خالد عطية - من استعمار الرجل الأبيض إلى إبادة فلسطين: تفكيك جوهر الصراع

إن محاولة حصر القضية الفلسطينية في مربع “نزاع سياسي” أو “مشكلة حدودية” هي في جوهرها إعادة إنتاج للخطاب الاستعماري الذي طالما سعى إلى تبسيط جرائمه وجعلها تبدو وكأنها صراعات محلية. لكن قراءة أعمق تكشف أن ما يجري في فلسطين لا ينفصل عن السياق التاريخي الأوسع: إنه الامتداد الأخير والمكشوف لمنظومة استعمارية وُلدت مع التوسع الأوروبي الاستيطاني، وتغذت على الغطرسة العنصرية التي صاغها ما يُسمى “الرجل الأبيض”.
حين ننظر إلى تجارب الشعوب الأصلية في أميركا الشمالية، نجد ذات المنطق الذي نراه اليوم في فلسطين: وصف السكان الأصليين بأنهم “بدائيون” أو “غير متحضرين”، وتجريدهم من إنسانيتهم، لتبرير الاستيلاء على الأرض وإحلال المستوطن مكانهم. وفي أستراليا، حيث جرى اعتبار السكان الأصليين “شبه بشر”، تكررت مأساة الإقصاء والطمس الثقافي، تماماً كما يُراد للفلسطيني أن يُمحى أو يُختزل إلى مجرد “مشكلة إنسانية”.
تجربة الجزائر في القرن العشرين تقدم نموذجاً صارخاً آخر. ففرنسا لم ترَ الجزائر بلداً مستقلاً، بل امتداداً جغرافياً لها. لذلك كان الاستعمار الفرنسي هناك استيطانياً بامتياز، هدفه إحلال جماعة مكان أخرى. وما يجري في فلسطين اليوم يعكس المبدأ ذاته: لا اعتراف بشعب موجود، بل رواية تزعم أن الأرض وُلدت فارغة وأن المستوطن الصهيوني جاء ليُعمّرها.
أما جنوب إفريقيا، فكانت المثال الأوضح على كيف يمكن للعالم أن يعترف متأخراً بفظاعة منظومة كاملة من العنصرية والاستيطان. نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) لم ينهَر إلا حين جرى فضحه أخلاقياً، وإدراك أنه ليس مجرد “خلاف داخلي”، بل جزء من منظومة استعمارية عالمية قائمة على التمييز العنصري. وهذا الدرس لا يزال حاضراً: إن كسر الرواية الصهيونية يتطلب تعريتها باعتبارها شكلاً من أشكال الأبارتهايد الحديث، بل أبشع منه، لأنها تحمل بداخلها نزعة الإبادة والاقتلاع الكامل.
اليوم، ومع حرب الإبادة المستمرة في غزة، يصبح هذا الربط ضرورة سياسية وأخلاقية. فالصور التي تتوالى يومياً: أطفال جائعون، مستشفيات مدمرة، وصحفيون يُغتالون لأنهم يوثقون الحقيقة، ليست مشاهد حرب تقليدية، بل تجليات لنفس المنطق الاستعماري الذي لا يرى في الفلسطيني إلا عائقاً ينبغي إزالته. إنها نسخة حديثة من الحروب الاستعمارية التي سعت لإبادة السكان الأصليين أو تحويلهم إلى قوة عمل رخيصة بلا حقوق.
المجتمع الدولي الرسمي، المنحاز بشكل فجّ لإسرائيل، يعيد إنتاج دور القوى الاستعمارية السابقة التي كانت تمنح الغطاء “القانوني” للاحتلال ونهب الشعوب. لكن الشعوب اليوم ليست كما كانت بالأمس: وسائل التواصل، الإعلام الشعبي، وحركة التضامن العالمية الواسعة جعلت الرواية الاستعمارية تتهاوى أمام صور الواقع الحي. ومع ذلك، فإن المعركة لم تُحسم بعد. فالغرب يحاول، بكل قوته، أن يفرض على العالم قراءة واحدة: أن ما يجري في فلسطين “صراع أمني”، بينما الحقيقة أنه صراع تحرر وطني ضد استعمار استيطاني عنصري.
إن جوهر ما يترتب على هذا التحليل أن الفلسطينيين، ومعهم القوى الحرة في العالم، ينبغي أن يشتغلوا على مستوى الخطاب العالمي، لكسر احتكار إسرائيل ورعاتها للرواية. فكما لم يعد بالإمكان الدفاع عن الأبارتهايد في جنوب إفريقيا بعد أن تَكشّف حقيقته، كذلك يمكن للقضية الفلسطينية أن تتحول إلى رمز كوني للتحرر، إذا جرى تقديمها بوصفها آخر معركة ضد الاستعمار الأبيض الاستيطاني.
إن إبراز هذه الحقيقة لا يختصر الطريق فحسب، بل ينقل الصراع إلى بعد أخلاقي وإنساني كوني. وعندها، لن تكون فلسطين مجرد قضية محلية أو إقليمية، بل قضية تحرير عالمي، تشبه في رمزيتها سقوط نظام الأبارتهايد أو استقلال الجزائر. وفي ذلك يكمن الأمل: أن تتحول مأساة غزة والضفة إلى مرآة يرى فيها العالم بأسره أن ما يواجهه الفلسطينيون اليوم هو معركة الجميع ضد الغطرسة والعنصرية والإبادة.
إن الرهان المستقبلي للقضية الفلسطينية يتوقف على قدرة الفلسطينيين والنخب المتضامنة عالمياً على إعادة صياغة الخطاب من جديد. فبدلاً من الانجرار وراء الرواية الإسرائيلية التي تحصر الصراع في “أمن” و”إرهاب”، يجب طرحه في صورته الجوهرية: استعمار استيطاني عنصري يهدد ليس فقط الفلسطينيين، بل منظومة العدالة الإنسانية جمعاء.
هذه الصياغة لا تخدم البعد الأخلاقي وحده، بل تؤسس لشرعية سياسية وقانونية على المستوى الدولي، شبيهة بما حدث في جنوب إفريقيا حين أصبح “الأبارتهايد” جريمة ضد الإنسانية، وهو ما مكّن حركات التحرر هناك من استقطاب تضامن واسع، ومن فرض عزلة سياسية واقتصادية خانقة على النظام العنصري حتى انهار.
بناءً على ذلك، فإن التحالفات الاستراتيجية التي يجب أن يسعى إليها الفلسطينيون لا تقتصر على الحكومات، بل تشمل الشعوب، النقابات، الجامعات، حركات العدالة العرقية والنسوية، والمجتمعات الأصلية في العالم التي عانت من الاستعمار. فهذا الربط يخلق “شبكة مقاومة” عالمية، ترى في فلسطين مرآة لقضاياها وتعتبرها جبهة متقدمة في معركة التحرر الإنساني.
أما على المستوى السياسي، فإن هذه الرؤية تفرض على الدبلوماسية الفلسطينية أن تتحرر من منطق “التسويات المؤقتة” أو المفاوضات الشكلية، وتتجه نحو خطاب حقوقي إنساني عالمي، يضع إسرائيل في موقع “الدولة الاستعمارية الخارجة عن القانون”. ومع تعاظم عزلة إسرائيل الشعبية عالمياً، سيصبح استمرار دعمها مكلفاً سياسياً وأخلاقياً للغرب، كما حدث سابقاً مع جنوب إفريقيا.
في المحصلة، إن تحويل فلسطين إلى رمز كوني للتحرر من الاستعمار والعنصرية هو المسار الأقصر لتفكيك شرعية المشروع الصهيوني. فالإبادة الجارية في غزة ليست سوى محاولة يائسة لفرض الصمت على هذه الحقيقة. غير أن التاريخ يثبت أن الشعوب قد تُهزم مؤقتاً بالسلاح، لكنها تنتصر في النهاية حين ينجح خطابها في كسب العالم إلى صفها. فلسطين، إذاً، ليست مجرد أرض محتلة، بل آخر فصل في كتاب الاستعمار الأبيض، وإذا جرى كشف هذا الكتاب للعالم بوضوح، فإن نهايته ستكون مسألة وقت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...