يحيى بركات - الغائب الحاضر في مشهد ما بعد غزة

في واشنطن، حيث تُصنع القرارات الكبرى، انعقد اجتماع في البيت الأبيض لمناقشة مستقبل غزة. الكاميرا كانت تلتقط وجوهًا مألوفة: جاريد كوشنر، صهر رئيس أمريكي سابق عاد ليطلّ كأنه لم يغادر المسرح، وإلى جانبه توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، رجل الظلال الذي لم يعرف التقاعد يومًا. بلير الذي خرج من الباب الأممي منذ سنوات عاد من النافذة الإماراتية، يحمل ملفًا يربط لندن بواشنطن بتل أبيب بأبوظبي، كأن المنطقة ليست سوى رقعة شطرنج وهو أحد لاعبيها المخضرمين.
وجود بلير لم يكن تفصيلاً، فهو المستشار المفضّل لأبوظبي، والرجل الذي قيل إنه ساهم في هندسة اتفاقات التطبيع، ثم وجد طريقه إلى ملفات غزة. معه تظهر أوراق جديدة: جناح فلسطيني بديل يقوده محمد دحلان من منفاه الإماراتي، يُرسل ممثلين إلى القاهرة بينما يغيب "العنوان الرسمي". هنا تكتمل الصورة: أموال خليجية، مستشار بريطاني، مفاوضات أمريكية، وصفقات تُصاغ على الورق بينما الركام في غزة لم يبرد بعد.
وحين نقرأ المشهد بتمعن، نجد أن حماس حاضرة بغيابها، مطاردة من جهة، ومفاوض عليها من جهة أخرى، كأنها ورقة لا يمكن تجاهلها مهما اشتدت الحرب. ومن خلف الستار، القاهرة والدوحة وأبوظبي تتناوب على لعب أدوار الوسيط، بينما تل أبيب تراقب وتنتظر أن يضمن كل هذا أمنها أولًا.
أما الغياب الأشد وقعًا فهو غياب من يفترض أنه المرجع الشرعي. غياب لم يعد استثناءً بل صار قاعدة: غياب عن اجتماعات القاهرة، غياب عن البيت الأبيض، غياب عن صناعة الغد. حضور لا يتجاوز التصريحات والبيانات، بينما الطاولة الفعلية تُدار بلا كرسي لهم.
المشهد أشبه بفيلم سياسي معقد:
أمريكا المخرج الأول، تمسك بالخيوط وتوزع الأدوار.
بريطانيا تعود عبر بلير، لتقول إن نفوذها لم يندثر.
إسرائيل تجلس في غرفة المونتاج، تراقب وتضمن أن السيناريو النهائي يخدم أمنها.
الإمارات تموّل وتضغط وتفتح مسارات بديلة عبر رجالها ومستشاريها.
وفي الخلفية، أصوات غائبة: فرنسا بلا أثر، السعودية غارقة في مشاريعها الداخلية، وقطر تظهر بحجم أصغر مما اعتدناه من حضورها الإعلامي والدبلوماسي.
الخطر ليس في غياب طرف بعينه، بل في أن يتحوّل الغياب إلى وظيفة دائمة: وظيفة "الحاضر الغائب"، الذي يُستدعى فقط لتجميل الصورة أو لتوقيع أوراق لم يشارك في صياغتها. وبينما يجلس اللاعبون الكبار في قاعات مضاءة جيدًا، يبقى الشعب الفلسطيني وحده تحت ضوء القصف والحرائق، يدفع ثمن صفقات لا تُعقد باسمه، بل على حسابه.
إن ما يُرسم لغزة اليوم أخطر من حربٍ عسكرية؛ إنه محاولة لإعادة تشكيلها سياسيًا واقتصاديًا وفق معادلات الخارج. مستشار بريطاني يخطط، أموال نفطية تُضخ، جناح فلسطيني منفي يُستحضر، وإسرائيل تمسك بخيط النهاية. أما الصوت الحقيقي، صوت الشعب، فيُقصى مرة أخرى خارج الكادر.
لكن الكاميرا الحقيقية لا تكذب. كاميرا الشعب التي التقطت كل دمعة وركام وصرخة، ستظل شاهدة. والتاريخ لن يرحم من غاب أو من ارتضى بدور المتفرج. هذه ليست مشاهد عابرة، بل لقطات ستبقى محفورة في ذاكرة الأمة: من يحاول أن يبيع غزة في سوق الصفقات الدولية، سيجد نفسه في النهاية مدانًا أمام عدسة الحقيقة.

يحيى بركات – مخرج وكاتب سينمائي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...