حسام الحداد - العنف ضد المرأة بين التقييد القرآني والتأويل الإصلاحي

{واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} [النساء: 34]

الملخص التنفيذي

يهدف هذا البحث إلى معالجة إشكالية الضرب أو العنف ضد المرأة من خلال دراسة معمّقة لآية {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ...} [النساء: 34]. وقد تبيّن أن هذه الآية كانت موضع جدل واسع بين المفسرين قديماً وحديثاً، إذ فسّرها التقليديون على أنها إذنٌ شرعي مقيد بالضرب غير المبرح كوسيلة علاجية أخيرة بعد الوعظ والهجر، في حين قرأها المصلحون المعاصرون والاتجاهات النقدية بوصفها معالجة مرحلية لسياق اجتماعي ذكوري، ومفتاحاً لتطور الخطاب القرآني نحو تكريم المرأة ومنع العنف عنها.
كما أبرز البحث أن إدخال البعد الثقافي والاجتماعي لنزول النص، ثم تطبيق القراءة التاريخانية، يكشفان أن الآية لم تؤصل لشرعية الضرب، وإنما جاءت كخطوة إصلاحية تدريجية للحد من واقع عنيف كان سائداً. وبالتالي، فإن المعنى النهائي للنص لا يمكن عزله عن المقاصد القرآنية الكبرى المتمثلة في العدل والرحمة والمساواة، الأمر الذي يفتح المجال أمام قراءات جديدة متصالحة مع القيم الإنسانية المعاصرة.

المقدمة
تمثل قضايا المرأة في الإسلام إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل داخل الفكر الديني القديم والحديث، خصوصاً عند تناول الآيات القرآنية التي تُفهم –ظاهرياً– على أنها تمنح للرجل سلطة على المرأة. ومن أبرز هذه الآيات قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ...} [النساء: 34]، التي ارتبطت في الخطاب الديني والاجتماعي بقضية الضرب والعنف الأسري. وقد جرى استخدامها أحياناً لتبرير ممارسات قاسية ضد المرأة، بينما رأى آخرون أنها جاءت لتقييد تلك الممارسات لا لإقرارها.
تتضح أهمية هذه الإشكالية في أن الخطاب الديني ليس مجرد تفسيرات نصية، بل هو قوة فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي وتحديد طبيعة العلاقات داخل الأسرة والمجتمع. ومن ثم، فإن تحليل هذه الآية لا ينفصل عن سؤال أوسع يتعلق بكيفية التعامل مع النص القرآني: هل هو خطاب مؤبد بظواهره اللفظية، أم أنه خطاب يتجاوز لحظته التاريخية نحو مقاصده الكبرى؟
في هذا البحث، سنتناول أولاً البنية اللسانية والخطابية للآية، من خلال تحليل التركيب النحوي والدلالي، والمعنى التداولي، ومفهوم السلطة في الخطاب. يتيح هذا المدخل إظهار كيف أن النص بُني بطريقة دقيقة ترسم تدرجاً علاجياً لمشكلة النشوز.
ثم ننتقل إلى استعراض مواقف المفسرين التقليديين مثل الطبري والزمخشري والقرطبي وابن كثير، لنكشف كيف فهموا الآية في ضوء ثقافتهم الفقهية والتربوية، حيث أجمعوا على أن الضرب المقصود غير مبرّح ومقيد بشروط صارمة، وإن اختلفت لهجاتهم في التفسير والتشديد.
بعد ذلك، نعرض تأويلات المفكرين المعاصرين التي تنوعت بين الاتجاه الرمزي الذي فسّر "واضربوهن" بمعنى "فارقوهن"، والاتجاه الحقوقي–المقاصدي الذي اعتبر الضرب لا ينسجم مع تكريم المرأة، والاتجاه النسوي الإصلاحي الذي رفض التفسير الذكوري للآية واعتبره مناقضاً لروح القرآن.
وإلى جانب هذه القراءات، سنفرد فصلاً لـ السياق الثقافي والاجتماعي لنزول الآية، موضحين كيف كان العنف ضد المرأة عرفاً سائداً في الجاهلية، فجاء القرآن ليقيد هذا العرف ويضيق دائرته، مع إبراز الشواهد النبوية التي عملت على الحد من الضرب عملياً.
كما سنتناول القراءة التاريخانية للآية، بوصفها مقاربة حديثة ترى النص القرآني في إطاره التاريخي واللغوي، معتبرة أن الإذن بالضرب كان معالجة مرحلية لا تشريعاً مؤبداً، وأن مرجعية النص النهائية هي مقاصده الكبرى في الرحمة والعدل والمساواة.
وأخيراً، يسعى البحث إلى صياغة خاتمة تركيبية تؤكد أن الآية، حين تقرأ في ضوء مقاصد القرآن وسياقها التاريخي والاجتماعي، لا يمكن أن تُستخدم لتبرير العنف ضد المرأة، بل بالعكس، تُسهم في مشروع إصلاحي تدريجي يقود إلى تجاوزه.

السياق الثقافي والاجتماعي لنزول الآية
لم يكن نزول آية {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ...} [النساء: 34] في فراغ تاريخي أو اجتماعي، بل جاء في إطار معالجة أوضاع ثقافية متجذّرة في المجتمع الجاهلي. فقد كان الضرب والإيذاء الجسدي للمرأة ممارسة مألوفة يُنظر إليها كحق للرجل، سواء في إطار الأسرة أو خارجها. وعليه، فإن الإذن الوارد في الآية لا يمكن أن يُفهم باعتباره تأسيسًا لهذا العرف، بل هو تقنين وتقييد لعنف كان شائعًا بلا حدود. ويشير ابن عاشور إلى ذلك بوضوح حين قال: «الإذن بالضرب لم يكن لتشريع أصل جديد، وإنما لتقييد ما كان مطلقًا في الجاهلية، فجاء الشرع فضيّق دائرته» (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج5، ص. 43).
إضافة إلى ذلك، فإن الخطاب القرآني الكلي يرفع مكانة المرأة إلى مصاف الشريك الكامل في بناء الأسرة، حيث قرن المعاشرة بالمعروف بقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وأكد على المساواة في قوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]. وهذا يُظهر أن النص القرآني كان يعيد تشكيل وعي المجتمع الذكوري ليقيم علاقة قائمة على الرحمة والمودة، لا على العنف والإذلال. وهو ما أشار إليه عبد الله دراز حين وصف الخطاب القرآني بأنه «سلطة مضادة للعنف» (دراز، النبأ العظيم، ص. 135).
كما أن السيرة النبوية تكشف بجلاء أن النبي ﷺ لم يمارس الضرب قط في حياته الزوجية، بل نهى عنه صراحة بقوله: «لا تضربوا إماء الله» (رواه أبو داود، رقم 2146). وقد ورد أن نساءً جئن إلى بيت النبي ﷺ يشتكين من أزواجهن، فكان يغضب من ذلك ويعتبره سلوكًا مناقضًا لروح الإسلام. ويستدل القرطبي بهذا السياق على أن الضرب في الآية ليس قاعدة عامة، بل استثناء مقيد للغاية، وأن الأصل هو منع الإضرار بالنساء (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج5، ص. 171).
من هنا يمكن القول إن الآية جاءت ضمن منهج إصلاحي تدريجي تعامل به الإسلام مع المجتمع الجديد: بداية بتقنين ما لا يمكن إلغاؤه فجأة (كالعنف أو التعدد)، ثم تضييقه إلى أضيق الحدود، وصولًا إلى إرساء منظومة قائمة على المودة والرحمة. وقد تبنى هذا الفهم كثير من المفكرين المعاصرين مثل الإمام محمد عبده، الذي اعتبر الضرب في الآية وسيلة رمزية للتأديب لا للإيذاء (محمد عبده، الأعمال الكاملة، ج2، ص. 358)، وفضيلة الشيخ أحمد الطيب الذي شدّد على أن الضرب ليس قاعدة وإنما حالة استثنائية اضطرارية (الطيب، برنامج الإمام الطيب، الحلقة 10، رمضان 2021).

تحليل البنية اللسانية والخطابية للآية القرآنية
أولاً: التركيب النحوي والدلالي

تبدأ الآية بالموصول "واللاتي" الذي يربط الحكم بالنساء الموصوفات بحالة النشوز. وهذا الأسلوب يحدد الفئة المقصودة دون تعميم على جميع النساء، مما يضيق مجال الحكم (الزمخشري، الكشاف، ج1، ص 524).
الفعل "تخافون" جاء بصيغة المضارع للدلالة على الاحتمال والاستشراف لا على التحقق القطعي، أي أن الحكم يتعلّق بمجرد مظنة النشوز لا بتحقق العصيان كاملاً (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج5، ص 43).
ترتيب الأوامر الثلاثة (فعظوهن → واهجروهن → واضربوهن) قائم على التدرج النحوي والدلالي، حيث يقدَّم القول (الوعظ) ثم الفعل الرمزي (الهجر) وأخيراً الإجراء الأشد (الضرب غير المبرح)؛ وهذا النسق يكشف عن مقصد الإصلاح لا العقاب (الطبري، جامع البيان، ج8، ص 291).
التراكيب تنتهي بجملة شرطية "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا"، مما يجعل الضرب مقيداً بشرط وغاية، فلا يتحول إلى حق مطلق، بل إلى وسيلة مشروطة بغاية الإصلاح (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج2، ص 243).

ثانياً: المعنى التداولي
التداولية تركز على قصد المتكلم وسياق الخطاب؛ هنا القرآن لا يشرع قاعدة للعنف بل يقدم خطة علاجية لأزمة أسرية. الدليل هو تقييد الحكم بـ"نشوز" الزوجة لا مجرد خلاف عادي (Searle, Speech Acts, 1969).
أفعال الأمر في الآية ("فعظوهن"، "واهجروهن"، "واضربوهن") ليست على إطلاقها، بل تفهم ضمن العرف التداولي الإسلامي الذي قيد "الضرب" بالرمزية أو الخفة (حديث النبي: "لا يضرب خياركم" – رواه أبو داود، رقم 2146).
التداولية تكشف أيضاً أن "الضرب" يُفهم في سياق ثقافة العرب حيث يُستعمل أحياناً للدلالة على الفعل الرمزي لا الإيذاء، كما في قولهم "ضرب الله المثل" أي أظهره، وهذا يفتح أفقاً لتأويل غير عنيف (العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج1، ص 243).
إذن المعنى التداولي للآية هو إجراء استثنائي رمزي، يراد به الضغط النفسي وليس الجسدي، ويُقرأ دائماً بجوار آيات المودة والرحمة، وإلا وقع التناقض في الخطاب القرآني (الطيب، برنامج الإمام الطيب، حلقة 10، رمضان 1442هـ).

ثالثاً: السلطة في الخطاب
الخطاب القرآني هنا يمارس سلطة مزدوجة: سلطة النص الإلهي الذي يضع حدوداً للزوج، وسلطة أخلاقية تمنع التوسع في الضرب. السلطة ليست تفويضاً مفتوحاً بل ضبطاً وتشريعاً مقيداً (فوكو، أركيولوجيا المعرفة، 1972).
الزوج في هذا السياق ليس صاحب سلطة مطلقة، بل هو مقيد بالشرع وبمنظومة القيم: "ولا تبغوا عليهن سبيلاً". أي أن سلطته مشروطة بكونها علاجية لا انتقامية (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج5، ص 171).
السلطة في الخطاب القرآني أيضاً خطاب دفاعي ضد الفوضى الاجتماعية؛ فهو يضبط ردود فعل الرجل في مواجهة نشوز زوجته حتى لا تتحول الأسرة إلى ساحة عنف غير منضبط (الشاطبي، الموافقات، ج2، ص 38).
بذلك يصبح الخطاب القرآني سلطة مضادة للعنف، لأنه يضع حداً للضرب المفتوح المنتشر في الثقافة الجاهلية، وينقل السلطة من المجال العرفي القبلي إلى المجال التشريعي الإلهي (عبد الله دراز، النبأ العظيم، ص 135).

رأي المفسرين التقليديين
الطبري (ت 310هـ):

يرى الإمام الطبري (ت 310هـ) أن لفظ النشوز في الآية الكريمة يشير إلى حالة استعلاء الزوجة على زوجها وخروجها عن طاعته الواجبة في حدود الشرع، سواء برفضها المعاشرة الزوجية أو بتمردها على نظام الأسرة. وبهذا يضع الطبري النشوز في دائرة العصيان العملي الذي يهدد استقرار الحياة الزوجية، لا في دائرة الخلافات البسيطة أو التباينات الطبيعية بين الزوجين.
أما العلاج الأول الذي يقدمه النص القرآني عند الطبري فهو الوعظ، والمقصود به تذكير الزوجة بالله تعالى وبيان ما أوجبه عليها من حقوق لزوجها، مع التحذير من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة. ويؤكد الطبري أن الوعظ خطاب قولي قوامه اللين والنصح، ويأتي باعتباره المدخل الأول والأكثر انسجاماً مع روح الإسلام الذي يقدّم الكلمة الطيبة والإصلاح بالحوار قبل أي وسيلة أخرى.
فإذا لم يجد الوعظ نفعاً، ينتقل الزوج إلى المرحلة الثانية وهي الهجر في المضاجع، ومعناه أن يعرض عنها في الفراش ويمتنع عن جماعها، وذلك إشارة رمزية قوية إلى غضبه وعدم رضاه بسلوكها. وإذا لم يثمر ذلك، أباح الطبري – نقلاً عن جمهور المفسرين – اللجوء إلى الضرب، لكنه الضرب غير المبرّح، أي الذي لا يجرح جسداً ولا يكسر عظماً، ولا يترك أثراً ظاهراً، بل يكون للتأديب الرمزي فقط. وبذلك قيد الطبري الضرب بشروط تضيق دلالته حتى يظل وسيلة استثنائية لا قاعدة عامة، مشدداً على أن الغاية منه الإصلاح لا الإيذاء (الطبري، جامع البيان، ج8، ص 291).

الزمخشري (ت 538هـ):
يرى الزمخشري في تفسيره الكشاف أن الآية الكريمة وضعت منهجًا علاجيًا متدرجًا للتعامل مع نشوز الزوجة، يبدأ بالوسيلة الأخف وهي الوعظ، ثم ينتقل إلى الهجر في المضاجع، ويُختتم – عند الضرورة القصوى – بـ الضرب. وهذا التدرج في الخطاب ليس اعتباطياً، بل يعكس مبدأ التلطيف والتدرج في معالجة المشكلات الأسرية، حيث يقدَّم القول والنصيحة أولاً، ثم يعقبه التلميح بالفعل الرمزي (الهجر)، وأخيراً لا يُصار إلى الضرب إلا عند فشل الوسيلتين السابقتين.
ويشدد الزمخشري على أن إباحة الضرب لا تعني إطلاق اليد فيه، بل هو مقيد بشروط صارمة، أبرزها: أن يكون غير مبرّح، وألا يتجاوز الغرض التأديبي الرمزي إلى الإيذاء الجسدي أو النفسي. فالضرب عنده ليس إذلالاً أو انتقاماً، بل إشارة أخيرة يُقصد منها ردع الزوجة عن الاستمرار في النشوز إذا لم تنفع الوسائل السابقة. وبذلك يضع الزمخشري قيدًا مهمًا يمنع الرجل من تحويل الرخصة إلى ذريعة للعنف.
ومن خلال هذا التفسير، يظهر أن الأصل في الخطاب القرآني عند الزمخشري هو الإصلاح لا الانتقام. فالغاية النهائية ليست إلحاق الضرر بالزوجة، وإنما إعادة التوازن للأسرة ومنع انهيارها. ومن ثم، فإن الضرب هنا لا يُفهم على أنه تشريع مفتوح، بل كإجراء استثنائي محدود لا يُلجأ إليه إلا في أضيق الظروف، وبعد استنفاد وسائل اللين والموعظة، بما ينسجم مع مقاصد الشريعة القائمة على الرحمة والمعاشرة بالمعروف (الكشاف، ج1، ص 524).

القرطبي (ت 671هـ):
يرى القرطبي في الجامع لأحكام القرآن أن الضرب الذي أباحه القرآن في حال نشوز الزوجة ليس مطلقًا، بل هو الضرب غير المبرّح، أي الذي لا يسبب أذى جسديًا ولا يترك أثرًا. وبيّن أمثلة لذلك مثل الضرب بالسواك أو بالمنديل الملفوف، وهي أدوات رمزية أكثر من كونها مؤذية. والغاية من ذلك – بحسبه – التنبيه لا الإيذاء، حتى يظل الفعل في حدوده التأديبية الرمزية بعيدًا عن أي شكل من أشكال التعنيف أو العدوان.
واستدل القرطبي على هذا التقييد بما ورد في حديث النبي ﷺ في حجة الوداع: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله… ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرّح» (رواه مسلم). ويشير هذا الحديث بوضوح إلى أن الضرب، إن وقع، يجب أن يظل في نطاق غير مؤذٍ، مما يوافق فهم القرطبي أن التشريع القرآني لا يفتح الباب لعنف مفتوح ضد النساء، بل يضبطه بضوابط مقصودة تمنع الإضرار.
ويؤكد القرطبي أن الضرب في الترتيب القرآني يأتي كحل أخير بعد استنفاد مرحلتي الوعظ والهجر، فلا يلجأ إليه الزوج إلا بعد فشل الوسيلتين السابقتين في إصلاح سلوك الزوجة. وهذا يعني أن الضرب ليس خيارًا أوليًا أو سهلاً، بل هو استثناء شديد الضبط في منظومة تسعى أساسًا إلى الإصلاح والرحمة والمعاشرة بالمعروف. ومن ثم، فإن مقصود الشارع – كما يراه القرطبي – هو الحفاظ على الأسرة، لا تمكين الزوج من سلطة مطلقة على زوجته (الجامع لأحكام القرآن، ج5، ص 171).

ابن كثير (ت 774هـ):
يرى ابن كثير في تفسير القرآن العظيم أن الضرب الذي ذكر في الآية لا يُلجأ إليه إلا بعد فشل الوعظ والهجر في ردع الزوجة عن النشوز. فهو مرحلة ثالثة متأخرة، لا تُفعل إلا عند الضرورة القصوى وبعد استنفاد الوسائل الأخف، ما يعكس مقصود النص القرآني في التدرج والحرص على الإصلاح قبل أي إجراء أشد. وبهذا يوضح ابن كثير أن الضرب ليس هو الأصل في التعامل، بل هو استثناء مؤقت مرتبط بحالة خاصة.
ويشدد ابن كثير على أن هذا الضرب – إن وقع – يجب أن يكون غير مبرّح، أي لا يُحدث جرحًا أو كسراً أو أثرًا جسديًا، بل يكون رمزيًا يهدف للتأديب لا للإيذاء. وهو بذلك ينسجم مع ما قرره جمهور المفسرين من تقييد مطلق الضرب حتى لا يتحول إلى وسيلة للعنف أو التسلط. فالشرط الأساس عند ابن كثير هو أن يظل الضرب في حدوده الشرعية الضيقة، لا أن يُستعمل كأداة عدوان أو إذلال.
وقد استشهد ابن كثير بحديث النبي ﷺ الذي قال فيه: «لا تضربوا إماء الله»، أي النساء المؤمنات، وهو نهي عام عن الضرب. ثم أشار إلى أن النبي ﷺ أذن لاحقًا في الضرب غير المبرّح عند النشوز فقط، باعتباره حالة استثنائية ضيقة مرتبطة بتعنت الزوجة ورفضها الاستجابة لوسائل الإصلاح الأخف. ومن هنا يظهر أن ابن كثير – مثل الطبري والقرطبي – يرى أن الضرب ليس تشريعًا مطلقًا، بل رخصة مقيدة لا تُمارس إلا بضوابط صارمة وبقصد الإصلاح لا الانتقام (تفسير القرآن العظيم، ج2، ص 243).

أهم آراء المفكرين المعاصرين:
الاتجاه التقليدي

يرى بعض المفكرين المعاصرين أن الضرب الوارد في الآية الكريمة لا يمكن أن يُفهم على أنه إباحة مفتوحة للزوج في ممارسة العنف ضد زوجته، بل هو ضرب غير مبرح، أي لا يترك أثرًا ولا يسبب أذى جسدياً أو نفسياً، ويشترط أن يكون آخر وسيلة بعد الوعظ والهجر. وهذا التدرج في العلاج يعكس أن الأصل في العلاقة الزوجية هو اللين والموعظة الحسنة، وأن الضرب ليس غاية وإنما حالة استثنائية تُلجأ إليها عند الضرورة القصوى (انظر: محمد عبده، تفسير المنار، ج5، ص. 74).
أما الإمام محمد عبده، فقد ذهب إلى أن المقصود بالضرب هنا ليس الإيذاء الجسدي مطلقًا، وإنما هو وسيلة رمزية للتأديب، شبيهة بالضرب بالسواك أو بوسيلة خفيفة لا تحمل معنى الإهانة، بل مجرد إشارة إلى عدم الرضا. وعلل ذلك بأن الضرب المبرح يتنافى مع مقاصد الشريعة في المعاشرة بالمعروف، وأنه لا يجوز أن يُتخذ ذريعة لاستضعاف المرأة أو الاعتداء عليها، بل وسيلة إصلاحية محدودة تُستخدم في أضيق الحدود (محمد عبده، الأعمال الكاملة، ج2، ص. 358).
وفي السياق نفسه، يؤكد فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر أن الاستدلال بالآية لتبرير العنف ضد المرأة يعد خلطًا وسوء فهم للخطاب القرآني. فالآية ـ كما يرى ـ جاءت في إطار معالجة حالة خاصة هي النشوز، وليس لتقرير قاعدة عامة تبيح ضرب النساء. ويشير إلى أن الضرب الوارد في النص القرآني محاط بقيود شديدة تجعله أقرب إلى الحالة الرمزية أو الاستثناء النادر، بل يكاد يفرغ من أي معنى للإيذاء، وذلك من باب ارتكاب الضرر الأخف لمنع انهيار الأسرة بضرر أكبر (الإمام الطيب، برنامج "الإمام الطيب"، الحلقة 10، رمضان 2021).
كما شدّد الطيب على أن الحكم الشرعي العام هو حرمة الضرب والإيذاء بغير حق، وأن القصاص يثبت في أي اعتداء، ولو كان مجرد صفعة، مستشهدًا بما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما اقتصّ لشاب ضُرب بغير وجه حق. وعليه فإن إباحة الضرب في الآية لا تُفهم إلا في إطار الضرورة القصوى والاستثناء المحدود، بينما الأصل هو المعاشرة بالمعروف والرحمة والمودة. وهذا يجعل تفسير الآية اليوم متوافقًا مع القيم الإنسانية العالمية التي ترفض العنف الأسري (المصدر السابق).

الاتجاه التأويلي الرمزي
يمثل الاتجاه التأويلي الرمزي أحد أبرز القراءات المعاصرة لآية {واضربوهن}، حيث حاول بعض المفكرين تجاوز الفهم التقليدي القائم على الإذن بالضرب الجسدي غير المبرح. فمفكرون مثل محمد شحرور وجمال البنا رأوا أن كلمة "الضرب" في النص القرآني ليست مقصودة لذاتها بالمعنى الحسي، بل تحمل دلالات أوسع في الاستعمال العربي القرآني، ما يفتح الباب أمام تأويلها بما يتناسب مع قيم العدل والرحمة التي جاء بها القرآن (شحرور، الكتاب والقرآن، ص. 420).
محمد شحرور يوضح أن "الضرب" في اللغة العربية يتضمن معاني كثيرة، منها الإبعاد والمفارقة، وليس بالضرورة الإيذاء البدني. واستشهد على ذلك بالآية الكريمة: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} [النساء: 101]، أي إذا سافرتم. وبناءً عليه، يرى أن معنى {واضربوهن} هو: ابتعدوا عنهن أو فارقوهن إذا لم تُجدِ وسائل الإصلاح السابقة من وعظ وهجر، لا أن تضربوهن ضربًا جسديًا (شحرور، تجفيف منابع الإرهاب، ص. 112).
أما جمال البنا فقد أكد المعنى نفسه، مشددًا على أن الضرب بالمعنى الجسدي يتناقض مع مقاصد القرآن في بناء أسرة قائمة على المودة والرحمة. ويرى أن حمل الآية على الضرب الرمزي (أي المفارقة أو الابتعاد) هو الأوفق بروح الإسلام، خاصة في ضوء نصوص قرآنية أخرى تدعو إلى المعاشرة بالمعروف، وتنهى عن الإضرار بالنساء. وهو يعتبر أن التدرج الوارد في الآية (الوعظ – الهجر – الضرب) يصل في النهاية إلى معنى "الانفصال أو المفارقة" كحل أخير (جمال البنا، المرأة بين الحرية والتمرد، ص. 156).
ويشير أنصار هذا الاتجاه إلى أن التفسير الرمزي يرفع أي تعارض ظاهري بين الآية وبين المبادئ القرآنية العامة مثل قوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: 228]، وقوله: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19]. فلو فُهم الضرب هنا على أنه عنف جسدي، لكان في ذلك تناقض مع هذه التوجيهات الصريحة. لكن بفهم "واضربوهن" على معنى "المفارقة أو الترك" يصبح النص متسقًا مع الخطاب القرآني الشامل الذي يؤكد كرامة المرأة وحقوقها داخل الأسرة (البنا، نحو فقه جديد، ص. 212).


الاتجاه الحقوقي المقاصدي
يمثل الاتجاه الحقوقي المقاصدي قراءةً معاصرةً للآية {واضربوهن}، حيث ركّز بعض المفكرين مثل فهمي هويدي وعبد الحليم أبو شقة وأمين الخولي على ضرورة فهم النص القرآني في ضوء مقاصد الشريعة الكبرى التي تقوم على تكريم الإنسان وصيانة حقوق المرأة. فهؤلاء يرون أن أي تفسير يفضي إلى إباحة إهانة المرأة أو إذلالها يتناقض مع روح الشريعة وأهدافها، خاصة أن القرآن قرن العلاقة الزوجية بالمعروف والمودة والرحمة (انظر: فهمي هويدي، الإسلام والديمقراطية، ص. 214).
ويرى عبد الحليم أبو شقة أن الإسلام لم يأتِ ليؤسس الضرب كخيار أساسي، بل جاء ليُقيد العنف الذي كان شائعًا في الجاهلية. فالقرآن وضع الضرب في مرتبة متأخرة بعد الوعظ والهجر، كما اشترط أن يكون غير مبرح، بل يكاد يفرغه من مضمونه. ويعتبر أبو شقة أن هذه القيود تعني أن الإسلام في حقيقته كان يسعى إلى تقليص الظاهرة تمهيدًا لإلغائها، وهو ما ينسجم مع روح الشريعة القائمة على رفع الحرج ودفع الضرر (أبو شقة، تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج. 5، ص. 75).
أما أمين الخولي فقد تبنى مقاربة أكثر جذرية، إذ شدد على أن النصوص يجب أن تُفهم في سياقها التاريخي والاجتماعي. فالآية – بحسبه – جاءت في زمن كان العنف الأسري فيه مقبولًا اجتماعيًا، فجاءت الشريعة لتُقنن هذا العرف وتضعه ضمن حدود ضيقة كمرحلة انتقالية، على أن يتجاوزها المسلمون مع ارتقائهم الحضاري. وبذلك فإن مقاصد الشريعة في تكريم المرأة تقتضي تجاوز التمسك الحرفي بظاهر "الضرب" إلى فهمه كمرحلة ظرفية مرتبطة بواقع تاريخي (الخولي، منهج تجديدي في تفسير القرآن، ص. 133).
ويخلص أنصار هذا الاتجاه إلى أن الضرب الجسدي لم يعد مقبولًا في العصر الحديث، وأن الوفاء بمقاصد الشريعة في العدل والرحمة وحماية الأسرة يقتضي أن يُقرأ النص بما ينسجم مع تطور المجتمعات الإنسانية. فهمي هويدي، مثلًا، يشدد على أن العبرة في النص القرآني ليست بالشكل الحرفي للإجراء، بل بالغاية منه وهي الإصلاح الأسري، وإذا كان الضرب يؤدي اليوم إلى نتائج عكسية من تدمير الأسرة، فإن تجاوزه يصبح واجبًا شرعيًا (هويدي، مواطنون لا رعايا، ص. 201).


الاتجاه النسوي الإصلاحي
يمثل الاتجاه النسوي الإصلاحي أحد أبرز القراءات المعاصرة لآية {واضربوهن}، حيث ركزت مفكرات مثل أمينة ودود وأسماء برلاس على نقد التفسيرات التقليدية التي اعتبرنها نتاجًا لهيمنة المنظور الذكوري عبر التاريخ. فبحسبهن، فإن القراءة التي تبيح للزوج ممارسة العنف ضد زوجته لا تنبع من جوهر النص القرآني، وإنما من تأويلات بشرية متأثرة بالأعراف الأبوية التي كانت سائدة في عصور سابقة (أمينة ودود، القرآن والمرأة، ص. 62).
تؤكد أمينة ودود أن القرآن في مجمله يرسخ مبادئ المودة والرحمة والعدل في العلاقة الزوجية، وهو ما يجعل أي فهم يشرعن الضرب متناقضًا مع الرسالة القرآنية. وترى أن التركيز على لفظ "واضربوهن" بمعزل عن السياق الكلي للنصوص القرآنية يؤدي إلى قراءة مبتورة تُنتج ظلمًا للمرأة. وبناءً على ذلك، تقترح قراءة الآية بوصفها خطابًا ظرفيًا محدودًا بسياق اجتماعي معين، لا قاعدة أبدية (ودود، القرآن والمرأة، ص. 74).
أما أسماء برلاس فقد اتخذت منحى تأويليًا مختلفًا يقوم على تحليل بنية الخطاب القرآني نفسه، حيث ترى أن القرآن لا يحمل في داخله ما يبرر الهيمنة الذكورية، بل إن هذه الهيمنة فرضت عليه من خلال التفاسير التقليدية. وتعتبر برلاس أن مقاصد القرآن في تحقيق العدل والمساواة بين الجنسين يجب أن تكون المعيار الذي نقرأ به النصوص، لا العكس. ومن ثمّ فإن فهم "واضربوهن" بوصفه ترخيصًا بالعنف هو إسقاط تاريخي أكثر منه حقيقة نصية (برلاس، قراءة القرآن من منظور نسوي، ص. 109).
وتذهب بعض المفكرات النسويات إلى أن "الضرب" لا ينبغي أن يُقرأ حرفيًا، بل يُفهم باعتباره مرحلة خطابية مؤقتة ارتبطت بظروف القرن السابع الميلادي. ووفقًا لهذا الطرح، فإن النص لم يكن يقصد إضفاء مشروعية مطلقة للعنف، بل ضبطه وتقليصه تمهيدًا لتجاوزه مع تطور وعي المجتمع الإسلامي. أي أن النص يُفهم في ضوء مقاصده النهائية لا في ضوء ممارسات تاريخية عابرة (ودود، Inside the Gender Jihad، ص. 158).
كما يشدد هذا الاتجاه على ضرورة ربط الآية ببقية النصوص القرآنية التي تؤكد على المعاشرة بالمعروف، والمودة والرحمة بين الزوجين، والمساواة في الكرامة الإنسانية: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: 228]. هذا الربط – في نظر النسويات – يجعل من المستحيل قبول تفسير يبرر الضرب بوصفه حقًا للرجل، لأنه يتناقض مع التوجيهات القرآنية المتكررة بحماية المرأة واحترامها (برلاس، Believing Women in Islam، ص. 145).
وبذلك، فإن الاتجاه النسوي الإصلاحي ينتهي إلى اعتبار أن الآية لا تمنح شرعية للعنف الأسري، وإنما يجب أن تُفهم ضمن مسار قرآني أشمل يسعى إلى تحقيق العدالة والمساواة بين الرجل والمرأة. وإذا كان الضرب قد ورد كخيار في لحظة تاريخية معينة، فإن مقاصد القرآن النهائية في تكريم المرأة تستلزم تجاوزه اليوم. وبذلك يتلاقى هذا الاتجاه مع القراءات المقاصدية، لكنه يضيف إليها منظورًا نقديًا يفضح أثر البنى الذكورية في إنتاج التفسير التقليدي (ودود، القرآن والمرأة، ص. 89).


القراءة التاريخانية للآية القرآنية
تُعدّ القراءة التاريخانية مدخلًا hermeneuticًا لفهم النصوص الدينية من خلال ظروفها الزمنية والاجتماعية، بعيدًا عن إسقاط تأويلات لاحقة على واقع مختلف. ومن هذا المنظور، فإن آية {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34]، لا تُفهم بوصفها تأسيسًا دائمًا لشرعية الضرب، بل كجزء من معالجة قرآنية لإصلاح واقع اجتماعي ذكوري كان العنف فيه عرفًا طبيعيًا. هنا تبرز أهمية إدخال البعد التاريخي والاجتماعي في التفسير، لفهم مقاصد النص وموقعه ضمن مشروع الإسلام الإصلاحي.
في المجتمع الجاهلي، كانت المرأة في الغالب بلا حماية قانونية، يتصرف الرجل معها باعتبارها تابعًا له، وقد يصل الأمر إلى القسوة والعنف الجسدي بلا قيد. فجاء القرآن ليقيد هذا الواقع القاسي، ويضع تدرجًا علاجيا يبدأ بالوعظ، ثم بالهجر في المضجع، ثم الضرب غير المبرّح كحل أخير. أي أن النص لم يشرعن الضرب ابتداءً، بل ضيّق دائرته وقيّده بشروط دقيقة. وقد أشار ابن عاشور إلى ذلك بقوله: «الإذن بالضرب كان من باب تقليل شرٍ أعظم، إذ كان الرجال في الجاهلية يسيئون إلى النساء إساءة شديدة، فجاء الإسلام فضيّق الدائرة» (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج5، ص. 43).
أما من حيث المنهج، فإن الإسلام اتبع التدرج في الإصلاح، وهو منهج واضح في قضايا مثل الخمر والرق. وبحسب القراءة التاريخانية، فإن إقرار الضرب كخيار محدود لا يختلف عن هذا النهج التدريجي، حيث لم يكن من الممكن إلغاؤه كليًا في مجتمع ما زال يعتبره حقًا أصيلًا للرجل، بل قُيِّد تمهيدًا لتجاوزه. ويشير محمد عبده في تفسيره إلى أن الضرب ليس إذنًا مفتوحًا، بل هو «علاج رمزي يقتصر على المظاهر لا الجواهر» (محمد عبده، الأعمال الكاملة، ج2، ص. 358).
كما تكشف النصوص النبوية أن النبي ﷺ نفسه لم يمارس الضرب قط، بل نهى عنه صراحةً: «لا تضربوا إماء الله» (رواه أبو داود، رقم 2146). ويشير هذا إلى أن السيرة النبوية كانت تؤسس عمليًا لتجاوز الضرب، حتى إن النص القرآني سمح به كتدبير محدود. وهنا ترى القراءة التاريخانية أن العمل النبوي الفعلي يمثّل الوجه التطبيقي للمقاصد، بينما النص القرآني يعكس معالجة ظرفية للواقع الاجتماعي (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج5، ص. 171).
من جهة أخرى، قدمت المدرسة الإصلاحية في القرن العشرين (أمين الخولي، عبد الحليم أبو شقة، وغيرهما) قراءة مقاصدية–تاريخية، ترى أن النص عالج ظاهرة اجتماعية آنذاك، لكن مقاصد الشريعة في تكريم المرأة ورفع مكانتها تفتح الباب لتجاوز هذا الحكم اليوم. ويشير أمين الخولي إلى أن النصوص يجب أن تُفهم في سياقها التاريخي، وأن ما كان مناسبًا لزمن ما قد لا يبقى كذلك مع تغير الأوضاع (الخولي، منهج تجديد الدين، ص. 102).
أما في القراءات النقدية الأحدث مثل نصر حامد أبو زيد، فإن "واضربوهن" تمثل نموذجًا واضحًا لضرورة التعامل مع النصوص كخطاب تاريخي–لغوي، يتفاعل مع لحظة نزوله وظروفها. فالنص القرآني –بحسبه– يتجاوز ذاته عندما يُقرأ بمقاصده الكبرى في العدل والرحمة، لا بمجرد دلالته الحرفية. يقول أبو زيد: «النصوص تتحدد دلالاتها في سياقها، لكن مرجعيتها النهائية مقاصدها، لا بنيتها اللفظية وحدها» (أبو زيد، مفهوم النص، ص. 214).


الخاتمة
أول ما يخلص إليه البحث هو أن آية {وَاضْرِبُوهُنَّ} لا يمكن أن تُفهم بوصفها نصًا منفصلاً أو قاعدة مطلقة، بل يجب أن تُقرأ في إطار المنظومة القرآنية الكلية التي تؤكد على المودة والرحمة والمعاشرة بالمعروف، مثل قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وقوله: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]. إن هذا التكامل بين النصوص يمنع أي قراءة مجتزأة تشرعن العنف أو تجعله قاعدة عامة، لأن المقاصد الكبرى للقرآن تتجاوز ظاهر اللفظ إلى بناء علاقة أسرية قائمة على العدل والاحترام المتبادل.
كما أظهر البحث أن المفسرين التقليديين –من الطبري إلى ابن كثير– تعاملوا مع الآية في ضوء ثقافتهم الاجتماعية والفقهية، ففسّروا "الضرب" بالضرب غير المبرّح والمقيّد بشروط صارمة، معتبرينه وسيلة علاجية أخيرة عند استحالة الإصلاح. ومع ذلك، فإنهم لم يتجاوزوا البنية الفقهية التي كانت ترى في الرجل قيِّمًا على المرأة. وهذا ما يجعل قراءتهم جزءًا من تاريخ التفسير، لكنها ليست بالضرورة القراءة النهائية أو الوحيدة التي يمكن أن يتبناها المسلمون اليوم.
في المقابل، قدّم المفكرون المعاصرون تأويلات متعددة أكثر انسجامًا مع قيم العصر. فمنهم من تبنّى التفسير الرمزي لكلمة "واضربوهن" بمعنى "فارقوهن" أو "ابتعدوا عنهن"، ومنهم من اعتمد المقاربة الحقوقية–المقاصدية التي أكدت أن الضرب لا يتماشى مع تكريم المرأة في الشريعة، ورأى أن الآية كانت خطوة إصلاحية مرحلية لا تشريعًا مؤبدًا. كما قدم الاتجاه النسوي الإصلاحي قراءة نقدية للخطاب التفسيري الذكوري، مؤكدًا أن أي فهم يشرعن العنف يتناقض مع روح القرآن القائمة على المساواة والرحمة.
وأخيرًا، فإن إدخال البعد الثقافي والاجتماعي لنزول النص، وقراءته تاريخانيًا، يفتح المجال لفهم جديد للآية يتجاوز ظاهرها الحرفي. فالآية جاءت في سياق إصلاح مجتمع كان يمارس العنف بلا حدود، فقيّده الإسلام ورتّب خطوات الإصلاح على نحو يضيّق دائرة العنف ويجعلها استثناءً محدودًا. ومن ثم، فإن التجديد التفسيري لا يطعن في النص، بل يعيد وصل الآية بمقاصدها الكبرى، ويجعلها أكثر انسجامًا مع قيم الكرامة الإنسانية وحقوق المرأة، وهو ما يشكّل خطوة ضرورية في تطوير الفكر الإسلامي لمواجهة قضايا العصر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...