يحتل مفهوم الأكثرية والأقلية مكانة بارزة في الخطاب القرآني، لكنه ليس مفهومًا عدديًا محايدًا، بل هو شبكة من الدلالات الأخلاقية والسلوكية التي تعكس رؤية متكاملة للمجتمع والإنسان. فالقرآن لا يكتفي بالإشارة إلى عدد الأشخاص، بل يربط الكمّ بالقيمة، فيضفي بعدًا تربويًا ونقديًا على فهم الواقع الاجتماعي والديني.
التحليل اللساني لعبارات مثل "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" و"كَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ" يتيح الكشف عن البنية التداولية للنص، أي كيف ينتقل المعنى من مجرد وصف إحصائي إلى رسالة تحذيرية وتعليمية. هذه الدراسة تساعد على فهم دور اللغة في توجيه الفكر والسلوك، وهو جانب أساسي من منهج القرآن في التربية والإرشاد.
تُظهر دراسة النصوص القرآنية أن الأكثرية لا تعني بالضرورة الهداية أو الحق، بينما الأقلية قد تكون حاملًا للخير والإيمان. هذه المفارقة تُبرز قدرة القرآن على قلب المعادلات السوسيولوجية السائدة في الثقافة البشرية، وتحويل التركيز من العدد إلى الجودة والقيمة الأخلاقية.
يهدف هذا التحليل إلى تقديم رؤية معمقة لدور أكثرية وأقلية الأفراد في النص القرآني، من خلال فحص التوزيع النصي، البنية اللسانية، التداولية، والدلالة التربوية والفكرية للعبارات القرآنية ذات الصلة. كما يسعى إلى إبراز الطريقة التي يستخدم بها القرآن اللغة لتوجيه وعي الإنسان بعيدًا عن الانبهار بالعدد.
أولًا: التوزيع النصي لعبارة "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ"
في سورة المائدة يقول الله تعالى: "وَمِنْهُم أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ" (66). يظهر هنا تقسيم دقيق داخل جماعة أهل الكتاب: فهناك قلة وُصفت بالاعتدال والاقتصاد، أي الاستقامة في السلوك والتمسك بجوهر الرسالة، بينما الكثرة الغالبة نُسب إليها فساد العمل. هذا التباين بين الأقلية المعتدلة والأكثرية المنحرفة يعكس خطابًا قرآنيًا لا يكتفي بالتعميم، بل يُميز بين الفئات داخل الجماعة نفسها.
أما في سورة الحديد، فيرد النص: "فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ" (16). وهنا تتجلى صورة أخرى للكثرة، حيث ارتبطت بالفسق الناتج عن القسوة الروحية والابتعاد عن نور الوحي. إن التركيب القرآني يحمّل الكثرة دلالة سلبية مرتبطة بالانحراف عن منهج الله، مما يُظهر أن التفوق العددي لا يقترن بالضرورة بالهداية أو الصلاح.
وفي سورة الحج يأتي السياق أوسع: "وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ" (18). فالمجال هنا ليس أهل الكتاب فقط، بل عموم الناس. ويُبرز النص مفارقة عميقة: الكثرة من البشر تسجد لله خضوعًا أو فطرة، ولكن في المقابل هناك كثرة أخرى استحقت العذاب بسبب العناد أو الكفر. وهنا نلمس أن الكثرة ليست كتلة واحدة متجانسة، بل تتوزع بين طاعة وعصيان.
من خلال هذه المواضع الثلاثة يتضح أن عبارة "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" ليست محايدة، بل هي تعبير مُثقل بالدلالات النقدية. فالكثرة ارتبطت غالبًا بسوء العمل، القسوة، والفسق. وهذا يتعارض مع التصور الاجتماعي المألوف الذي يربط الغلبة العددية بالقوة أو بالصواب. في الخطاب القرآني، الغلبة العددية كثيرًا ما تترافق مع الانحراف عن الحق.
إلى جانب الكثرة السلبية، يشير النص القرآني إلى وجود أقلية إيجابية: "أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ" في سورة المائدة. هذه الأقلية هي التي حافظت على قيم الهداية وسط غلبة الانحراف. وهنا نلمح أسلوب القرآن في كسر التعميمات، فلا يُدين الجماعة كلها، بل يُقرّ بوجود نواة صالحة وإن كانت صغيرة، ما يعزز فكرة أن الحق لا يقاس بالعدد.
إذن، حين يستخدم القرآن تعبير "كثير منهم" أو "كثير من الناس"، فإنه يوجّه نقدًا مباشرًا إلى العقلية البشرية التي تستند إلى معيار الكثرة في تقدير الصواب والخطأ. فالأكثرية قد تكون موضع انحراف، بينما الأقلية هي التي تحمل مشعل الهداية. هذه المفارقة اللسانية والدلالية تضع القارئ أمام قاعدة أساسية: أن معيار الحق في القرآن ليس الكمّ، بل القيمة الأخلاقية والإيمانية.
ثانيًا: البنية اللسانية للتركيب
يأتي لفظ "كَثِيرٌ" في القرآن باعتباره مؤشرًا كميًا يدل على الغلبة العددية، لكنه لا يتوقف عند هذا البعد الإحصائي البارد، بل يتجاوزه إلى أفق تقييمي. فالكثرة قد تُوصف في السياق القرآني بالفسق أو القسوة أو سوء العمل، مما يكشف أن "كَثِيرٌ" هنا ليست وصفًا محايدًا، وإنما هي جزء من خطاب نقدي يرسم صورة سوسيولوجية للمجتمع، حيث الغلبة العددية لا تعني الصلاح، بل قد تكون أحيانًا قرينة الانحراف.
إضافة "مِنْهُم" أو "مِنَ النَّاسِ" بعد "كَثِيرٌ" تحمل دلالة مهمة؛ فحرف الجر "مِن" يفيد التبعيض لا الشمول. هذا يعني أن الكثرة المذكورة ليست كل الجماعة، وإنما هي الشريحة الأوسع داخلها. وبذلك يتجنب النص القرآني التعميم المفرط، ويؤكد أن الفساد أو الانحراف ليس مطلقًا، بل يترك مساحة لوجود أقلية صالحة وسط هذا الكيان البشري الكبير.
من الناحية الأسلوبية، يتجلى في التعبير القرآني توازن بلاغي بين صيغتين: "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" و"مِنْهُمْ كَثِيرٌ". هذا التقديم والتأخير ليس مجرد تنويع لغوي، بل هو اختيار مقصود يمنح "الكثرة" أولوية دلالية عندما تُقدَّم في الجملة. فحين يقول القرآن: "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ"، فإنه يضع عنصر الكثرة في موقع الصدارة لتسليط الضوء على حجم الظاهرة وخطورتها داخل الجماعة.
يُبرز هذا التركيب أن الخطاب القرآني لا يقتصر على الوصف العددي، بل يستخدم البناء اللغوي لتوجيه رسالة تداولية للقارئ أو السامع. فالمتلقي يُدرك أن الحديث ليس عن "عدد" وحسب، بل عن "ظاهرة" لها أثر اجتماعي وديني خطير. وهكذا يصبح التركيب "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" أداة بلاغية توظَّف للتنبيه والتحذير، فيعيد تشكيل علاقة المتلقي بفكرة الأكثرية، فلا ينخدع بها ولا يتخذها معيارًا للحقيقة.
ثالثًا: التداولية القرآنية لمفهوم الكثرة
الخطاب القرآني لا يتعامل مع "الكثرة" كظاهرة كمية فحسب، بل يعيد صياغة معناها ضمن إطار قيمي وأخلاقي. فالعدد الكبير قد يكون مُثيرًا للإعجاب في الثقافة البشرية، لكنه في القرآن لا يشكّل ضمانة للهداية أو معيارًا للحق. وهذا يعكس رؤية قرآنية عميقة تسعى إلى تحرير العقل الإنساني من أسر الانبهار بالعدد.
في المجتمعات البشرية القديمة والمعاصرة، ارتبطت الكثرة عادةً بالقوة والصواب. فالأغلبية في العُرف السياسي أو الاجتماعي هي التي تمتلك الشرعية، بينما يُنظر إلى الأقلية على أنها ضعيفة أو شاذة عن القاعدة. هذه الرؤية تعكس نزعة بشرية لقياس الحقيقة بمقياس الكمّ لا بمقياس القيمة.
القرآن يُبطل هذا المنطق حين يصرّح: "وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ" (الأنعام: 116). هذا النص يُعدّ قلبًا جوهريًا للمعادلة؛ إذ يبين أن الأكثرية قد تكون مصدر ضلال، وليست دليلًا على الصواب. بهذا يضع القرآن الإنسان أمام معيار مختلف عن العرف الاجتماعي، وهو معيار الحق لا الكثرة.
في المقابل، نجد أن القرآن يُثني على القلة المؤمنة المخلصة: "وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ" (سبأ: 13). فالقلة هنا ليست موضع استنكار، بل هي نواة الخير والإيمان في مواجهة تيار الأغلبية المنحرفة. وهذا يُبرز أن معيار القرآن ليس الكمّ، وإنما النوعية القيمية.
إذن، الخطاب القرآني يعيد صياغة البنية الذهنية للمجتمع: الكثرة ليست قرينة القوة ولا الحقيقة، والقلة ليست دليلًا على الضعف أو الخطأ. بل العكس هو الصحيح في كثير من السياقات: القلة تُجسّد الهداية، والكثرة تُمثل الانحراف. هذه المفارقة البلاغية والفكرية تقوّض المنطق العددي السائد في الاجتماع البشري.
من خلال هذا التناول، يربّي القرآن المؤمن على أن لا يغتر بالكثرة ولا يستهين بالقلة. فالمعيار الحقيقي للتمييز هو الحق والقيم الأخلاقية لا الأرقام. وهكذا يتجاوز النص القرآني البُعد الإخباري إلى وظيفة تربوية تحذيرية، موجّهًا القارئ إلى الحذر من الانسياق وراء الأغلبية إذا كانت على غير هدى، ومُعززًا الثقة في القلة المؤمنة مهما بدت ضعيفة عدديًا.
رابعًا: الدلالة التربوية والفكرية
استخدام القرآن لعبارة "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" يزرع وعيًا نقديًا لدى المؤمنين، إذ يدعوهم إلى عدم الانبهار بالعدد أو التقدير الكمي للحقائق الاجتماعية والدينية. فالكثرة التي غالبًا ما ترتبط بالقوة والهيمنة في التفكير البشري، قد تحمل في السياق القرآني تحذيرًا من الانحراف أو الضلال. هذا الاستخدام يجعل النص القرآني أداة لتنمية فكر مستقل قادر على التمييز بين الواقع العددي والواقع القيمي.
العبارة تتيح للقارئ فهم أن معيار الحق ليس الأكثرية، بل الجودة الأخلاقية والالتزام الإيماني. ومن هنا، يُربّي النص المؤمن على تطوير مهارات التمييز بين الحق والباطل دون الاعتماد على الانسياق وراء الأغلبية. فالمؤمن يتعلم أن الغالبية قد تكون مضللة، وأن القلة قد تكون صالحة ومرشدة للحق.
الخطاب القرآني هنا يحمل بعدًا جدليًا؛ فهو يضع المؤمن أمام مفارقة: الكثرة لا تضمن الهداية، والقلة لا تعني الضعف. هذا الطرح يحفز القارئ على التفكير والتحليل بدلاً من الانقياد العاطفي، ويعزز وعيه بأن الحقائق الدينية والاجتماعية قد تتجاوز المنطق العددي البسيط.
القرآن يستخدم الكثرة أحيانًا كأداة تحذيرية لإبراز خطورة الانحراف الاجتماعي والديني. فالتكرار المستمر لعبارة "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" يسلط الضوء على ظاهرة الانحراف السائدة داخل الجماعة، ويجعل المؤمن على دراية بأن الواقع العددي قد يخفي أبعادًا أخلاقية خطيرة.
في مقابل الكثرة، تظهر الأقلية الصالحة لتكون نموذجًا للحق والهداية، ما يعزز البعد التربوي للنص. فالمؤمن يُدرك من خلال هذه المفارقة أن الحقيقة ليست مرتبطة بعدد من يتبعها، بل بالالتزام بالقيم والمبادئ. وهذا يعمّق فهم المؤمن بأن الصلاح والإيمان يمكن أن يكونا في الأقلية رغم صغرها العددي.
بالتالي، يصبح استخدام "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" ليس مجرد وصف عددي، بل أداة تربوية وفكرية توجّه المؤمن نحو بناء عقل ناقد قادر على تحليل الظواهر الاجتماعية والدينية. النص القرآني بهذا الشكل يُحوّل الكثرة من مجرد حقيقة إحصائية إلى عبرة وفكرة مركزية تساهم في تكوين شخصية مؤمنة واعية ومنهجية في التفكير.
خاتمة
يكشف التحليل أن عبارة "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" في القرآن تتجاوز كونها مجرد وصف عددي، لتصبح مؤشرًا على الانحراف أو الفساد عند الأكثرية، بينما القلة غالبًا ما ترتبط بالهداية والاستقامة. هذا المعنى النقدي يعكس القدرة القرآنية على توجيه الانتباه إلى الجودة الأخلاقية بدلًا من الكم العددي.
يُبرز النص القرآني من خلال هذه العبارات بعدًا تربويًا وفكريًا مهمًا، إذ يربّي المؤمن على التفكير النقدي وعدم الانقياد وراء الأغلبية دون معيار، ويشجعه على إدراك أن الحق لا يرتبط بالحجم العددي بل بالالتزام بالقيم والمبادئ.
بهذه الطريقة، يُعيد القرآن صياغة فهم المجتمع البشري من منظور أخلاقي وقيمي، حيث تُفقد الكثرة التقليدية معانيها المطلقة وتُصبح القلة المخلصة نموذجًا للهداية. هذا يعكس قدرة القرآن على تعديل الذهنية الاجتماعية والتأكيد على أن الحقيقة والحق لا يحددهما العدد، بل الجوهر والقيمة.
إن دراسة الأكثرية والأقلية في القرآن الكريم عبر التحليل اللساني والتداولي تكشف عن حكمة النص في مواجهة التفكير العددي السائد في المجتمع. فالحق والهدى يُقاسان بالالتزام الإيماني والقيمي، والكثرة قد تحمل الضلال، بينما القلة قد تكون مشعل الهداية، ما يجعل هذا المفهوم أداة فكرية وتربوية مركزية في الخطاب القرآني.
التحليل اللساني لعبارات مثل "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" و"كَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ" يتيح الكشف عن البنية التداولية للنص، أي كيف ينتقل المعنى من مجرد وصف إحصائي إلى رسالة تحذيرية وتعليمية. هذه الدراسة تساعد على فهم دور اللغة في توجيه الفكر والسلوك، وهو جانب أساسي من منهج القرآن في التربية والإرشاد.
تُظهر دراسة النصوص القرآنية أن الأكثرية لا تعني بالضرورة الهداية أو الحق، بينما الأقلية قد تكون حاملًا للخير والإيمان. هذه المفارقة تُبرز قدرة القرآن على قلب المعادلات السوسيولوجية السائدة في الثقافة البشرية، وتحويل التركيز من العدد إلى الجودة والقيمة الأخلاقية.
يهدف هذا التحليل إلى تقديم رؤية معمقة لدور أكثرية وأقلية الأفراد في النص القرآني، من خلال فحص التوزيع النصي، البنية اللسانية، التداولية، والدلالة التربوية والفكرية للعبارات القرآنية ذات الصلة. كما يسعى إلى إبراز الطريقة التي يستخدم بها القرآن اللغة لتوجيه وعي الإنسان بعيدًا عن الانبهار بالعدد.
أولًا: التوزيع النصي لعبارة "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ"
في سورة المائدة يقول الله تعالى: "وَمِنْهُم أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ" (66). يظهر هنا تقسيم دقيق داخل جماعة أهل الكتاب: فهناك قلة وُصفت بالاعتدال والاقتصاد، أي الاستقامة في السلوك والتمسك بجوهر الرسالة، بينما الكثرة الغالبة نُسب إليها فساد العمل. هذا التباين بين الأقلية المعتدلة والأكثرية المنحرفة يعكس خطابًا قرآنيًا لا يكتفي بالتعميم، بل يُميز بين الفئات داخل الجماعة نفسها.
أما في سورة الحديد، فيرد النص: "فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ" (16). وهنا تتجلى صورة أخرى للكثرة، حيث ارتبطت بالفسق الناتج عن القسوة الروحية والابتعاد عن نور الوحي. إن التركيب القرآني يحمّل الكثرة دلالة سلبية مرتبطة بالانحراف عن منهج الله، مما يُظهر أن التفوق العددي لا يقترن بالضرورة بالهداية أو الصلاح.
وفي سورة الحج يأتي السياق أوسع: "وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ" (18). فالمجال هنا ليس أهل الكتاب فقط، بل عموم الناس. ويُبرز النص مفارقة عميقة: الكثرة من البشر تسجد لله خضوعًا أو فطرة، ولكن في المقابل هناك كثرة أخرى استحقت العذاب بسبب العناد أو الكفر. وهنا نلمس أن الكثرة ليست كتلة واحدة متجانسة، بل تتوزع بين طاعة وعصيان.
من خلال هذه المواضع الثلاثة يتضح أن عبارة "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" ليست محايدة، بل هي تعبير مُثقل بالدلالات النقدية. فالكثرة ارتبطت غالبًا بسوء العمل، القسوة، والفسق. وهذا يتعارض مع التصور الاجتماعي المألوف الذي يربط الغلبة العددية بالقوة أو بالصواب. في الخطاب القرآني، الغلبة العددية كثيرًا ما تترافق مع الانحراف عن الحق.
إلى جانب الكثرة السلبية، يشير النص القرآني إلى وجود أقلية إيجابية: "أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ" في سورة المائدة. هذه الأقلية هي التي حافظت على قيم الهداية وسط غلبة الانحراف. وهنا نلمح أسلوب القرآن في كسر التعميمات، فلا يُدين الجماعة كلها، بل يُقرّ بوجود نواة صالحة وإن كانت صغيرة، ما يعزز فكرة أن الحق لا يقاس بالعدد.
إذن، حين يستخدم القرآن تعبير "كثير منهم" أو "كثير من الناس"، فإنه يوجّه نقدًا مباشرًا إلى العقلية البشرية التي تستند إلى معيار الكثرة في تقدير الصواب والخطأ. فالأكثرية قد تكون موضع انحراف، بينما الأقلية هي التي تحمل مشعل الهداية. هذه المفارقة اللسانية والدلالية تضع القارئ أمام قاعدة أساسية: أن معيار الحق في القرآن ليس الكمّ، بل القيمة الأخلاقية والإيمانية.
ثانيًا: البنية اللسانية للتركيب
يأتي لفظ "كَثِيرٌ" في القرآن باعتباره مؤشرًا كميًا يدل على الغلبة العددية، لكنه لا يتوقف عند هذا البعد الإحصائي البارد، بل يتجاوزه إلى أفق تقييمي. فالكثرة قد تُوصف في السياق القرآني بالفسق أو القسوة أو سوء العمل، مما يكشف أن "كَثِيرٌ" هنا ليست وصفًا محايدًا، وإنما هي جزء من خطاب نقدي يرسم صورة سوسيولوجية للمجتمع، حيث الغلبة العددية لا تعني الصلاح، بل قد تكون أحيانًا قرينة الانحراف.
إضافة "مِنْهُم" أو "مِنَ النَّاسِ" بعد "كَثِيرٌ" تحمل دلالة مهمة؛ فحرف الجر "مِن" يفيد التبعيض لا الشمول. هذا يعني أن الكثرة المذكورة ليست كل الجماعة، وإنما هي الشريحة الأوسع داخلها. وبذلك يتجنب النص القرآني التعميم المفرط، ويؤكد أن الفساد أو الانحراف ليس مطلقًا، بل يترك مساحة لوجود أقلية صالحة وسط هذا الكيان البشري الكبير.
من الناحية الأسلوبية، يتجلى في التعبير القرآني توازن بلاغي بين صيغتين: "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" و"مِنْهُمْ كَثِيرٌ". هذا التقديم والتأخير ليس مجرد تنويع لغوي، بل هو اختيار مقصود يمنح "الكثرة" أولوية دلالية عندما تُقدَّم في الجملة. فحين يقول القرآن: "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ"، فإنه يضع عنصر الكثرة في موقع الصدارة لتسليط الضوء على حجم الظاهرة وخطورتها داخل الجماعة.
يُبرز هذا التركيب أن الخطاب القرآني لا يقتصر على الوصف العددي، بل يستخدم البناء اللغوي لتوجيه رسالة تداولية للقارئ أو السامع. فالمتلقي يُدرك أن الحديث ليس عن "عدد" وحسب، بل عن "ظاهرة" لها أثر اجتماعي وديني خطير. وهكذا يصبح التركيب "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" أداة بلاغية توظَّف للتنبيه والتحذير، فيعيد تشكيل علاقة المتلقي بفكرة الأكثرية، فلا ينخدع بها ولا يتخذها معيارًا للحقيقة.
ثالثًا: التداولية القرآنية لمفهوم الكثرة
الخطاب القرآني لا يتعامل مع "الكثرة" كظاهرة كمية فحسب، بل يعيد صياغة معناها ضمن إطار قيمي وأخلاقي. فالعدد الكبير قد يكون مُثيرًا للإعجاب في الثقافة البشرية، لكنه في القرآن لا يشكّل ضمانة للهداية أو معيارًا للحق. وهذا يعكس رؤية قرآنية عميقة تسعى إلى تحرير العقل الإنساني من أسر الانبهار بالعدد.
في المجتمعات البشرية القديمة والمعاصرة، ارتبطت الكثرة عادةً بالقوة والصواب. فالأغلبية في العُرف السياسي أو الاجتماعي هي التي تمتلك الشرعية، بينما يُنظر إلى الأقلية على أنها ضعيفة أو شاذة عن القاعدة. هذه الرؤية تعكس نزعة بشرية لقياس الحقيقة بمقياس الكمّ لا بمقياس القيمة.
القرآن يُبطل هذا المنطق حين يصرّح: "وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ" (الأنعام: 116). هذا النص يُعدّ قلبًا جوهريًا للمعادلة؛ إذ يبين أن الأكثرية قد تكون مصدر ضلال، وليست دليلًا على الصواب. بهذا يضع القرآن الإنسان أمام معيار مختلف عن العرف الاجتماعي، وهو معيار الحق لا الكثرة.
في المقابل، نجد أن القرآن يُثني على القلة المؤمنة المخلصة: "وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ" (سبأ: 13). فالقلة هنا ليست موضع استنكار، بل هي نواة الخير والإيمان في مواجهة تيار الأغلبية المنحرفة. وهذا يُبرز أن معيار القرآن ليس الكمّ، وإنما النوعية القيمية.
إذن، الخطاب القرآني يعيد صياغة البنية الذهنية للمجتمع: الكثرة ليست قرينة القوة ولا الحقيقة، والقلة ليست دليلًا على الضعف أو الخطأ. بل العكس هو الصحيح في كثير من السياقات: القلة تُجسّد الهداية، والكثرة تُمثل الانحراف. هذه المفارقة البلاغية والفكرية تقوّض المنطق العددي السائد في الاجتماع البشري.
من خلال هذا التناول، يربّي القرآن المؤمن على أن لا يغتر بالكثرة ولا يستهين بالقلة. فالمعيار الحقيقي للتمييز هو الحق والقيم الأخلاقية لا الأرقام. وهكذا يتجاوز النص القرآني البُعد الإخباري إلى وظيفة تربوية تحذيرية، موجّهًا القارئ إلى الحذر من الانسياق وراء الأغلبية إذا كانت على غير هدى، ومُعززًا الثقة في القلة المؤمنة مهما بدت ضعيفة عدديًا.
رابعًا: الدلالة التربوية والفكرية
استخدام القرآن لعبارة "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" يزرع وعيًا نقديًا لدى المؤمنين، إذ يدعوهم إلى عدم الانبهار بالعدد أو التقدير الكمي للحقائق الاجتماعية والدينية. فالكثرة التي غالبًا ما ترتبط بالقوة والهيمنة في التفكير البشري، قد تحمل في السياق القرآني تحذيرًا من الانحراف أو الضلال. هذا الاستخدام يجعل النص القرآني أداة لتنمية فكر مستقل قادر على التمييز بين الواقع العددي والواقع القيمي.
العبارة تتيح للقارئ فهم أن معيار الحق ليس الأكثرية، بل الجودة الأخلاقية والالتزام الإيماني. ومن هنا، يُربّي النص المؤمن على تطوير مهارات التمييز بين الحق والباطل دون الاعتماد على الانسياق وراء الأغلبية. فالمؤمن يتعلم أن الغالبية قد تكون مضللة، وأن القلة قد تكون صالحة ومرشدة للحق.
الخطاب القرآني هنا يحمل بعدًا جدليًا؛ فهو يضع المؤمن أمام مفارقة: الكثرة لا تضمن الهداية، والقلة لا تعني الضعف. هذا الطرح يحفز القارئ على التفكير والتحليل بدلاً من الانقياد العاطفي، ويعزز وعيه بأن الحقائق الدينية والاجتماعية قد تتجاوز المنطق العددي البسيط.
القرآن يستخدم الكثرة أحيانًا كأداة تحذيرية لإبراز خطورة الانحراف الاجتماعي والديني. فالتكرار المستمر لعبارة "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" يسلط الضوء على ظاهرة الانحراف السائدة داخل الجماعة، ويجعل المؤمن على دراية بأن الواقع العددي قد يخفي أبعادًا أخلاقية خطيرة.
في مقابل الكثرة، تظهر الأقلية الصالحة لتكون نموذجًا للحق والهداية، ما يعزز البعد التربوي للنص. فالمؤمن يُدرك من خلال هذه المفارقة أن الحقيقة ليست مرتبطة بعدد من يتبعها، بل بالالتزام بالقيم والمبادئ. وهذا يعمّق فهم المؤمن بأن الصلاح والإيمان يمكن أن يكونا في الأقلية رغم صغرها العددي.
بالتالي، يصبح استخدام "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" ليس مجرد وصف عددي، بل أداة تربوية وفكرية توجّه المؤمن نحو بناء عقل ناقد قادر على تحليل الظواهر الاجتماعية والدينية. النص القرآني بهذا الشكل يُحوّل الكثرة من مجرد حقيقة إحصائية إلى عبرة وفكرة مركزية تساهم في تكوين شخصية مؤمنة واعية ومنهجية في التفكير.
خاتمة
يكشف التحليل أن عبارة "كَثِيرٌ مِّنْهُمْ" في القرآن تتجاوز كونها مجرد وصف عددي، لتصبح مؤشرًا على الانحراف أو الفساد عند الأكثرية، بينما القلة غالبًا ما ترتبط بالهداية والاستقامة. هذا المعنى النقدي يعكس القدرة القرآنية على توجيه الانتباه إلى الجودة الأخلاقية بدلًا من الكم العددي.
يُبرز النص القرآني من خلال هذه العبارات بعدًا تربويًا وفكريًا مهمًا، إذ يربّي المؤمن على التفكير النقدي وعدم الانقياد وراء الأغلبية دون معيار، ويشجعه على إدراك أن الحق لا يرتبط بالحجم العددي بل بالالتزام بالقيم والمبادئ.
بهذه الطريقة، يُعيد القرآن صياغة فهم المجتمع البشري من منظور أخلاقي وقيمي، حيث تُفقد الكثرة التقليدية معانيها المطلقة وتُصبح القلة المخلصة نموذجًا للهداية. هذا يعكس قدرة القرآن على تعديل الذهنية الاجتماعية والتأكيد على أن الحقيقة والحق لا يحددهما العدد، بل الجوهر والقيمة.
إن دراسة الأكثرية والأقلية في القرآن الكريم عبر التحليل اللساني والتداولي تكشف عن حكمة النص في مواجهة التفكير العددي السائد في المجتمع. فالحق والهدى يُقاسان بالالتزام الإيماني والقيمي، والكثرة قد تحمل الضلال، بينما القلة قد تكون مشعل الهداية، ما يجعل هذا المفهوم أداة فكرية وتربوية مركزية في الخطاب القرآني.