رانية مرجية - طفولة تكتبنا من جديد: في حضرة نص عادل جودة

حين قرأت نصّ الأديب عادل جودة، وجدت نفسي أعود قسرًا إلى تلك العتبات الأولى من الذاكرة، حيث الأشياء الصغيرة كانت تحمل في داخلها أسرار الحياة الكبرى. نصّه ليس مجرّد حنين إلى الطفولة، بل هو إبحار في براءة البدايات، حيث البيت والمدرسة والمسجد يشكّلون مثلثًا لا ينفصم، تتقاطع عند أضلاعه المعرفة والروحانية واليوميّ المعاش.

ما أسرني في النص هو تلك اللحظة الرمزية التي يتحدّث فيها الكاتب عن ترك الحقيبة على باب المسجد. هنا تتجلّى البلاغة في أبهى صورها؛ فالحقيبة ليست مجرد ثِقلٍ على ظهر طفل عائد من المدرسة، بل رمزٌ لكل ما نحمله من ماديات وهموم، نضعها عند العتبة لندخل فضاءً أوسع وأرحب، فضاءً يحرّر الروح من أثقالها. إنها صورة تلامس القلب مباشرة، لأنها تعكس جوهر التخلّي من أجل الامتلاء، والانتقال من عبء الأرض إلى نور السماء.

ولم يكتفِ الكاتب باستدعاء الطفولة من باب النوستالجيا وحدها، بل رسمها كمدخلٍ لفهم الإلهام الأول في مسيرة الكتابة. فمن ذاق طمأنينة الروح في صغره، لا بدّ أن تكون الكلمة ملاذه حين يكبر. من تذوّق همس المكان بآيات السلام، لا يمكن إلا أن يسلك درب النور في كل نصّ يخطّه.

إن نصّ عادل جودة يعيد إلينا يقينًا كدنا نفقده: أن الماضي ليس مجرّد ماضٍ، بل هو كنز لا يفنى، نخزنه في أعماقنا لنعود إليه كلما ضاقت بنا الدروب. وهو يذكّرنا أن التفاصيل البسيطة – صوت الصغار في الأزقة، رائحة الحبر في الدفاتر، أذان المغرب في المساء – قادرة أن تمنحنا أكثر مما تمنحه كبرى الحوادث؛ لأنها تنقش في القلب نقشًا لا يمحى.

وبهذا، فإن نصّه لا يقف عند حدود الذكرى، بل يتخطّاها ليقدّم شهادة وجدانية على أن الكتابة نفسها ليست إلا امتدادًا لتلك اللحظات الأولى من النور. من عرف النور صغيرًا، لا يمكن أن يسكن الظلمة كبيرًا.

خاتمة مفتوحة

أيها القارئ، تأمّل طفولتك أنت أيضًا، عد إلى تفاصيلها الصغيرة التي ربما ظننتها عابرة. اسأل نفسك: ما الحقيبة التي تركتها على العتبة؟ وما الضوء الذي تسلّل إلى روحك يومًا وما زال يرافقك حتى اللحظة؟ لعلّ في استحضار تلك اللحظات البسيطة ما يعيدنا إلى أصلنا الأول، إلى ذلك النبع الصافي الذي لا يجفّ، ويمنحنا يقينًا أن النور الذي تذوّقناه في البدايات، باقٍ ليسطع في الحاضر والمستقبل





تتّشح كلماتك بوهج الذكريات
وتصوّر لنا رحلة طفولةٍ بريئةٍ
حيث كان البيتُ والمدرسةُ والمسجد أضلاع مثلثٍ لا ينفصم تتقاطع فيه الحياةُ مع المعرفة والروحانية.
لقد رسمتَ لوحةً آسرةً بجمالها فكأنّك تُعيدنا إلى ذلك الزمن الذي كانت فيه التفاصيلُ الصغيرةُ تحملُ معاني عظيمة.
حديثك عن العودة من المدرسة ورفع أوزار الحقيبة على باب المسجد يلامسُ القلبَ ففيه رمزيةٌ عميقةٌ للتخلّص من ثِقلِ المادّة والتحليق في رحاب الروح.
جميلٌ ما ذكرتَه عن ذلك المدى المفتوح والأبهاء العالية وكيف أنها منحتك طمأنينةً ودفئًا وكأنّ المكانَ كانَ يهمسُ لكَ بآياتِ السلام.
ولا عجبَ أن تكونَ هذه التجربةُ هي منبعَ الإلهام لبداية رحلتك في الكتابة فمن ذاق حلاوةَ النور لا يمكن أن ينتهي إلا إلى النور..
هذه الذكرياتُ هي كنزٌ لا يفنى ومن الجميل أن نعود إليها بين الحين والآخر لتُذكّرنا ببراءة البدايات وصفائها.
تحياتي واحترامي
عادل جوده

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...