خالد محمد مندور - حكايات مندورية... جدي العلمي - استاذ الاساتذة، أدهم الدمرداش "أبراهيم أدهم الدمرداش"

عندما تعرفت على صديقي المثقف الكبير و استاذ هندسة الطيران و الكمبيوتر الدكتور مهندس فاتن فهيم في منزل صديق مشترك، منذ زمان بعيد، سألني عن اسماء أبنائي و عندما أخبرته اجاب " طبعا ما انت شرقاوي و لازم تسمى أدهم " ، فأخبرته انه مخطئ فلقد سميت أحد أبنائي تيمنا بالمثقف الكبير و استاذ الهندسة أدهم الدمرداش، فقام من على مقعدة، او هكذا مازلت اشعر انه قام، و فورا علق قائلا " احنا بيننا شيء مشترك ".
لم أكن اعرف من هو أدهم الدمرداش " ابراهيم أدهم الدمرداش "عندما علمنا انه سيدرس لنا في السنة الثالثة بكلية الهندسة مادة كنت أحبها كثيرا، واقع في غرامها، هي Theory of structure، ما عدا انه استاذ كبير و اسم يحظى باحترام كبير.
وفى المحاضرة الاولى وجدت رجلا متوسط الطول، متين البنية، شديد النظافة الى الحد أنك تشعر انه قد " دعك " في الحمام قبل حضوره وشديد الاناقة، يبلغ حوالي السبعين من العمر، يعنى باختصار يضخ هيبة ووقار يجعل امثالنا، نحن المفاعيص ، نتردد كثيرا في ان نتحدث معه، وهو بالمناسبة من عائلة الدمرداش الكبيرة والثرية جدا.
و سريعا يكتشف المفاعيص ، ان هذا المهاب شديد البساطة و التواضع و ما اسهل ان نتحدث معه ، وانه ، وهو من هو ، يتعامل معنا باعتبارنا اندادا كبارا ، و برغم ذلك و لأنه شديد الاخلاص و الكفاءة في عملة و شديد الاهتمام بنا و منضبط تماما في مواعيده ، تبدء في التشكل مشاعر جديدة من الاحترام العميق و الود الداخلي غير المعلن ، مهابة جديدة بسيطة و متغلغلة الى القلب، و اصاب بحمى كبيرة اسمها ادهم الدمرداش لا افرق بسببها بين المادة العلمية واستاذها ، و اذاكرها كما المجنون الى حد انى كنت اقدم عشرة اضعاف ما هو مطلوب منى من الواجبات المنزلية ، واصبح مستواي العلمي رفيعا .
و لانه كان منظما جدا اثناء القاء المحاضرات فلقد كان يشرح وهو يكتب نص المحاضرة على السبورات وبعد انتهاءه يعاود نفس الشرح وهو يواجه الطلاب ، لكنه شرح غير روتيني فلقد كان يتوقف ويسأل فيما شرحة في اثناء الكتابة ، سؤال لا ينتظر عنه إجابة بل لكى يتأكد من حسن تركيز ومتابعة الطلاب ، فاكتشفت ضرورة أن أعكس متابعتي كي تكون عكسه ، أي لا أكتب وهو يكتب بل أركز تركيزا شديد فيما يقول ، وعندما يعيد الشرح وهو يواجهنا كنت أبدأ في الكتابة ، وتأتى لحظه السؤال أثناء الشرح ، وهو لا يتوقع ردا ، فيسأل واطلب الإجابة ويسمح لي ، فأجاوب ، ويا للهول يطلب الأستاذ الكبير من الطلاب التصفيق لي ، وينتابني خجل كبير وتحمر أذناي ، فادهم الدمرداش يطلب التصفيق لي .
، لقد اصبحت اتنفس المادة العلمية الى حد الاجابة في الامتحان النهائي على كل الاسئلة السبعة في اقل من نصف الوقت ، رغم انه كان مطلوبا ان اجاوب خمسة فقط ، ولا ينتهى الامر عند ذلك فبعد أسبوعين تقريبا واثناء أداء امتحان أخر يخرج رئيس الكنترول الى داخل لجنة الامتحان ويسأل " هو فين خالد ده " ، ويحضر الى ويسأل " انت خالد " فأجيب أيوه ، ولأنه كان رجلا لطيفا يضحك ويقول " لا لا مش أنت " ويذهب دون تعليق.
وينتابني العجب فأسأل فراش القسم أن يتقصى الامر، وينتهي هذا الامتحان وقبل أن الملم الوراقى تنهال على لعنات الطلاب، " يا أبن "أل ......ب " فيه حد يجاوب سبعة أسئلة أهو كلنا هنسقط لأنه سيصلح من سبعة بدلا من خمسة “، تصور لم يحدث بالطبع لكن درجتي كانت فوق 100%.
ولعل من الواجب الإشارة الى أن هذا الأستاذ الكبير صاحب التخصص الأصلي في الهندسة المدنية هو من أسس قسم هندسة الطيران في جامعة القاهرة، قبل 1952، وأصبح أول رئيسا له.
وفوق هذا و قبلة، وبرغم خدماته العلمية و الوطنية الجليلة، يبقى ان من عباءته و لد العشرات من العلماء المصريين الذين تأثر الكثير منهم ليس فقط بتوجهاته العلمية و لكن ايضا بنموذجة الأخلاقي الرفيع وباهتماماته الثقافية الواسعة.
هذه هي صورة الجد المتشكلة في ذاكرتي
و لكن من هو أدهم الدمرداش
- حصل على الدكتوراة في الهندسيّة المدنية من جامعة زيورخ في الثلاثينيات
- اسس قسم هندسة الطيران في الاربعينيات في جامعة القاهرة واصبح رئيسا له
- عميد كلية هندسة القاهرة ثلاث مرات
- اسس نقابة المهندسين في الاربعينيات ثم اصبح نقيبا لها لاحقا سنة 1956
- جائزة الدولة التقديريّة في العُلوم سنة 1968
- عضو اللجنة العليا لأبحاث الفضاء
- عضو مجلس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجي
- مستشارًا فنِّيًّا لهيئة إنقاذ معابد فِيلَة، والهيئة العامّة لتطوير المحالج، والسّقيفة القديمة للمسعى، وقبّة الصّخرة، وقبّة جامع محمد علي بالقلعة، وغيرها.
- انتُخبَ عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1973.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...