب التلقين المباشرالمملّ.
-2-الانفتاح على كل المنجزات المعرفية والإنسانية في الأدب والفكر والتكنولوجيا، بما يوسّع أفق الطفل ويُعزّز تفكيره النقدي انطلاقا ممّا يتعلّمه داخل المدرسة،ولكن للأسف بأنّ الطفل عندنا لايجب أن الطفل لا يعيش معزولًا عن العالم، ولا ينبغي عزله عن جذوره. لذا، بالنص . المنشود هو ذلك الذي يستوعب هذه الجدلية،ويكتب للطفل بوصفه كائنًاروحيًا وفكريًا في آن،واحد يملك الحق في التساؤل، والدهشة، والاختلاف.
ثالثًا: إعادة تشكيل شخصية الكاتب – من المعلّم إلى الفنان:
- لكي نكتب هذا النوع الجيد المتميّزمن النصوص الموجّهة للطفل، لا بدّ علينا من إعادة تشكيل شخصية الكاتب في الوطن العربي ،فإنّ المطلوب هوليس التغيير في الأسلوب، بل في الرّؤية والموقع. الكاتب الذي يكتب من موقع المعلم، وغالبًا ما يفرض سلطته داخل النص ليتقيّد بها القارئ الصغير ولا بخرج عن تلك التعليمات التي يرسمها الكاتب المعلّم. أمّا الكاتب-الفنان، فنجده يبني عالمًا يشرك فيه الطفل نصّه دون أن يلزمه بوصاية معيّنة،هذا التحول يتطلب:
- وعيًا بسيكولوجيا لنمو وتطوّر الذكاء لدى الطفل في جميع مراحله العمرية.
- أن يتدرّب على قراءة واسعة في الأدب العالمي الموجّه للطفل كي يفهم تنوّع الأشكال الفنّية.
- أن يتدرّب على تقنيات السرد التفاعلي والتلميح الرمزي.
- أن يتحرّر من الخوف الرقابي الداخلي الذي يشلّ عنده حرية الخيال.
-رابعًا: أمثلة تطبيقية – نحو أدب يمنح الدهشة لا الجواب:
- في الأدب العالمي، نجد قصة "الذئب الذي اكتشف دفء الشمس"* مثالًا على كسر القوالب النّمطية، حيث تتحوّل شخصية الذئب من رمز للشر إلى كائن يبحث عن المعنى والدفء.ولا تقدم القصة إجابة، بل تفتح أفقًا إنسانيًا للتأمل.
أمّا في الأدب العربي، فتمثل بعض نصوص يعقوب الشاروني*، مثل "أصدقاء من عالم آخر"، انتقالًا من التعليم المباشر إلى المغامرة الرمزية، حيث الطفل يخوض تجربة مشوّقة دون أن يشعر بأنه يتلقى درسًا أخلاقيًا.
خاتـــــمــــة: يظلّ النّص في أدب الطفل بمثابة الجسرلبناءال ثقة في نفسية الطفل لا قناة للتعليم،فإن التّحدي الحقيقي في الكتابة للطفل ليس كيف نُعلّمه، بل كيف نثق به وفي قدراته فالطفل لا يحتاج إلى دروس جديدة، بل إلى من يصغي إلى أسئلته ،ويمنحه الأدوات ليبحث عن إجاباته الخاصة بنفسه حينما يجد أمامه تلك الصعوبات التي تعيقه عن فهم ما يقرأ من تلك النّصوص،وحين نكتب للطفل نصًا حيًّا، منفتحًا، مشاكسًا، فإننا نمنحه المساحة ليكون ما هو عليه فعلًا كائنًا حرًا، لا مشروع راشد في طور التشكيل،وهكذا، يصبح النّص الفنّي بوابةً للتكوين لامحطة التلقين، ومساحة للمعنى لامجالا للوعظ، وجسرًا للثقة لا قناة للترهيب تهدم ذلك البناء الفتيّ.
____________________________
هامش :
-1-*الذئب الذي اكتشف دفء الشمس" (بالفرنسية: Le Loup qui découvrait le pays des contes) هي من تأليف الكاتبة الفرنسية Orianne Lallemand، ورسوم Éléonore Thuillier، وتندرج ضمن سلسلة قصص شهيرة جدًا تبدأ بـ "Le Loup..." (الذئب الذي...).
-2- * يوسف الشاروني من كبار كتاب قصة الطفل في مصر والوطن العربي 2017-
1924 ـ
وذلك لأنّ الكتابة الموجـهة للطـــــفل وطننـــــا العربي ،ماتزال تتأرجح بين طرفي نقيض وهما: -1- طرف التّلقين، حيث نجد القصة تحمّل رسائل أخلاقية مباشرة تلقّن للطفل تلك القواعد التي تجاوزها الزمن ،فأصبحت عديمة الفائدة مفرغة من محتواها الذي وجدت من أجله في فترة معينة من الزمن. -2-طرف التّرفيه المجاني، حيث يغيب العمق وتُختزل القصة في أداة تسليّة سطحية لا تشبع نهم الفارئ الصغير، وبين هذين القطبين تضيع الإمكانات الفنيّة والتربوية الهائلة التي يحملها النص الإبداعي الجيد حينما يُكتب الكاتب نصّه للطفل للطفل.
- في مقالنا هذا نحاول نقدم قراءة متكاملة لمفهوم النّص الموجه للطفل من منظور فنّي وتربويّ معاصر، يطمح إلى تجاوز الأساليب التقليدية القديمة في الكتابة، نحو صياغة جديدة تقوم على عمليّة الإشراك لا التلقين، وعلى قوّة التّكوين لا التوجيه،ضمن رؤية علمية تحترم خصوصيات الطفل المعرفية الثقافيــــة التربوية والدينـــــية،وتحتضن في نفـــسه الوقت تلك الأسئلة الوجودية المتجددة.التي تشغل فكرالطفل فيما يتعلّــــــق بالكون،وبالحياة في أشكالها المتعددة الجـــواب.
أولًا: التلقين والإشراك – - إنّ الإختلاف في الرّؤية والبناء في كتابة النّص الإبداعي للطفل يقودنا بالضرورة إلى تلك الفرضية التي يطرحها بعض الكتّاب في الوطن العربي، والتي مفادها أن الطفل كائن ضعيف يحتاج إلى ملء معرفي وأخلاقي. فتأتي القصة محمّلة برسائل صريحة، تقدم المغزى في نهايتها
خاتمة نهائية حتميّة مغلقة. هذا النمط يُفترض فيه الطفل متلقيًا سلبيًا،لا يُشارك في إنتاج المعنى، بل يستدرَجه لقبول تلك رؤية جاهزة للعالم،ومايدور فيه من قضايا تشغل بال الطفل الصغير.
- أمّا النموذج التشاركي، فيقترح أن يُعامل الطفل كقارئ له كامل الحقوق في التّأمل، والتأويل، والتساؤل إذا تطلّب منه الأمر ذلك. وهنا أنّ تلك القيّم لا تُلقن بل تُبنى من خلال التجربة الجمالية التي يصنعها النّص في نفسية القارئ الصغير،و يُترك حرّية الإكتشاف، وهو يُخطئ، كي يُعيد بناء العلاقة مع النّص ومع الشخصيات التي تصنع تلك الأحداث من موقع الوعي الحرّ لا من موقع الطاعة العمياء التي يقرّرها الكاتب.
ثانيًا: نحو نص يحترم الخصوصية وينفتح على الكونية:
إنّ النص الحديث الذي يجب أن يكتب للطفل عليه أن يُوازن الكاتب فيه بين أمرين وهما:
-1- احترام المرجعية الثقافية والدينية للمجتمع، دون المبالغة في خطاب التلقين المباشرالمملّ.
-2-الانفتاح على كل المنجزات المعرفية والإنسانية في الأدب والفكر والتكنولوجيا، بما يوسّع أفق الطفل ويُعزّز تفكيره النقدي انطلاقا ممّا يتعلّمه داخل المدرسة،ولكن للأسف بأنّ الطفل عندنا لايجب أن الطفل لا يعيش معزولًا عن العالم، ولا ينبغي عزله عن جذوره. لذا، بالنص . المنشود هو ذلك الذي يستوعب هذه الجدلية،ويكتب للطفل بوصفه كائنًاروحيًا وفكريًا في آن،واحد يملك الحق في التساؤل، والدهشة، والاختلاف.
ثالثًا: إعادة تشكيل شخصية الكاتب – من المعلّم إلى الفنان:
- لكي نكتب هذا النوع الجيد المتميّزمن النصوص الموجّهة للطفل، لا بدّ علينا من إعادة تشكيل شخصية الكاتب في الوطن العربي ،فإنّ المطلوب هوليس التغيير في الأسلوب، بل في الرّؤية والموقع. الكاتب الذي يكتب من موقع المعلم، وغالبًا ما يفرض سلطته داخل النص ليتقيّد بها القارئ الصغير ولا بخرج عن تلك التعليمات التي يرسمها الكاتب المعلّم. أمّا الكاتب-الفنان، فنجده يبني عالمًا يشرك فيه الطفل نصّه دون أن يلزمه بوصاية معيّنة،هذا التحول يتطلب:
- وعيًا بسيكولوجيا لنمو وتطوّر الذكاء لدى الطفل في جميع مراحله العمرية.
- أن يتدرّب على قراءة واسعة في الأدب العالمي الموجّه للطفل كي يفهم تنوّع الأشكال الفنّية.
- أن يتدرّب على تقنيات السرد التفاعلي والتلميح الرمزي.
- أن يتحرّر من الخوف الرقابي الداخلي الذي يشلّ عنده حرية الخيال.
-رابعًا: أمثلة تطبيقية – نحو أدب يمنح الدهشة لا الجواب:
- في الأدب العالمي، نجد قصة "الذئب الذي اكتشف دفء الشمس"* مثالًا على كسر القوالب النّمطية، حيث تتحوّل شخصية الذئب من رمز للشر إلى كائن يبحث عن المعنى والدفء.ولا تقدم القصة إجابة، بل تفتح أفقًا إنسانيًا للتأمل.
أمّا في الأدب العربي، فتمثل بعض نصوص يعقوب الشاروني*، مثل "أصدقاء من عالم آخر"، انتقالًا من التعليم المباشر إلى المغامرة الرمزية، حيث الطفل يخوض تجربة مشوّقة دون أن يشعر بأنه يتلقى درسًا أخلاقيًا.
خاتـــــمــــة: يظلّ النّص في أدب الطفل بمثابة الجسرلبناءال ثقة في نفسية الطفل لا قناة للتعليم،فإن التّحدي الحقيقي في الكتابة للطفل ليس كيف نُعلّمه، بل كيف نثق به وفي قدراته فالطفل لا يحتاج إلى دروس جديدة، بل إلى من يصغي إلى أسئلته ،ويمنحه الأدوات ليبحث عن إجاباته الخاصة بنفسه حينما يجد أمامه تلك الصعوبات التي تعيقه عن فهم ما يقرأ من تلك النّصوص،وحين نكتب للطفل نصًا حيًّا، منفتحًا، مشاكسًا، فإننا نمنحه المساحة ليكون ما هو عليه فعلًا كائنًا حرًا، لا مشروع راشد في طور التشكيل،وهكذا، يصبح النّص الفنّي بوابةً للتكوين لامحطة التلقين، ومساحة للمعنى لامجالا للوعظ، وجسرًا للثقة لا قناة للترهيب تهدم ذلك البناء الفتيّ.
____________________________
هامش :
-1-*الذئب الذي اكتشف دفء الشمس" (بالفرنسية: Le Loup qui découvrait le pays des contes) هي من تأليف الكاتبة الفرنسية Orianne Lallemand، ورسوم Éléonore Thuillier، وتندرج ضمن سلسلة قصص شهيرة جدًا تبدأ بـ "Le Loup..." (الذئب الذي...).
-2- * يوسف الشاروني من كبار كتاب قصة الطفل في مصر والوطن العربي 2017-
1924 ـ