يلعب الجسد دورًا محوريًا في الكتابة السردية، حيث يشكل العنصر الأساس لتكوين الشخصية الروائية. فمن خلال الجسد، يتعرف الإنسان على ذاته وعلى العالم من حوله، ويخوض تجاربه الحياتية التي تشكل أساس السرد.
يشكل أداة تعبيرية غنية في الكتابة السردية، حيث يمكن من خلاله نقل المشاعر والأفكار بطريقة مباشرة وفعالة.
فمن خلال الوصف الدقيق للأحاسيس الجسدية، والتغيرات التي تحدث له تحت تأثير المشاعر، يمكن للكاتب أن يضفي على شخصياته واقعية وجاذبية.
كما يمكن استخدام الجسد كرمز لتمثيل معان أعمق، مثل الصراع بين الخير والشر، أو الحرية والقمع، أو الحياة والموت.
وقد استخدم المبدع الجسد كمحرك للسرد، من خلال المكون الرحلي لشخصيتيه المحوريتين لاكتشاف قدراتهما الجسدية، وللإشارة بطرف خفي إلى قصة الحب بينهما حيث تم التعبير بشكل إيحائي عن مشاعرهما من خلال الجسد.
نفهم من خلال مسار الأحداث والوقائع إلى أن هناك علاقات وطيدة وحميمة مؤكدة بين الشخصيتين، وقادت هذه العلاقات التي رسمها الكاتب إلى الانصهار والذوبان في بعضهما البعض، وقد اكتفى بالإشارة إلى تلك العلاقات الحميمة بين جسد وجسد، بفعل تقاربهما العاطفي، إشارات يفهم منها ما أراد الكاتب تصويره.
يُقدم رشيد العلوي مفهوما مركبا للجسد، مشيرا إلى وجود أنواع مختلفة منه، منها الجسد المروض والمطيع، كما هو الحال لدى ميشيل فوكو، والجسد العاري، كما تراه ميشيلا مارزانو.
الجسد: قدر لا مفر منه:
تؤكد مارزانو بحسب هشام العلوي على أن الجسد هو "قدرنا"، ليس بمعنى عدم وجود خيارات في الحياة، بل لأنه حاضر دائما، لا يمكن تجاهله أو تجاوزه. فبغض النظر عن رغباتنا أو قراراتنا، يبقى الجسد مرافقا لنا في كل خطوة من خطوات حياتنا.
الجسد: ضحية الخطيئة والتأملات الفلسفية:
يربط العلوي علاقة الإنسان بجسده بالخطيئة الأولى، مشيرا إلى تأثيرها على التنشئة الاجتماعية ونظرتنا إلى الجسد. ويوضح كيف خضع الجسد لشتى أنواع التنكيل والقمع، وتأرجح بين المباح والممنوع، بين العاري والمستور، وذلك باختلاف الثقافات.
الجسد: مسرح للصراعات الأيديولوجية:
يشير الباحث نفسه إلى وجود "مواقف آيديولوجية" تختصر الجسد إما إلى "حمل ينبغي التحرر منه"، أو إلى "جهاز معقد خاضع لنظام من نقاط اشتباك عصبية". ويوضح كيف تحدد هذه النظريات سلوك الإنسان وقراراته.
يقدم الباحث، إذن، نظرة ثاقبة عن مفهوم الجسد، مظهرا تعقيده وتناقضاته. فالجسد ليس مجرد كيان مادي، بل هو معبر عن هويتنا، ومتأثر بالثقافة والمجتمع، ومحاط بالصراعات الأيديولوجية. 1
وبالعودة إلى النص سنجده يقدم تحليلا مثيرا لِمفهوم "الجسد"، مشيرا إلى نوعين رئيسيين: جسد الطبيعة والجسد الأنثوي. وتسلط الرواية الضوء على التداخل بين هذين النوعين، مع إبراز التناقض بين الدعوة للفصل بينهما في بعض المواقف والتشديد على ارتباطهما في مواقف أخرى.
جسد الطبيعة والجسد الأنثوي:؛ تداخل وتناقض:
يشير النص إلى وجود تداخل بين جسد الطبيعة والجسد الأنثوي في الرواية، حيث تصبح الطبيعة امتدادا للجسد الأنثوي، والعكس صحيح. ويتجلى ذلك في استخدام أوصاف جسدية لوصف الطبيعة، والعكس صحيح أيضا.
ومع ذلك، يشير النص إلى وجود تناقض بين هذين النوعين من الجسد. ففي بعض المواقف، تدعو الرواية إلى الفصل بينهما، مؤكدة على عدم وجود أي تشابه بينهما. ويرجع هذا التناقض إلى اختلاف السياقات التي يتم فيها تناول مفهومي الجسد.
الجسد الأنثوي، اكتشاف متعة منسية:
تقدم الفيلسوفة في الرواية تجربة شخصية فريدة حول جسدها، حيث تعبر عن شعورها بمتعة اكتشافه بعد أن ظل لفترة طويلة ثانويا ومنسيا. وتشير إلى أن هذه المتعة تم دفنها في أعماقها بسبب انشغالها بالفكر والفلسفة. وتشبه الفيلسوفة جسدها بـ "جنة" تم اكتشافها من جديد.
الرحلة كعامل كاشف للشهوة:
يؤكد النص على دور الرحلة في كشف المشاعر المخبأة، خاصّة فيما يتعلق بالشهوة. فالشخصيتان الرئيسيتان في الرواية كانتا تخفيان شهوتهما، لكن الرحلة أدت إلى إخراجها من مخبئها. ويشير النص إلى أن حلم الأستاذ كان بمثابة مفتاح لكشف ما تخفيه كل منهما، مما أدى إلى لقاء جسدي حتمي، حتى وإن كان ذلك على مستوى الحلم.
يقدم النص تحليلا مفصلا لِمفهوم "الجسد" في الرواية، مشيرا إلى تداخل جسد الطبيعة والجسد الأنثوي، والتناقض بين الدعوة للفصل بينهما والتشديد على ارتباطهما. كما يسلط الضوء على تجربة الفيلسوفة الشخصية مع جسدها، ودور الرحلة في كشف المشاعر المخبأة، خاصة فيما يتعلق بالشهوة.
لقد عاشت الفيلسوفة تجارب عدة في علاقتها بجسدها، وكانت إرادة حريتها هي التي توجهها في اختياراتها:
خلال فترة قصيرة اعتنقت كل الأفكار والمذاهب والملل والنحل، في فترة ما ارتدت الحجاب وكانت تدافع عنه بقوة، باعتباره شيئا مقدسا، ثم فيما بعد انتقلت إلى الخمار، فخلق لها ذلك مشاكل عدة، كانت تحاور المعارضين لهذا اللباس وتجتهد في الإتيان بما يزكي حجتها، ثم ما لبثت بعد قراءاتها أن أخذت تتمرد على ذلك، وشيئا فشيئا انقلبت إلى النقيض فتخلصت من الخمار، ثم فاجأت الجميع باستغنائها عن الحجاب كذلك، كانت تردد لست سلعة ولست ملكا لأحد ليخبئني عن أعين الناس.. أنا إنسانة حرة.. ص 81.
وفي رحلتها من الاختفاء تحت اللباس إلى العري التام كانت تعيش تحت تأثير الفكر الوجودي بالرغم من تشاؤميته لأنه فكر يدعو إلى الاختيار بخلاف الدين الذي رأته منتوجا بشريا له ظروف إنتاجه الخاصة. ثم تحولت بفعل أفكار سيمون دي بوفوار إلى مدافعة شرسة عن أفكار الحركة النسوية.
لقد كانت رحلتها صعبة جعلتها تنتقل بين أفكار عدة، متباينة ومتعارضة لترسو على فكر الحركة النسوية الداعية إلى التحرر من كل شيء، وأن إرادة الحرية تحتم عليها أن تمتلك جسدها، وتتصرف فيه كما يحلو لها. لقد انتقلت من الخضوع إلى التمرد، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن التغطية التامة إلى التعرية التامة، صحيح أن ذلك كان يسير على دفعات، لكن المؤكد أن الفيلسوفة كانت تسير بثبات نحو التخلص من التقاليد والأعراف، وتتبنى الفكر التحرري الذي يدعو إلى التخلص من الأفكار البالية التي ترى في المرأة جسدا شهوانيا ينبغي تغطيته لتجنب الفتنة.
شعرت الفيلسوفة بمتعة حين اكتشفت جسدها الذي ظل ثانويا بل منسيا لمدة من الزمن؛ هذه المتعة تم دفنها في الأعماق بالاهتمام بالفكر والانشغال بالفلسفة. فقد تحدثت الفيلسوفة عن الجسد بوصفه جنة. ويرد ذلك في الفصل السابع. الجميل أن اكتشاف البركة كان الفعل الذي غير مسار الرواية ورفع من ايقاعها. الشخصيتان معا كانتا تخفيان شهوتهما وجاءت الرحلة لإخراجها من مخبئها. ويأتي حلم الأستاذ ليبسط أمام مشرحة الوعي ما يخفيه. وما تخفيه هي أيضا. كان اللقاء الجسدي حتميا حتى ولو على مستوى الحلم.
مجمل القول، لقد كان اكتشاف بهجة الجسد ونعيمه، وتوقع القارئ وقوع المحظور آنيا أو لاحقا في رحلة الأستاذ والفيلسوفة الاستكشافية، من خلال جملة مؤشرات؛ منها:
ثقافة المتلقي العربي الذي تشكلت لديه فكرة عن علاقة الرجل بالمرأة وأن خلوتهما ستقود للقاء جسدي لا محالة.
نصب الخيمتين علي شكل نهدين ناتئين.
وجود معجم يرتبط بحقل الجنس. مكان بكر. الاحضان، فرج، متعة، الفج، إلخ..
يمكن القول بتركيز إلى أن توظيف الجسد في الرواية كان من أجل التعبير عن العلاقات الحميمة وكان أداة فنية غنية وقوية في يد الكاتب. فمن خلال توظيفه بذكاء لهذا العنصر الحيوي والفاعل، تمكن الكاتب أن يضفي على روايته عمقا وتأثيرا عاطفيا، وابتعد عن اللغة المبتذلة والخادشة للحياء التي تحرف العمل عن مساره الإبداعي، وبلغنا رسائل ومعاني مشفرة، وبنى شخصيات أكثر واقعية وجاذبية.
**
1_ رشيد العلوي. ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري
تسعى لفهم الفعل الإنساني من دون أن تنسى مطلقًا بعده المادي
جريدة الشرق الأوسط. نُشر: 21:47-14 ديسمبر 2016 م ـ 15 ربيع الأول 1438 ه.
يشكل أداة تعبيرية غنية في الكتابة السردية، حيث يمكن من خلاله نقل المشاعر والأفكار بطريقة مباشرة وفعالة.
فمن خلال الوصف الدقيق للأحاسيس الجسدية، والتغيرات التي تحدث له تحت تأثير المشاعر، يمكن للكاتب أن يضفي على شخصياته واقعية وجاذبية.
كما يمكن استخدام الجسد كرمز لتمثيل معان أعمق، مثل الصراع بين الخير والشر، أو الحرية والقمع، أو الحياة والموت.
وقد استخدم المبدع الجسد كمحرك للسرد، من خلال المكون الرحلي لشخصيتيه المحوريتين لاكتشاف قدراتهما الجسدية، وللإشارة بطرف خفي إلى قصة الحب بينهما حيث تم التعبير بشكل إيحائي عن مشاعرهما من خلال الجسد.
نفهم من خلال مسار الأحداث والوقائع إلى أن هناك علاقات وطيدة وحميمة مؤكدة بين الشخصيتين، وقادت هذه العلاقات التي رسمها الكاتب إلى الانصهار والذوبان في بعضهما البعض، وقد اكتفى بالإشارة إلى تلك العلاقات الحميمة بين جسد وجسد، بفعل تقاربهما العاطفي، إشارات يفهم منها ما أراد الكاتب تصويره.
يُقدم رشيد العلوي مفهوما مركبا للجسد، مشيرا إلى وجود أنواع مختلفة منه، منها الجسد المروض والمطيع، كما هو الحال لدى ميشيل فوكو، والجسد العاري، كما تراه ميشيلا مارزانو.
الجسد: قدر لا مفر منه:
تؤكد مارزانو بحسب هشام العلوي على أن الجسد هو "قدرنا"، ليس بمعنى عدم وجود خيارات في الحياة، بل لأنه حاضر دائما، لا يمكن تجاهله أو تجاوزه. فبغض النظر عن رغباتنا أو قراراتنا، يبقى الجسد مرافقا لنا في كل خطوة من خطوات حياتنا.
الجسد: ضحية الخطيئة والتأملات الفلسفية:
يربط العلوي علاقة الإنسان بجسده بالخطيئة الأولى، مشيرا إلى تأثيرها على التنشئة الاجتماعية ونظرتنا إلى الجسد. ويوضح كيف خضع الجسد لشتى أنواع التنكيل والقمع، وتأرجح بين المباح والممنوع، بين العاري والمستور، وذلك باختلاف الثقافات.
الجسد: مسرح للصراعات الأيديولوجية:
يشير الباحث نفسه إلى وجود "مواقف آيديولوجية" تختصر الجسد إما إلى "حمل ينبغي التحرر منه"، أو إلى "جهاز معقد خاضع لنظام من نقاط اشتباك عصبية". ويوضح كيف تحدد هذه النظريات سلوك الإنسان وقراراته.
يقدم الباحث، إذن، نظرة ثاقبة عن مفهوم الجسد، مظهرا تعقيده وتناقضاته. فالجسد ليس مجرد كيان مادي، بل هو معبر عن هويتنا، ومتأثر بالثقافة والمجتمع، ومحاط بالصراعات الأيديولوجية. 1
وبالعودة إلى النص سنجده يقدم تحليلا مثيرا لِمفهوم "الجسد"، مشيرا إلى نوعين رئيسيين: جسد الطبيعة والجسد الأنثوي. وتسلط الرواية الضوء على التداخل بين هذين النوعين، مع إبراز التناقض بين الدعوة للفصل بينهما في بعض المواقف والتشديد على ارتباطهما في مواقف أخرى.
جسد الطبيعة والجسد الأنثوي:؛ تداخل وتناقض:
يشير النص إلى وجود تداخل بين جسد الطبيعة والجسد الأنثوي في الرواية، حيث تصبح الطبيعة امتدادا للجسد الأنثوي، والعكس صحيح. ويتجلى ذلك في استخدام أوصاف جسدية لوصف الطبيعة، والعكس صحيح أيضا.
ومع ذلك، يشير النص إلى وجود تناقض بين هذين النوعين من الجسد. ففي بعض المواقف، تدعو الرواية إلى الفصل بينهما، مؤكدة على عدم وجود أي تشابه بينهما. ويرجع هذا التناقض إلى اختلاف السياقات التي يتم فيها تناول مفهومي الجسد.
الجسد الأنثوي، اكتشاف متعة منسية:
تقدم الفيلسوفة في الرواية تجربة شخصية فريدة حول جسدها، حيث تعبر عن شعورها بمتعة اكتشافه بعد أن ظل لفترة طويلة ثانويا ومنسيا. وتشير إلى أن هذه المتعة تم دفنها في أعماقها بسبب انشغالها بالفكر والفلسفة. وتشبه الفيلسوفة جسدها بـ "جنة" تم اكتشافها من جديد.
الرحلة كعامل كاشف للشهوة:
يؤكد النص على دور الرحلة في كشف المشاعر المخبأة، خاصّة فيما يتعلق بالشهوة. فالشخصيتان الرئيسيتان في الرواية كانتا تخفيان شهوتهما، لكن الرحلة أدت إلى إخراجها من مخبئها. ويشير النص إلى أن حلم الأستاذ كان بمثابة مفتاح لكشف ما تخفيه كل منهما، مما أدى إلى لقاء جسدي حتمي، حتى وإن كان ذلك على مستوى الحلم.
يقدم النص تحليلا مفصلا لِمفهوم "الجسد" في الرواية، مشيرا إلى تداخل جسد الطبيعة والجسد الأنثوي، والتناقض بين الدعوة للفصل بينهما والتشديد على ارتباطهما. كما يسلط الضوء على تجربة الفيلسوفة الشخصية مع جسدها، ودور الرحلة في كشف المشاعر المخبأة، خاصة فيما يتعلق بالشهوة.
لقد عاشت الفيلسوفة تجارب عدة في علاقتها بجسدها، وكانت إرادة حريتها هي التي توجهها في اختياراتها:
خلال فترة قصيرة اعتنقت كل الأفكار والمذاهب والملل والنحل، في فترة ما ارتدت الحجاب وكانت تدافع عنه بقوة، باعتباره شيئا مقدسا، ثم فيما بعد انتقلت إلى الخمار، فخلق لها ذلك مشاكل عدة، كانت تحاور المعارضين لهذا اللباس وتجتهد في الإتيان بما يزكي حجتها، ثم ما لبثت بعد قراءاتها أن أخذت تتمرد على ذلك، وشيئا فشيئا انقلبت إلى النقيض فتخلصت من الخمار، ثم فاجأت الجميع باستغنائها عن الحجاب كذلك، كانت تردد لست سلعة ولست ملكا لأحد ليخبئني عن أعين الناس.. أنا إنسانة حرة.. ص 81.
وفي رحلتها من الاختفاء تحت اللباس إلى العري التام كانت تعيش تحت تأثير الفكر الوجودي بالرغم من تشاؤميته لأنه فكر يدعو إلى الاختيار بخلاف الدين الذي رأته منتوجا بشريا له ظروف إنتاجه الخاصة. ثم تحولت بفعل أفكار سيمون دي بوفوار إلى مدافعة شرسة عن أفكار الحركة النسوية.
لقد كانت رحلتها صعبة جعلتها تنتقل بين أفكار عدة، متباينة ومتعارضة لترسو على فكر الحركة النسوية الداعية إلى التحرر من كل شيء، وأن إرادة الحرية تحتم عليها أن تمتلك جسدها، وتتصرف فيه كما يحلو لها. لقد انتقلت من الخضوع إلى التمرد، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن التغطية التامة إلى التعرية التامة، صحيح أن ذلك كان يسير على دفعات، لكن المؤكد أن الفيلسوفة كانت تسير بثبات نحو التخلص من التقاليد والأعراف، وتتبنى الفكر التحرري الذي يدعو إلى التخلص من الأفكار البالية التي ترى في المرأة جسدا شهوانيا ينبغي تغطيته لتجنب الفتنة.
شعرت الفيلسوفة بمتعة حين اكتشفت جسدها الذي ظل ثانويا بل منسيا لمدة من الزمن؛ هذه المتعة تم دفنها في الأعماق بالاهتمام بالفكر والانشغال بالفلسفة. فقد تحدثت الفيلسوفة عن الجسد بوصفه جنة. ويرد ذلك في الفصل السابع. الجميل أن اكتشاف البركة كان الفعل الذي غير مسار الرواية ورفع من ايقاعها. الشخصيتان معا كانتا تخفيان شهوتهما وجاءت الرحلة لإخراجها من مخبئها. ويأتي حلم الأستاذ ليبسط أمام مشرحة الوعي ما يخفيه. وما تخفيه هي أيضا. كان اللقاء الجسدي حتميا حتى ولو على مستوى الحلم.
مجمل القول، لقد كان اكتشاف بهجة الجسد ونعيمه، وتوقع القارئ وقوع المحظور آنيا أو لاحقا في رحلة الأستاذ والفيلسوفة الاستكشافية، من خلال جملة مؤشرات؛ منها:
ثقافة المتلقي العربي الذي تشكلت لديه فكرة عن علاقة الرجل بالمرأة وأن خلوتهما ستقود للقاء جسدي لا محالة.
نصب الخيمتين علي شكل نهدين ناتئين.
وجود معجم يرتبط بحقل الجنس. مكان بكر. الاحضان، فرج، متعة، الفج، إلخ..
يمكن القول بتركيز إلى أن توظيف الجسد في الرواية كان من أجل التعبير عن العلاقات الحميمة وكان أداة فنية غنية وقوية في يد الكاتب. فمن خلال توظيفه بذكاء لهذا العنصر الحيوي والفاعل، تمكن الكاتب أن يضفي على روايته عمقا وتأثيرا عاطفيا، وابتعد عن اللغة المبتذلة والخادشة للحياء التي تحرف العمل عن مساره الإبداعي، وبلغنا رسائل ومعاني مشفرة، وبنى شخصيات أكثر واقعية وجاذبية.
**
1_ رشيد العلوي. ميشيلا مارزانو: فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري
تسعى لفهم الفعل الإنساني من دون أن تنسى مطلقًا بعده المادي
جريدة الشرق الأوسط. نُشر: 21:47-14 ديسمبر 2016 م ـ 15 ربيع الأول 1438 ه.