شريف محيي الدين إبراهيم - نحن جيل حاربنا أساتذتنا... اللي يدفع يعدي مع الاعتذار لمحمد حافظ رجب

أنا لا أكتب بلسان جيل غائب، بل بلساني أنا. لأن أغلب زملائي من الأدباء – إلا القليل – ما زالوا يخشون عقوبات الأساتذة، أو يخافون على الفتات الملقى لهم من موائد المؤسسات.
أما أنا، فاخترت أن أقولها بوضوح: نحن جيل حاربنا أساتذتنا، واللي يدفع يعدي.

حرب لم نخترها

حين قال الكاتب الكبير محمد حافظ رجب إنهم جيل بلا أساتذة، قلبت الدنيا على رأسها، ولم يكن يعلم أنه سيأتي يوم أسوأ وألعن حين يتحول الأساتذة إلى أعداء حقيقيين.

لم نختر الحرب، بل فُرضت علينا. وجدنا أساتذة لم يعودوا أساتذة، بل حُرّاس أبواب. لم يمدوا أيديهم ليأخذوا بأيدينا، بل وقفوا يصدوننا. الطيبة والأصالة التي حسبناها فيهم صارت وهمًا. قمم كنا نراها من بعيد، فإذا بها تهتز أمام وجودنا، وتخاف من أصواتنا.
ولم تكن الحرب مع أشخاص بعينهم، بل مع منظومة كاملة صارت فيها الأستاذية سلطة لا إبداع، وقيدًا لا حرية.

حال الثقافة... رثّ

الثقافة في بلادي صارت رثة.
تحولت إلى خناقة على رغيف خبز مرسوم على الحيط.
لا خبز حقيقي، بل أوهام موزعة، وفتات يتقاتل عليه الصغار، بينما الكبار يحتكرون النصيب الأوفر.
النشر صار سوقًا، الجوائز صارت بورصة، وكل شيء يُشترى ويُباع.
المؤسسات الثقافية التي كان يُفترض أن تحتضننا، تحولت إلى جدران طاردة، لا يدخلها إلا من يملك مفاتيح الولاء.

اللي يدفع يعدي

القاعدة الذهبية صارت واضحة: اللي يدفع يعدي.
يدفع مالًا، أو ولاءً، أو تصفيقًا للأستاذ الكبير.
أما من لم يملك إلا موهبته وصدقه، فعليه أن يدفع الثمن: بالعرق، بالخذلان، بالتهميش.
والصمت صار مهنة، والحياد بطاقة مرور، ومن لا يصمت يُعاقَب بالعزلة والنسيان.

عمالقة منسيون

أقولها شهادة للتاريخ: لو أن الحق أُعطي لأصحابه، لكان المشهد الأدبي العربي غير ما هو عليه.

الكاتب الراحل عبد الفتاح مرسي: أخي وصديق عمري، كاتب عظيم، شلال الحكايات، لم يأخذ حقه.

محمد محمود الفخراني: قاص قدير، صاحب خيال لا حدود له.

أحمد مبارك: الشاعر الراحل كان عملاقًا بكل ما تحمله الكلمة.

الشاعر الراحل أحمد فراج: شاعر قدير ظلمته الدنيا كلها.

محمود عبد الصمد زكريا: شاعر كبير، صاحب موهبة نادرة لم يُنصف.

جابر بسيوني: كاتب وشاعر قدير، من الأصوات التي كان يجب أن تتصدر المشهد العربي.

ضياء طمان: شاعر وكاتب قدير.

سمير حكيم، منير عتيبة، محمد عطية…


وغيرهم كثيرون… لو أخذوا حقهم، لكانوا في مقدمة المشهد العربي ،بدل أن يُترَكوا في الظل يتقاتلون على فتات لا يسد رمقًا.

الكلمة سلاحنا

الكتابة لم تكن ورقًا وحبرًا، بل كانت سلاحنا الوحيد.
كل قصة كانت معركة، كل قصيدة كانت صرخة، وكل كتاب كان طلقة في جدار الصمت.

المهازل

أما عن المهازل، فحدث ولا حرج.
هل أحكي لكم عن الناقد الذي يبيع مقالته مقابل كوب شاي وسندوتش فول؟
أم عن مدير ندوة يرفع من شأن من يهديه حذاءً أو يقدّم له "عزومة" في مطعم شعبي؟
أم عن دور نشر تتحول إلى عصابات منظمة: تنهب الكاتب ماليًا، وإذا كان فقيرًا يُرمى خارج الباب وربما ضُرب بالأحذية؟

أما المجلات الثقافية، فالنشر فيها قصة أخرى من الفساد الصغير.
محرر يطلب نصك لا ليقرأه، بل ليضعه في درج ينتظر "المجاملة" أو "الواسطة".
مقالات تقبل لأن صاحبها حضر "جلسة قهوة"، ونصوص تُرفض لأنها جاءت من كاتب لا يعرف الطريق إلى مكتب رئيس التحرير.
في بعض الأحيان، يكفي أن تكون صديقًا لابن فلان أو قريبًا من علان، فتُفتح لك الصفحات كأنها جنة عدن.
أما من جاء بموهبة حقيقية، فيظل ينتظر على الأبواب حتى يشيخ.

وتخيلوا أن تُحذف لي مقالة كبيرة في مجلة عريقة، لا لضعفها، بل لأن رئيس التحرير زار الإسكندرية وركب معي سيارتي، ثم قال بجدية عجيبة: "المبدع الحقيقي لا يمتلك سيارة!"
وكأن الإبداع يقاس ببطاقة التموين، أو يُختبر في زجاجة زيت مستعملة.
من يومها عرفت أن بعض النقاد لا يرون الموهبة، بل يرون حذاءك أو عربتك أو جيبك.

وأما عن المسرح، فأنا نفسي عرض عليَّ تنفيذ عمل مسرحي كبير من إحدى مسرحياتي – والتي أشاد بها النقاد حتى شبّهوها بأعمال شكسبير نفسه – ولكن كان لزاما على أن "أتولّى" المسئول بالكامل: من شربه إلى خموره، ومن سهره إلى نزواته.
كأن المسرح لم يعد خشبة تُقدَّم عليها القيم، بل مائدة تُدار حولها الرشاوى والمصالح والابتذال.
ومن هنا أجيبكم لماذا توقفت عن كتابة المسرح: لأنني رفضت أن أتحول إلى ساقٍ أو تابع، ولأنني لم أر المسرح إلا فنًا، لا خمارة.

الكلمة الأخيرة

أقولها بوضوح: نحن جيل حاربنا أستاذتنا.
حربٌ لم نخترها، لكنها فُرضت علينا.
ثقافة رثة، وأساتذة فقدوا الطيبة والأصالة، وزملاء يلوذون بالصمت خوفًا من العقاب.
لكننا – رغم كل ذلك – كتبنا. قاومنا. رفعنا أصواتنا.

والتاريخ قد ينصفنا أو لا ينصفنا، لكن الكلمة التي كتبناها لن تُمحى.
الكلمة أقوى من جدار الأستاذ، وأبقى من موائد الفتات.

كلمة الختام... السيارة ليست تهمة

ولأزيدكم من الشعر بيتًا: المبدع الحقيقي لا يُقاس بما يركب، ولا بما يلبس، ولا بما يملك في جيبه.
الإبداع لا علاقة له بسيارة قديمة أو جديدة، ولا بزجاجة زيت أو بطاقة تموين.

لكن في بلادي، صارت السيارة تهمة، والكرامة جريمة، والموهبة ذنبًا لا يُغتفر.
يريدون المبدع جائعًا، متسولًا، يطرق أبوابهم ليل نهار، ويجلس في الصفوف الخلفية يشكر ويصفق كي ينال الرضا.
أما من امتلك استقلاله، أو احتفظ بكرامته، أو ركب سيارة حتى لو مستعملة، فهو في نظرهم خرج من "جنة الإبداع".

وأنا أقولها بضحكة ساخرة:
لو كانت السيارة تُسقط الإبداع، فشكسبير كان يجب أن يكتب مسرحياته على ظهر حصان جائع!
ولو كان الجوع شرطًا للموهبة، لما بقي مبدع واحد بعد أول رغيف خبز.

الإبداع لا يسكن الجيوب، بل يسكن القلوب والعقول.
ولن تسقط كلمة كتبناها، مهما قالوا: "المبدع الحقيقي لا يمتلك سيارة".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...