حسين عبروس - - "أدب الطفل وفن الكتابة" : دراسة في الرؤية والمنهج

- يُعَدّ كتاب "أدب الطفل وفن الكتابة" للأديب والشاعر حسين عبروس "من الإسهامات الفكرية الرائدة في حقل *أدب الأطفال*؛ فهو لا يقتصر على عرض مادة وصفية أو تجميعية، بل يؤسس لرؤية نقدية وفنية تستند إلى خبرة عملية في الكتابة للأطفال، وإلى وعي فكري يربط بين النص الإبداعي والبعد التربوي والثقافي.
والكتاب -الصادر عن المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية بالجزائر - يتوزع على خمسة فصول رئيسة، يُعالج كل واحد منها محورًا محددًا في علاقة الطفل بالأدب، مما يمنح القارئ صورة شمولية عن هذا الحقل المعرفي، من حيث النشأة والمفاهيم، واللغة والقراءة، والتجربة التاريخية، والفنون السردية، ثم الشعر وفنياته.
- أولًا: أدب الطفل وبوادر النشأة:
يُركز الفصل الأول على البدايات التاريخية لكتابة الأدب الموجّه للطفل، مع توضيح السياقات التي أفرزت ظهور المصطلح في الثقافة العربية. وقد أحسن المؤلف في إبراز أنّ أدب الطفل لم ينشأ كترف فكري أو تسلية عابرة، بل كاستجابة لحاجات تربوية وثقافية، تعكس وعي المجتمع بضرورة إعداد الناشئة عبر أدوات فنية وتعليمية متكاملة.
- ثانيًا: الطفل وعالم اللغة:
في الفصل الثاني، يطرح المؤلف إشكالية اللغة وعلاقتها بالطفل. فاللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي أفق لبناء الخيال وتوسيع المدارك. ومن هنا جاءت العناية بمسألة القراءة ودورها في تكوين شخصية الطفل، إضافة إلى تحديد مستويات الكتابة للأطفال بما يراعي الخصوصية النفسية والعقلية لكل مرحلة عمرية.
ويُلاحظ أنّ الكاتب يُقدّم هنا رؤية تربوية ـ جمالية متوازنة، تنبه المبدعين إلى ضرورة الجمع بين البساطة والعمق، والإفادة من الطابع الفني للنص دون الإخلال بمستوى التلقي.
-الثًالثا: التجربة التاريخية للكتابة للطفل:
ينتقل المؤلف في الفصل الثالث إلى *تجربة الكتابة التاريخية* للأطفال. وهذا الجانب يُبرز وعيه بأهمية التاريخ في تشكيل الذاكرة الجماعية لدى الناشئة، مع التنبيه إلى ضرورة إعادة صياغة المادة التاريخية بلغة فنية قادرة على شدّ انتباه الطفل، وتحويل الوقائع إلى قصص ورموز، بحيث يصبح الماضي امتدادًا طبيعيًا للوعي الحاضر.
- رابعًا: القصة وإشكالاتها الفنية:
- الفصل الرابع يركّز على القصة بوصفها أحد أهم الفنون الموجهة للطفل. ويناقش المؤلف هنا "الإشكال الفني" الذي يواجه كتّاب القصة، حيث يتعيّن الموازنة بين البنية السردية والوظيفة التربوية. كما يتناول مسألة القيم الجمالية الكامنة في النصوص القصصية، مؤكدًا أنّ القصة لا تقتصر على تقديم العبرة، بل تُسهم في ترسيخ الذائقة الفنية وتشكيل الحس النقدي لدى الطفل.
-خامسًا: الشعر وأناشيد الطفولة:
- أمّا الفصل الخامس والأخير فيُعالج *شعر الأطفال* وفنياته، مع التمييز بين شعر الصغار وشعر اليافعين. ويولي المؤلف أهمية خاصة للإيقاع والنغم بوصفهما مدخلين أساسيين لتلقي النص الشعري في مرحلة الطفولة، مبرزًا أنّ الأناشيد تشكل أداة تربوية وفنية في آن واحد، تجمع بين المتعة الجمالية والرسالة القيمية.
وتنعكس هنا تجربة المؤلف الذاتية في كتابة الشعر الموجّه للصغار، حيث يظهر التداخل بين الممارسة الإبداعية والتنظير النقدي.
خـــــــاتمــــــــة:
إنّ كتاب "أدب الطفل وفن الكتابة" يمثل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية في مجال أدب الأطفال؛ إذ يجمع بين الطرح التاريخي والبعد النقدي والفني، ويستند إلى خبرة عملية في الكتابة القصصية والشعرية. ومن خلال فصوله الخمسة، يُقدّم رؤية متكاملة تُفيد المبدع في تجربته الإبداعية، وتعين الباحث على تأسيس دراساته الأكاديمية.
وبذلك يُمكن اعتباره مرجعًا تأسيسيًا يربط بين *النظرية والممارسة*، ويُسهم في بلورة خطاب ثقافي جديد يعترف بالطفولة كفضاء أساسي لبناء الإنسان والمجتمع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...