خالد عطية - دواء، لا مقاومة.

فلسطين : من إدارة الصراع إلى افق التحرر

في واحدة من أكثر اللحظات الفلسطينية قتامة منذ نكبة 1948، تبدو الحالة الفلسطينية أمام مشهد تاريخي مشلول، تتكثف فيه كل مظاهر الانهيار: سلطة متهالكة، انقسام بلا أفق، مشروع تحرري غائب، وشعب محاصر بين آلة الإبادة وجدران الخذلان. وفيما تتواصل حرب الإبادة والتجويع على غزة منذ عامين، يبدو واضحاً أن النظام الدولي لا يرى في الدم الفلسطيني إلا مادة لوجستية تُدار عبر المساعدات، لا جريمة تستوجب موقفاً. العالم لا يناقش حقوق الفلسطينيين بل “احتياجاتهم”، ولا يبحث في إنهاء الاحتلال بل في تحسين شروط الخضوع له.
في هذا السياق، وفي إطار التراجع المتسارع الذي يعيشه المشروع الوطني الفلسطيني، يتضح أن ما يُسمى بـ«حل الدولتين» لم يكن يومًا خيارًا تحرريًا جادًا، بل شكّل جزءًا من نموذج الهيمنة المشروطة الذي يكرّس إدارة الصراع بدلاً من إنهائه. لقد تحوّل هذا الحل إلى واجهة لفظية وظيفتها تعطيل أي فعل تحرري حقيقي، في وقت تُقضم فيه الأرض وتتآكل الجغرافيا الوطنية، وتتفتّت بنية الشعب الفلسطيني إلى حد الذبول. ما يجري اليوم هو إدارة دقيقة ومحكمة لوجود الفلسطينيين في هامش ضيق، يسمح لهم بالبقاء على قيد الحياة، لكنه يمنع تحقيق السيادة والكرامة. بهذا المعنى، باتت إدارة الصراع، لا حله، العقيدة السياسية السائدة دوليًا وإقليميًا، بل وحتى في بعض الدوائر الفلسطينية، وهو ما يعكس مأزقًا عميقًا يستوجب إعادة النظر الجذرية في الرؤية والاستراتيجيات

السلطة الفلسطينية، التي نشأت بوصفها ثمرة لاتفاق سياسي أُفترض أنه تمهيد لحل تاريخي، انتهت اليوم إلى كيان إداري بائس فاقد للشرعية الشعبية والوظيفة الوطنية. لا تمثّل سوى جزء ضئيل من الفلسطينيين، ولا تملك من أمرها سوى التنسيق الأمني والانتظار. كل المحاولات لإصلاحها من الداخل تعثرت، لا لغياب الكفاءة فقط، بل لأن المشروع نفسه فقد مبرره التاريخي.

أما الانقسام الفلسطيني، فقد تجاوز كونه خلافاً على سلطة أو برنامج سياسي، إلى تشقق في الهوية الوطنية ذاتها. لم يعد هناك مشروع واحد، ولا حتى مركز قرار وطني موحّد، بل واقع مزدوج بين سلطتين تسيّران حياة الفلسطينيين من دون أفق أو رؤية جامعة، كلٌّ منهما تسعى للبقاء، لا للانتصار.

في المحيط، اكتمل العجز العربي. ليس عجزاً طارئاً بل بنيوي، تحوّل إلى سياسة قائمة على نزع فلسطين من الوجدان السياسي، وتقديمها على طاولة “الواقعية الإقليمية” باعتبارها عبئاً يجب تجاوزه. لم تعد فلسطين أولوية، ولا حتى ورقة تفاوض. بعض العواصم العربية نسّقت أمنياً قبل أن تفتح سفارات، وبعضها الآخر أعاد تعريف القضية بوصفها “كارثة إنسانية” تحتاج إلى شحنات ولا يكتمل المشهد دون التوقف أمام بنية إسرائيل ذاتها، التي باتت اليوم في طورها الأكثر تطرفًا وتوحشًا منذ قيام الكيان. إن حكومة اليمين الديني–القومي بقيادة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير لا تمثّل “انحرافًا” عن المشروع الصهيوني، بل هي تجسيد مباشر له، وقد وصلت إلى لحظة الذروة في رفض الوجود الفلسطيني أصلًا، لا كدولة فقط، بل كهوية وواقع وبشر.
هذه الحكومة لا تفاوض الفلسطينيين لأنها لا تراهم شركاء، بل أدوات يجب تفكيكها، أو ترحيلها، أو محوها. عقلها السياسي لا يرى إلا خرائط خالية من الفلسطيني، أو محميات مُسيّجة. لا فرق عندها بين مقاوم في غزة، أو طفل في جنين، أو مزارع في مسافر يطا. الكلّ أهداف مشروعة في معركة المستوطنين على الأرض والتاريخ.
إن الاستيطان، والضم، والتطهير في غزة والضفة، ليست ملفات متفرقة، بل استراتيجية واحدة تشتغل بتراكم، وتستفيد من تآكل الوضع الفلسطيني وانكشافه العربي والدولي، لتعيد صياغة “الحل النهائي” بلغتها: الإبادة السياسية والجغرافية للوجود الفلسطيني، في ظل صمت دولي، وتواطؤ إقليمي، وتفكك داخلي.

أمام لحظة شعبية كثيفة بالمعنى التحرري، بقيت القيادة الرسمية تحاول تقليص الحدث إلى كارثة إنسانية.
وإذا كان غياب السلطة عن لحظة الطوفان قد كشف حدود دورها الوظيفي، فإن الغياب الأكبر تمثّل في عجز المقاومة عن التحول إلى مشروع وطني جامع. ليس لأن الفعل المقاوم غائب، بل لأن بنيته السياسية أصبحت هي الأخرى منقسمة، فصائلية، ومأسورة بمنطق الإدارة لا التحرر. المقاومة التي كانت يومًا التعبير الأوضح عن الإجماع الفلسطيني تحوّلت إلى أطر متوازية، لا برنامج موحد. لقد اختُزلت المقاومة إلى تموضعات إقليمية وبرامج حزبية، تفقد فيها البوصلة الوطنية لصالح أولويات الكينونة التنظيمية أو التموضع السياسي.
وحين انفردت فصائل بعينها، وعلى رأسها حماس، بإدارة المقاومة وسلطة الحكم معًا، تراجعت المقاومة من كونها أداة تحرر إلى كونها أداة إدارة. المقاومة لا تموت بالقمع، بل حين تُختزل في معادلات جزئية ومشاريع غير جامعة. حماس، وإن حملت عبء المواجهة في غزة، إلا أنها ساهمت، موضوعيًا، في إنتاج مشهد مقاوم منزوع الإجماع، محصور جغرافيًا، يفتقر إلى برنامج وطني متكامل. لقد أعادت صياغة المواجهة كملف غزة لا كقضية فلسطين، وهذا ما مكّن النظام الدولي من تفكيك الجبهة الفلسطينية والتعامل مع أجزاء مفصولة من الكل.
في لحظة تاريخية كثيفة مثل “الطوفان”، كان يفترض أن تستعيد المقاومة مركزيتها الوطنية، لكن الانقسام، والتموضع الفصائلي، وغياب المرجعية السياسية الجامعة، حوّلت حتى ذروة الفعل المقاوم إلى لحظة يتيمة. لم تفشل المقاومة في الميدان، بل في أن تتحول إلى إطار تحرري شامل يحمل الفلسطينيين بكل مواقعهم وهوياتهم السياسية، ويدفع نحو كسر الانقسام لا تكريسه.

أمام هذا الركام، يصبح سؤال الحل أكثر من ضرورة أخلاقية: إنه سؤال وجود سياسي. لا يمكن بناء أي حل في هذا المناخ دون الاعتراف أولاً أن ما تبقى من النظام السياسي الفلسطيني لا يصلح كقاعدة انطلاق لأي مشروع وطني جديد. السلطة، بصيغتها الراهنة، غير قابلة للإصلاح، لأنها أصبحت مرتبطة وظيفياً بمنظومة الاحتلال ذاتها. والخروج من هذا المأزق لا يتم عبر مناشدات أو ترقيع، بل عبر التحلل الصريح من منطق أوسلو ومن مؤسساته، والانطلاق في بناء مسار تحرري جديد.

هذا المسار يجب أن يبدأ من إعادة بناء التمثيل الوطني الفلسطيني، عبر تفعيل منظمة التحرير كجسم جامع حقيقي، بعد إعادة تشكيلها ديمقراطياً، ومن خلال انتخابات شاملة تشمل كل الفلسطينيين في الداخل والشتات. التمثيل لا يمكن أن يستعاد دون إعادة الاعتبار لصوت الشعب، ودون كسر احتكار القرار الوطني من سلطات الأمر الواقع.

بموازاة ذلك، لا بد من تبني برنامج وطني يقوم على التحرر، لا الإدارة. العودة إلى جوهر القضية كحركة نضال ضد استعمار استيطاني، وليس صراع حدود. وهذا يقتضي أدوات جديدة: مقاومة شعبية فاعلة، حملات قانونية دولية، تفكيك العلاقات الاقتصادية والأمنية مع الاحتلال، وبناء تحالفات دولية خارج النظام الرسمي المأزوم.

المراهنة على الخارج أثبتت إفلاسها، والمطلوب اليوم إعادة بناء الثقة بين المشروع الوطني وشعبه، لا بين السلطة والمانحين. الفلسطينيون لا يحتاجون إلى وسطاء، بل إلى مشروع يمثلهم ويعبّر عن كرامتهم، دون ابتزاز، ودون انتقاص.

اللحظة الراهنة ليست فقط لحظة انسداد، بل لحظة تأسيس. التاريخ لا يصنعه الانكسار، بل القدرة على تحويل الهزيمة إلى نقطة بداية. وكي لا نتحوّل إلى مجرد ملف إنساني طويل الأمد، يجب أن نكسر سياق التآكل، ونبدأ من جديد، ليس عبر “استعادة السلطة”، بل بإعادة تعريف فلسطين: فكرةً ومشروعاً ونضالاً حياً لا تموته المجازر ولا تنهيه الأنظمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...