جاء كتاب "الهزيمة والإيديولوجية المهزومة" لياسين الحافظ في لحظة تاريخية فاصلة، مباشرة بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، التي لم تكن مجرد نكسة عابرة في مسار الصراع العربي–الإسرائيلي، بل كانت بمثابة صدمة حضارية للعرب جميعًا. فقد تهاوت في ستة أيام جيوش ثلاث دول كبرى (مصر، سوريا، الأردن)، وخسرت الأمة العربية في لحظة واحدة القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان. هذه الخسارة السريعة وغير المتوقعة خلقت حالة من الذهول الجماعي، حيث بدا أن الشعارات الكبرى التي رُفعت طويلاً عن النصر القريب والتحرير الشامل لم تكن سوى بناء رمزي هش سرعان ما انهار أمام أول اختبار عملي.
أدرك ياسين الحافظ أن هذه الهزيمة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية في ميدان القتال، بل هي انهيار لمشروع تاريخي حملته الإيديولوجيات القومية العربية منذ الخمسينيات. لقد كان المشروع القومي يعد الشعوب بالوحدة العربية والتحرر من الاستعمار والتقدم نحو الحداثة، لكن النتيجة جاءت عكسية: انقسام عربي، أنظمة استبدادية، واقتصاديات عاجزة، وجيوش منهكة. بهذا المعنى، لم تكن الهزيمة هزيمة أرض بقدر ما كانت هزيمة وعي وفكر، هزيمة لإيديولوجيا لم تتمكن من ترجمة وعودها إلى واقع ملموس.
ومن موقعه كأحد أبرز المفكرين القوميين اليساريين، حاول الحافظ أن يذهب أبعد من التفسيرات التقليدية التي سادت في تلك الفترة، والتي عزت الهزيمة إلى التفوق العسكري الإسرائيلي المدعوم غربيًا، أو إلى "المؤامرة الإمبريالية". فهو رأى أن الاقتصار على هذا التفسير تبسيط مخل، بل وهروب من مواجهة الذات. لذلك اتجه إلى تفكيك البنية العميقة للوعي العربي السائد، معتبرًا أن الإيديولوجيا القومية التي حكمت المرحلة لم تكن عقلانية ولا واقعية، وإنما شعاراتية ورومانسية تعيش على الحلم أكثر مما تبني على أسس صلبة.
بهذا الطرح، أراد الحافظ أن يُظهر أن الهزيمة ليست حادثًا ظرفيًا بل هي نتاج تراكم طويل من الأخطاء الفكرية والسياسية والتنظيمية داخل البنية العربية ذاتها. فقد غاب المشروع العقلاني النقدي القادر على تحويل الشعارات إلى خطط وبرامج عملية، وحل محله خطاب تعبوي موجه للجماهير يركز على الحماسة والعاطفة. لذا رأى الحافظ أن معالجة آثار الهزيمة لا يمكن أن تتم إلا عبر نقد جذري للإيديولوجيا المهزومة، والبحث عن بديل يقوم على التحديث والديمقراطية والعقلانية، بما يسمح بإعادة بناء الذات العربية على أسس جديدة.
الهزيمة كظاهرة حضارية لا عسكرية
يرى ياسين الحافظ أن ما حدث في حزيران/يونيو 1967 لا يمكن اختزاله في مجرد تفوق عسكري إسرائيلي مدعوم من الولايات المتحدة والغرب، فذلك تفسير سطحي لا يلامس جوهر الأزمة. الهزيمة بالنسبة له لم تكن هزيمة جيوش فحسب، بل كانت هزيمة مجتمع وحضارة بأكملها. إنها لحظة كاشفة كشفت مدى عمق التخلف التاريخي الذي يرزح تحته العالم العربي، والذي جعل الأنظمة عاجزة عن بناء دولة حديثة قادرة على إدارة الحرب أو حتى على مواجهة التحديات الداخلية. من هنا يذهب الحافظ إلى أن الهزيمة كانت مرآة قاسية وضعت العرب أمام حقيقتهم: أمة تعيش على أمجاد الماضي بينما تعجز عن مجاراة العصر علميًا، اقتصاديًا وسياسيًا.
ويؤكد الحافظ أن الفكر القومي العربي الذي ساد قبل الهزيمة كان جزءًا من المشكلة، إذ لم يستطع أن يتحول من خطاب تعبوي عاطفي إلى مشروع عقلاني تحديثي. لقد ظل أسير الشعارات الكبرى مثل "الوحدة" و"التحرير" دون أن يترجمها إلى مؤسسات سياسية ديمقراطية أو خطط تنموية واقعية. هذا الانفصام بين الحلم والواقع جعل المجتمعات العربية مكشوفة أمام لحظة المواجهة، فأظهر أن الإيديولوجيا السائدة لم تكن سوى بناء رمزي هش. ومن ثم، فإن الهزيمة لم تكن قدرًا محتومًا بقدر ما كانت نتيجة طبيعية لفشل طويل في التحديث والتأسيس الحضاري.
الإيديولوجية المهزومة
يعتبر ياسين الحافظ أن أحد أبرز أسباب الانكسار في حزيران/يونيو 1967 يكمن في طبيعة الإيديولوجيا السائدة آنذاك، أي القومية الناصرية والبعثية. فهذه التيارات رفعت شعارات كبرى ومغرية مثل "الوحدة العربية"، "الحرية"، و"الاشتراكية"، واستطاعت أن تعبئ الجماهير عاطفيًا وتمنحهم إحساسًا بالكرامة والانتماء. غير أن هذه الإيديولوجيا – بحسب الحافظ – كانت أقرب إلى خطاب وجداني شعاراتي منه إلى مشروع عقلاني متكامل، إذ اكتفت بإثارة الحماسة الشعبية من دون أن تترجم وعودها إلى بنى مؤسسية أو برامج واضحة قادرة على بناء دولة حديثة متماسكة.
من هنا يرى الحافظ أن القومية العربية كما طُرحت آنذاك كانت إيديولوجيا رومانسية تعيش على الرموز والكاريزما أكثر من اعتمادها على التخطيط والواقعية السياسية. فقد أهملت هذه الإيديولوجيا عناصر جوهرية مثل الديمقراطية، المشاركة السياسية، الاقتصاد الإنتاجي، والتنمية العلمية، ما جعلها عاجزة عن مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وبذلك تحولت إلى إيديولوجيا "مهزومة" قبل وقوع الهزيمة العسكرية ذاتها، لأنها لم تستطع أن توفر الأدوات والآليات الضرورية للنهوض الحضاري، مكتفية ببريق الشعارات التي سرعان ما تلاشت أمام أول اختبار حقيقي.
نقد الوعي القومي التقليدي
يرى ياسين الحافظ أن القومية العربية، كما تبلورت في الخمسينيات والستينيات، لم تستطع أن تتحول إلى عقل نقدي يراجع ذاته باستمرار أو إلى مشروع حداثة حقيقي يواكب روح العصر. فقد بقيت أسيرة لغة وجدانية وشعاراتية، تستمد قوتها من التعبئة الجماهيرية والاعتماد على الكاريزما الفردية للزعيم أكثر من استنادها إلى منظومة فكرية أو مؤسساتية صلبة. وبذلك، تحولت القومية إلى خطاب يثير العاطفة ويمس الوجدان، لكنه يفتقر إلى البعد العملي والعقلاني الذي يجعل منه مشروعًا تاريخيًا قادرًا على مواجهة التحديات.
ويشير الحافظ إلى أن هذا النمط من الوعي القومي التقليدي أغفل أهم ركائز التقدم: العلم، الديمقراطية، والتنظيم الحديث. فبدلًا من الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والبحث العلمي، أو في بناء دولة قانون ومؤسسات حديثة، انشغلت الأنظمة القومية بالخطابة السياسية وتقديس الزعيم، ما جعلها عاجزة عن التحول إلى قوة حضارية فعلية. هذه الثغرات الجوهرية هي التي جعلت المشروع القومي هشًّا، وسهل الانكسار عند مواجهة إسرائيل، لأن الخطاب الرومانسي لا يمكن أن يعوض غياب المأسسة، العقلانية، والديمقراطية.
الديمقراطية والتحديث السياسي
يرى ياسين الحافظ أن غياب الديمقراطية لم يكن مجرد ثغرة سياسية في التجربة القومية العربية، بل كان الخلل الجوهري الذي قاد إلى الهزيمة. فالأنظمة القومية التي نشأت بعد الاستقلال بنت شرعيتها على الشعبوية والتعبئة الجماهيرية من خلال الخطاب العاطفي والشعارات القومية الكبرى، لكنها في المقابل أقصت أي إمكانية لبناء حياة سياسية حرة أو لمشاركة حقيقية للمجتمع المدني. وبدل أن تكون الديمقراطية رافعة للمشروع القومي، تحولت الدولة إلى أداة بيد السلطة الحاكمة، تحتكر القرار وتصادر الحريات، ما جعلها عاجزة عن إنتاج الشرعية المستدامة وعن خلق التماسك الاجتماعي الضروري لمواجهة التحديات الكبرى.
ويؤكد الحافظ أن هذا الاستبداد لم يُضعف الداخل فقط، بل انعكس مباشرة على قدرة الدولة في إدارة الصراع مع إسرائيل. فغياب التعددية والمساءلة جعل مؤسسات الدولة هشة ومغلقة، غير قادرة على تطوير استراتيجيات عسكرية أو سياسية مرنة وفعّالة. كما أن إقصاء العقول النقدية والمعارضة حرم المشروع القومي من طاقات فكرية كان يمكن أن تسهم في تحديثه. لذلك، فإن الهزيمة لم تكن فقط نتيجة التفوق الإسرائيلي، بل أيضًا نتاجًا داخليًا لبنية سياسية مفصولة عن المجتمع، تفتقر إلى الشفافية، وتستند إلى الولاء الشخصي والكاريزما أكثر من اعتمادها على الكفاءة والمؤسسات.
دعوة إلى "عقلنة" الفكر القومي
يدعو ياسين الحافظ إلى ضرورة أن يخضع الوعي القومي العربي لعملية نقد ذاتي جذرية، بحيث يتجاوز مرحلة الشعارات والانفعالات إلى مستوى أكثر عقلانية وواقعية. فهو يرى أن القومية لا يمكن أن تبقى مجرد خطاب وجداني يستند إلى العاطفة والحماس الجماهيري، بل يجب أن تتحول إلى مشروع حداثي يستند إلى قيم العلم والعقل والتنظيم. ويشدد على أن أي مشروع قومي جديد ينبغي أن يرتبط بالحداثة بوصفها شرطًا أساسيًا للنهوض، لا أن يظل أسيرًا للخطابة الرومانسية التي أثبتت فشلها.
كما يطرح الحافظ أن القومية العربية لن يكون لها مستقبل إن لم تندمج مع الديمقراطية باعتبارها الضامن الوحيد لمشاركة الشعوب وتفعيل طاقاتها. فالقومية من دون حرية سياسية تتحول إلى استبداد جديد، ومن دون مؤسسات ديمقراطية تصبح عاجزة عن التكيف مع التحديات. إضافة إلى ذلك، يرى الحافظ أن الصراع مع إسرائيل يجب أن يُفهم في إطاره الأوسع: صراع حضاري يتطلب تحديثًا شاملًا للبنى الاقتصادية والعلمية والسياسية، لا مجرد سباق عسكري محدود. وبهذا المعنى، فإن عقلنة الفكر القومي تعني إعادة تأسيسه على أسس حضارية حديثة تجعل منه مشروعًا واقعيًا وقادرًا على الفعل التاريخي.
الأبعاد النقدية
يُعد كتاب الهزيمة والإيديولوجية المهزومة نصًا تأسيسيًا في النقد الفكري والسياسي العربي، لكن قيمته لا تقتصر على ما طرحه من رؤى، بل تمتد أيضًا إلى ما أثاره من جدل واسع حول طبيعة الهزيمة العربية ومصادرها. لقد قدم ياسين الحافظ مقاربة جريئة ومختلفة، غير أن قراءته لم تخلُ من إشكاليات ونقاط ضعف أثارت نقاشات مستمرة بين المفكرين والباحثين. ويمكن تلخيص أبرز الأبعاد النقدية للكتاب في أربع قضايا أساسية: ريادة الطرح، إشكالية "التغريب"، علاقة القومية بالديمقراطية، وأخيرًا مدى شمول تفسيره للهزيمة.
ريادة الطرح
من أهم ما يُحسب لياسين الحافظ أنه كان من أوائل المفكرين العرب الذين امتلكوا الشجاعة للقول إن الهزيمة لم تكن وليدة مؤامرة خارجية فقط، وإنما هي انعكاس مباشر لتخلف داخلي بنيوي. فقد رفض خطاب التبرير السائد بعد 1967، والذي كان يعلق المسؤولية على الدعم الغربي لإسرائيل أو على "خيانة" بعض الأنظمة. بالنسبة له، الهزيمة لم تكن قدرًا مفروضًا من الخارج، بل كانت مرآة صادقة لأزمة حضارية عميقة يعيشها العرب منذ قرون.
بهذا الطرح، أحدث الحافظ قطيعة فكرية مع الخطاب الشعبوي الذي كان يحاول تسكين الجماهير عبر التعلل بالمؤامرة. لقد فتح بابًا جديدًا أمام التفكير النقدي في الذات العربية، داعيًا إلى تجاوز عقلية "الضحية الدائمة" والانتقال نحو المساءلة الذاتية. غير أن هذه الريادة اصطدمت برفض واسع من قبل الأنظمة والنخب التقليدية، لأنها وضعت المسؤولية في الداخل، أي على النخب الحاكمة والإيديولوجيات القومية التي كانت تسيطر على المشهد.
إشكالية "التغريب"
على الرغم من أهمية دعوة الحافظ إلى التحديث والعقلنة، إلا أن بعض النقاد رأوا أنه بالغ في استدعاء النموذج الغربي كمقياس وحيد للتقدم. فقد بدا في كثير من نصوصه وكأنه يقيس التجربة العربية على أساس ما حققته أوروبا من ثورات علمية وصناعية وسياسية، متجاهلًا خصوصيات الواقع العربي وتباين سياقاته التاريخية. هذا الميل جعله عرضة لاتهامات بالوقوع في فخ المركزية الغربية، أي النظر إلى الغرب بوصفه معيارًا مطلقًا للحضارة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن استلهام الحافظ للحداثة الغربية كان بدافع البحث عن أدوات النهوض لا عن تقليد أعمى. لكنه في المقابل لم يقدم تصورًا كافيًا عن كيفية التوفيق بين متطلبات الحداثة وظروف الواقع العربي المليء بالتعقيدات الاجتماعية والسياسية والدينية. لذا ظل السؤال قائمًا: هل كان مشروع الحافظ تحديثيًا عربيًا مستقلًا، أم مجرد إعادة إنتاج لخطاب "التغريب" بوجه قومي؟
القومية والديمقراطية
يُحسب لياسين الحافظ أنه من أوائل من ربطوا بين المشروع القومي والديمقراطية، وهو ربط لم يكن مطروحًا بقوة في تلك المرحلة. فبينما كان معظم القوميين يرون في الديمقراطية "ترفًا غربيًا" أو تهديدًا للوحدة الوطنية، اعتبرها الحافظ شرطًا لا غنى عنه لنجاح أي مشروع قومي. كان يرى أن الديمقراطية هي الكفيلة بإشراك الشعوب في صناعة القرار وتحرير الطاقات الكامنة في المجتمع، بدلًا من اختزال القومية في خطاب الزعيم الواحد والسلطة المطلقة.
مع ذلك، يظل السؤال معلقًا حول مدى إمكانية التوفيق بين القومية والديمقراطية. فالقومية العربية، كما نشأت تاريخيًا، ارتبطت بأنظمة سلطوية اعتمدت على المركزية والشعبوية والإقصاء، وهو ما جعل التعايش مع الديمقراطية أمرًا إشكاليًا. لذلك يُطرح التساؤل: هل كان الحافظ يدعو إلى إعادة تأسيس مشروع قومي جديد يقوم على الحرية والحداثة، أم أنه كان يحاول إصلاح مشروع قديم ولد في رحم الاستبداد، وبالتالي محكوم بالفشل؟
تفسير شامل للهزيمة؟
رغم عمق تحليلات الحافظ الفكرية، يُؤخذ عليه أنه ركز بشكل كبير على البنية الإيديولوجية والثقافية للهزيمة، متجاهلًا إلى حد بعيد العوامل العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية. فالهزيمة لم تكن فقط نتاج خطاب شعاراتي أو وعي متخلف، بل أيضًا نتيجة لخلل استراتيجي في إدارة الحرب، وضعف في التسليح، واعتماد كبير على الاتحاد السوفيتي، فضلًا عن الانقسام العربي والتنافس بين الأنظمة.
إغفال هذه العوامل جعل تفسير الحافظ للهزيمة يبدو من زاوية ما أحادي الجانب، إذ حمّل الفكر القومي وحده المسؤولية، بينما الواقع كان أكثر تعقيدًا وتشابكًا. غير أن قيمة طرحه تكمن في أنه سلط الضوء على البعد الأعمق، أي الأزمة الحضارية والفكرية، حتى لو لم يكن هذا وحده كافيًا لفهم كل أبعاد النكسة. بهذا، يظل كتابه خطوة تأسيسية مهمة، تحتاج إلى استكمال برؤى متعددة الأبعاد تجمع بين الفكر والسياسة والعسكر والاقتصاد.
راهنية الكتاب
رغم مرور أكثر من نصف قرن على هزيمة 1967، يظلّ كتاب الحافظ حاضرًا في النقاشات الفكرية والسياسية العربية، لأنه يتناول قضايا لم تفقد أهميتها بعد. فالأزمة الجوهرية للفكر العربي، التي تتجلى في التردد بين الشعارات الحماسية من جهة، ومحاولات العقلنة والتحليل النقدي من جهة أخرى، ما زالت قائمة. لا يزال الخطاب العربي في كثير من جوانبه يستسهل رفع الشعارات الكبرى دون أن يؤسس لوعي نقدي قادر على تحويلها إلى مشاريع عملية قابلة للتنفيذ.
كما أن العلاقة بين القومية والديمقراطية ما زالت تعاني من مأزق عميق. فالمشروع القومي العربي، في معظم تجاربه، لم ينجح في بناء منظومة ديمقراطية راسخة تضمن التعددية والحرية والمشاركة الشعبية. وهنا يكمن أحد أسباب إخفاقه التاريخي، إذ إن القومية التي لا تدمج الديمقراطية في بنيتها تظل مشروعًا سلطويًا مهددًا بالانهيار. هذا المأزق ما زال قائمًا حتى اليوم في العديد من السياقات السياسية العربية.
أما في ما يتعلق بالصراع مع إسرائيل، فما زالت العقلية السائدة متأثرة بروح الهزيمة. كثير من الخطابات الرسمية والشعبية ما زالت تلجأ إلى تفسير الاحتلال الإسرائيلي أو حتى التدخلات الأجنبية المختلفة في المنطقة عبر شماعة "المؤامرة"، دون أن تترافق مع مراجعة نقدية عميقة للأسباب الذاتية التي أدت إلى هذا الضعف المستمر. منطق الهزيمة يتجلى في إعادة إنتاج الخطاب ذاته من غير تقديم حلول جذرية أو تجاوزات فكرية.
من هنا تأتي راهنية الكتاب: فهو لا ينتمي فقط إلى لحظة 1967، بل يتجاوزها إلى قراءة أزمة الوعي العربي في بنيتها العميقة. ومن خلال نقده الجذري، يقدم الحافظ إطارًا ما يزال صالحًا لفهم مأزق الفكر والسياسة في العالم العربي، وهو مأزق لم يُحل بعد، بل ربما تعمق مع التغيرات والتحولات التي عرفتها المنطقة منذ النكسة وحتى اليوم.
خاتمة
يمكن القول إن كتاب "الهزيمة والإيديولوجية المهزومة" يمثل أحد أهم النصوص الفكرية التي حولت هزيمة 1967 إلى فرصة للتفكير النقدي. لقد سعى ياسين الحافظ إلى نقل الفكر القومي من مرحلة الوجدان والشعارات إلى مرحلة العقل والحداثة. ورغم ما يمكن أن يؤخذ عليه من نزعة "تغريبية" أو إهمال بعض العوامل الواقعية، إلا أن قيمته الكبرى تكمن في كونه دعوة مبكرة إلى ممارسة النقد الذاتي الحضاري بدلًا من الغرق في التبرير والتعزية.
أدرك ياسين الحافظ أن هذه الهزيمة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية في ميدان القتال، بل هي انهيار لمشروع تاريخي حملته الإيديولوجيات القومية العربية منذ الخمسينيات. لقد كان المشروع القومي يعد الشعوب بالوحدة العربية والتحرر من الاستعمار والتقدم نحو الحداثة، لكن النتيجة جاءت عكسية: انقسام عربي، أنظمة استبدادية، واقتصاديات عاجزة، وجيوش منهكة. بهذا المعنى، لم تكن الهزيمة هزيمة أرض بقدر ما كانت هزيمة وعي وفكر، هزيمة لإيديولوجيا لم تتمكن من ترجمة وعودها إلى واقع ملموس.
ومن موقعه كأحد أبرز المفكرين القوميين اليساريين، حاول الحافظ أن يذهب أبعد من التفسيرات التقليدية التي سادت في تلك الفترة، والتي عزت الهزيمة إلى التفوق العسكري الإسرائيلي المدعوم غربيًا، أو إلى "المؤامرة الإمبريالية". فهو رأى أن الاقتصار على هذا التفسير تبسيط مخل، بل وهروب من مواجهة الذات. لذلك اتجه إلى تفكيك البنية العميقة للوعي العربي السائد، معتبرًا أن الإيديولوجيا القومية التي حكمت المرحلة لم تكن عقلانية ولا واقعية، وإنما شعاراتية ورومانسية تعيش على الحلم أكثر مما تبني على أسس صلبة.
بهذا الطرح، أراد الحافظ أن يُظهر أن الهزيمة ليست حادثًا ظرفيًا بل هي نتاج تراكم طويل من الأخطاء الفكرية والسياسية والتنظيمية داخل البنية العربية ذاتها. فقد غاب المشروع العقلاني النقدي القادر على تحويل الشعارات إلى خطط وبرامج عملية، وحل محله خطاب تعبوي موجه للجماهير يركز على الحماسة والعاطفة. لذا رأى الحافظ أن معالجة آثار الهزيمة لا يمكن أن تتم إلا عبر نقد جذري للإيديولوجيا المهزومة، والبحث عن بديل يقوم على التحديث والديمقراطية والعقلانية، بما يسمح بإعادة بناء الذات العربية على أسس جديدة.
الهزيمة كظاهرة حضارية لا عسكرية
يرى ياسين الحافظ أن ما حدث في حزيران/يونيو 1967 لا يمكن اختزاله في مجرد تفوق عسكري إسرائيلي مدعوم من الولايات المتحدة والغرب، فذلك تفسير سطحي لا يلامس جوهر الأزمة. الهزيمة بالنسبة له لم تكن هزيمة جيوش فحسب، بل كانت هزيمة مجتمع وحضارة بأكملها. إنها لحظة كاشفة كشفت مدى عمق التخلف التاريخي الذي يرزح تحته العالم العربي، والذي جعل الأنظمة عاجزة عن بناء دولة حديثة قادرة على إدارة الحرب أو حتى على مواجهة التحديات الداخلية. من هنا يذهب الحافظ إلى أن الهزيمة كانت مرآة قاسية وضعت العرب أمام حقيقتهم: أمة تعيش على أمجاد الماضي بينما تعجز عن مجاراة العصر علميًا، اقتصاديًا وسياسيًا.
ويؤكد الحافظ أن الفكر القومي العربي الذي ساد قبل الهزيمة كان جزءًا من المشكلة، إذ لم يستطع أن يتحول من خطاب تعبوي عاطفي إلى مشروع عقلاني تحديثي. لقد ظل أسير الشعارات الكبرى مثل "الوحدة" و"التحرير" دون أن يترجمها إلى مؤسسات سياسية ديمقراطية أو خطط تنموية واقعية. هذا الانفصام بين الحلم والواقع جعل المجتمعات العربية مكشوفة أمام لحظة المواجهة، فأظهر أن الإيديولوجيا السائدة لم تكن سوى بناء رمزي هش. ومن ثم، فإن الهزيمة لم تكن قدرًا محتومًا بقدر ما كانت نتيجة طبيعية لفشل طويل في التحديث والتأسيس الحضاري.
الإيديولوجية المهزومة
يعتبر ياسين الحافظ أن أحد أبرز أسباب الانكسار في حزيران/يونيو 1967 يكمن في طبيعة الإيديولوجيا السائدة آنذاك، أي القومية الناصرية والبعثية. فهذه التيارات رفعت شعارات كبرى ومغرية مثل "الوحدة العربية"، "الحرية"، و"الاشتراكية"، واستطاعت أن تعبئ الجماهير عاطفيًا وتمنحهم إحساسًا بالكرامة والانتماء. غير أن هذه الإيديولوجيا – بحسب الحافظ – كانت أقرب إلى خطاب وجداني شعاراتي منه إلى مشروع عقلاني متكامل، إذ اكتفت بإثارة الحماسة الشعبية من دون أن تترجم وعودها إلى بنى مؤسسية أو برامج واضحة قادرة على بناء دولة حديثة متماسكة.
من هنا يرى الحافظ أن القومية العربية كما طُرحت آنذاك كانت إيديولوجيا رومانسية تعيش على الرموز والكاريزما أكثر من اعتمادها على التخطيط والواقعية السياسية. فقد أهملت هذه الإيديولوجيا عناصر جوهرية مثل الديمقراطية، المشاركة السياسية، الاقتصاد الإنتاجي، والتنمية العلمية، ما جعلها عاجزة عن مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وبذلك تحولت إلى إيديولوجيا "مهزومة" قبل وقوع الهزيمة العسكرية ذاتها، لأنها لم تستطع أن توفر الأدوات والآليات الضرورية للنهوض الحضاري، مكتفية ببريق الشعارات التي سرعان ما تلاشت أمام أول اختبار حقيقي.
نقد الوعي القومي التقليدي
يرى ياسين الحافظ أن القومية العربية، كما تبلورت في الخمسينيات والستينيات، لم تستطع أن تتحول إلى عقل نقدي يراجع ذاته باستمرار أو إلى مشروع حداثة حقيقي يواكب روح العصر. فقد بقيت أسيرة لغة وجدانية وشعاراتية، تستمد قوتها من التعبئة الجماهيرية والاعتماد على الكاريزما الفردية للزعيم أكثر من استنادها إلى منظومة فكرية أو مؤسساتية صلبة. وبذلك، تحولت القومية إلى خطاب يثير العاطفة ويمس الوجدان، لكنه يفتقر إلى البعد العملي والعقلاني الذي يجعل منه مشروعًا تاريخيًا قادرًا على مواجهة التحديات.
ويشير الحافظ إلى أن هذا النمط من الوعي القومي التقليدي أغفل أهم ركائز التقدم: العلم، الديمقراطية، والتنظيم الحديث. فبدلًا من الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والبحث العلمي، أو في بناء دولة قانون ومؤسسات حديثة، انشغلت الأنظمة القومية بالخطابة السياسية وتقديس الزعيم، ما جعلها عاجزة عن التحول إلى قوة حضارية فعلية. هذه الثغرات الجوهرية هي التي جعلت المشروع القومي هشًّا، وسهل الانكسار عند مواجهة إسرائيل، لأن الخطاب الرومانسي لا يمكن أن يعوض غياب المأسسة، العقلانية، والديمقراطية.
الديمقراطية والتحديث السياسي
يرى ياسين الحافظ أن غياب الديمقراطية لم يكن مجرد ثغرة سياسية في التجربة القومية العربية، بل كان الخلل الجوهري الذي قاد إلى الهزيمة. فالأنظمة القومية التي نشأت بعد الاستقلال بنت شرعيتها على الشعبوية والتعبئة الجماهيرية من خلال الخطاب العاطفي والشعارات القومية الكبرى، لكنها في المقابل أقصت أي إمكانية لبناء حياة سياسية حرة أو لمشاركة حقيقية للمجتمع المدني. وبدل أن تكون الديمقراطية رافعة للمشروع القومي، تحولت الدولة إلى أداة بيد السلطة الحاكمة، تحتكر القرار وتصادر الحريات، ما جعلها عاجزة عن إنتاج الشرعية المستدامة وعن خلق التماسك الاجتماعي الضروري لمواجهة التحديات الكبرى.
ويؤكد الحافظ أن هذا الاستبداد لم يُضعف الداخل فقط، بل انعكس مباشرة على قدرة الدولة في إدارة الصراع مع إسرائيل. فغياب التعددية والمساءلة جعل مؤسسات الدولة هشة ومغلقة، غير قادرة على تطوير استراتيجيات عسكرية أو سياسية مرنة وفعّالة. كما أن إقصاء العقول النقدية والمعارضة حرم المشروع القومي من طاقات فكرية كان يمكن أن تسهم في تحديثه. لذلك، فإن الهزيمة لم تكن فقط نتيجة التفوق الإسرائيلي، بل أيضًا نتاجًا داخليًا لبنية سياسية مفصولة عن المجتمع، تفتقر إلى الشفافية، وتستند إلى الولاء الشخصي والكاريزما أكثر من اعتمادها على الكفاءة والمؤسسات.
دعوة إلى "عقلنة" الفكر القومي
يدعو ياسين الحافظ إلى ضرورة أن يخضع الوعي القومي العربي لعملية نقد ذاتي جذرية، بحيث يتجاوز مرحلة الشعارات والانفعالات إلى مستوى أكثر عقلانية وواقعية. فهو يرى أن القومية لا يمكن أن تبقى مجرد خطاب وجداني يستند إلى العاطفة والحماس الجماهيري، بل يجب أن تتحول إلى مشروع حداثي يستند إلى قيم العلم والعقل والتنظيم. ويشدد على أن أي مشروع قومي جديد ينبغي أن يرتبط بالحداثة بوصفها شرطًا أساسيًا للنهوض، لا أن يظل أسيرًا للخطابة الرومانسية التي أثبتت فشلها.
كما يطرح الحافظ أن القومية العربية لن يكون لها مستقبل إن لم تندمج مع الديمقراطية باعتبارها الضامن الوحيد لمشاركة الشعوب وتفعيل طاقاتها. فالقومية من دون حرية سياسية تتحول إلى استبداد جديد، ومن دون مؤسسات ديمقراطية تصبح عاجزة عن التكيف مع التحديات. إضافة إلى ذلك، يرى الحافظ أن الصراع مع إسرائيل يجب أن يُفهم في إطاره الأوسع: صراع حضاري يتطلب تحديثًا شاملًا للبنى الاقتصادية والعلمية والسياسية، لا مجرد سباق عسكري محدود. وبهذا المعنى، فإن عقلنة الفكر القومي تعني إعادة تأسيسه على أسس حضارية حديثة تجعل منه مشروعًا واقعيًا وقادرًا على الفعل التاريخي.
الأبعاد النقدية
يُعد كتاب الهزيمة والإيديولوجية المهزومة نصًا تأسيسيًا في النقد الفكري والسياسي العربي، لكن قيمته لا تقتصر على ما طرحه من رؤى، بل تمتد أيضًا إلى ما أثاره من جدل واسع حول طبيعة الهزيمة العربية ومصادرها. لقد قدم ياسين الحافظ مقاربة جريئة ومختلفة، غير أن قراءته لم تخلُ من إشكاليات ونقاط ضعف أثارت نقاشات مستمرة بين المفكرين والباحثين. ويمكن تلخيص أبرز الأبعاد النقدية للكتاب في أربع قضايا أساسية: ريادة الطرح، إشكالية "التغريب"، علاقة القومية بالديمقراطية، وأخيرًا مدى شمول تفسيره للهزيمة.
ريادة الطرح
من أهم ما يُحسب لياسين الحافظ أنه كان من أوائل المفكرين العرب الذين امتلكوا الشجاعة للقول إن الهزيمة لم تكن وليدة مؤامرة خارجية فقط، وإنما هي انعكاس مباشر لتخلف داخلي بنيوي. فقد رفض خطاب التبرير السائد بعد 1967، والذي كان يعلق المسؤولية على الدعم الغربي لإسرائيل أو على "خيانة" بعض الأنظمة. بالنسبة له، الهزيمة لم تكن قدرًا مفروضًا من الخارج، بل كانت مرآة صادقة لأزمة حضارية عميقة يعيشها العرب منذ قرون.
بهذا الطرح، أحدث الحافظ قطيعة فكرية مع الخطاب الشعبوي الذي كان يحاول تسكين الجماهير عبر التعلل بالمؤامرة. لقد فتح بابًا جديدًا أمام التفكير النقدي في الذات العربية، داعيًا إلى تجاوز عقلية "الضحية الدائمة" والانتقال نحو المساءلة الذاتية. غير أن هذه الريادة اصطدمت برفض واسع من قبل الأنظمة والنخب التقليدية، لأنها وضعت المسؤولية في الداخل، أي على النخب الحاكمة والإيديولوجيات القومية التي كانت تسيطر على المشهد.
إشكالية "التغريب"
على الرغم من أهمية دعوة الحافظ إلى التحديث والعقلنة، إلا أن بعض النقاد رأوا أنه بالغ في استدعاء النموذج الغربي كمقياس وحيد للتقدم. فقد بدا في كثير من نصوصه وكأنه يقيس التجربة العربية على أساس ما حققته أوروبا من ثورات علمية وصناعية وسياسية، متجاهلًا خصوصيات الواقع العربي وتباين سياقاته التاريخية. هذا الميل جعله عرضة لاتهامات بالوقوع في فخ المركزية الغربية، أي النظر إلى الغرب بوصفه معيارًا مطلقًا للحضارة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن استلهام الحافظ للحداثة الغربية كان بدافع البحث عن أدوات النهوض لا عن تقليد أعمى. لكنه في المقابل لم يقدم تصورًا كافيًا عن كيفية التوفيق بين متطلبات الحداثة وظروف الواقع العربي المليء بالتعقيدات الاجتماعية والسياسية والدينية. لذا ظل السؤال قائمًا: هل كان مشروع الحافظ تحديثيًا عربيًا مستقلًا، أم مجرد إعادة إنتاج لخطاب "التغريب" بوجه قومي؟
القومية والديمقراطية
يُحسب لياسين الحافظ أنه من أوائل من ربطوا بين المشروع القومي والديمقراطية، وهو ربط لم يكن مطروحًا بقوة في تلك المرحلة. فبينما كان معظم القوميين يرون في الديمقراطية "ترفًا غربيًا" أو تهديدًا للوحدة الوطنية، اعتبرها الحافظ شرطًا لا غنى عنه لنجاح أي مشروع قومي. كان يرى أن الديمقراطية هي الكفيلة بإشراك الشعوب في صناعة القرار وتحرير الطاقات الكامنة في المجتمع، بدلًا من اختزال القومية في خطاب الزعيم الواحد والسلطة المطلقة.
مع ذلك، يظل السؤال معلقًا حول مدى إمكانية التوفيق بين القومية والديمقراطية. فالقومية العربية، كما نشأت تاريخيًا، ارتبطت بأنظمة سلطوية اعتمدت على المركزية والشعبوية والإقصاء، وهو ما جعل التعايش مع الديمقراطية أمرًا إشكاليًا. لذلك يُطرح التساؤل: هل كان الحافظ يدعو إلى إعادة تأسيس مشروع قومي جديد يقوم على الحرية والحداثة، أم أنه كان يحاول إصلاح مشروع قديم ولد في رحم الاستبداد، وبالتالي محكوم بالفشل؟
تفسير شامل للهزيمة؟
رغم عمق تحليلات الحافظ الفكرية، يُؤخذ عليه أنه ركز بشكل كبير على البنية الإيديولوجية والثقافية للهزيمة، متجاهلًا إلى حد بعيد العوامل العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية. فالهزيمة لم تكن فقط نتاج خطاب شعاراتي أو وعي متخلف، بل أيضًا نتيجة لخلل استراتيجي في إدارة الحرب، وضعف في التسليح، واعتماد كبير على الاتحاد السوفيتي، فضلًا عن الانقسام العربي والتنافس بين الأنظمة.
إغفال هذه العوامل جعل تفسير الحافظ للهزيمة يبدو من زاوية ما أحادي الجانب، إذ حمّل الفكر القومي وحده المسؤولية، بينما الواقع كان أكثر تعقيدًا وتشابكًا. غير أن قيمة طرحه تكمن في أنه سلط الضوء على البعد الأعمق، أي الأزمة الحضارية والفكرية، حتى لو لم يكن هذا وحده كافيًا لفهم كل أبعاد النكسة. بهذا، يظل كتابه خطوة تأسيسية مهمة، تحتاج إلى استكمال برؤى متعددة الأبعاد تجمع بين الفكر والسياسة والعسكر والاقتصاد.
راهنية الكتاب
رغم مرور أكثر من نصف قرن على هزيمة 1967، يظلّ كتاب الحافظ حاضرًا في النقاشات الفكرية والسياسية العربية، لأنه يتناول قضايا لم تفقد أهميتها بعد. فالأزمة الجوهرية للفكر العربي، التي تتجلى في التردد بين الشعارات الحماسية من جهة، ومحاولات العقلنة والتحليل النقدي من جهة أخرى، ما زالت قائمة. لا يزال الخطاب العربي في كثير من جوانبه يستسهل رفع الشعارات الكبرى دون أن يؤسس لوعي نقدي قادر على تحويلها إلى مشاريع عملية قابلة للتنفيذ.
كما أن العلاقة بين القومية والديمقراطية ما زالت تعاني من مأزق عميق. فالمشروع القومي العربي، في معظم تجاربه، لم ينجح في بناء منظومة ديمقراطية راسخة تضمن التعددية والحرية والمشاركة الشعبية. وهنا يكمن أحد أسباب إخفاقه التاريخي، إذ إن القومية التي لا تدمج الديمقراطية في بنيتها تظل مشروعًا سلطويًا مهددًا بالانهيار. هذا المأزق ما زال قائمًا حتى اليوم في العديد من السياقات السياسية العربية.
أما في ما يتعلق بالصراع مع إسرائيل، فما زالت العقلية السائدة متأثرة بروح الهزيمة. كثير من الخطابات الرسمية والشعبية ما زالت تلجأ إلى تفسير الاحتلال الإسرائيلي أو حتى التدخلات الأجنبية المختلفة في المنطقة عبر شماعة "المؤامرة"، دون أن تترافق مع مراجعة نقدية عميقة للأسباب الذاتية التي أدت إلى هذا الضعف المستمر. منطق الهزيمة يتجلى في إعادة إنتاج الخطاب ذاته من غير تقديم حلول جذرية أو تجاوزات فكرية.
من هنا تأتي راهنية الكتاب: فهو لا ينتمي فقط إلى لحظة 1967، بل يتجاوزها إلى قراءة أزمة الوعي العربي في بنيتها العميقة. ومن خلال نقده الجذري، يقدم الحافظ إطارًا ما يزال صالحًا لفهم مأزق الفكر والسياسة في العالم العربي، وهو مأزق لم يُحل بعد، بل ربما تعمق مع التغيرات والتحولات التي عرفتها المنطقة منذ النكسة وحتى اليوم.
خاتمة
يمكن القول إن كتاب "الهزيمة والإيديولوجية المهزومة" يمثل أحد أهم النصوص الفكرية التي حولت هزيمة 1967 إلى فرصة للتفكير النقدي. لقد سعى ياسين الحافظ إلى نقل الفكر القومي من مرحلة الوجدان والشعارات إلى مرحلة العقل والحداثة. ورغم ما يمكن أن يؤخذ عليه من نزعة "تغريبية" أو إهمال بعض العوامل الواقعية، إلا أن قيمته الكبرى تكمن في كونه دعوة مبكرة إلى ممارسة النقد الذاتي الحضاري بدلًا من الغرق في التبرير والتعزية.