القرآن الكريم هو كلام الله، سبحانه وتعالى، أو الوحي الذي أنزله الله، سبحانه وتعالى، على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص). وهو الركيزة التي يعتمد عليها الإسلام والمسلمون في حياتهم الدينية والدنيوية. والإسلام هو الدين الوحيد الذي أراده، عزَّ وجلَّ، للناس أجمعين. بل هو الدين الوحيد الذي بعث من أجل نشره أنبياءَ ورسلا، منذ نوح، عليه السلام، إلى آخر الرسل والأنبياء محمد (ص).
والمسلمُ هو مَن أسلم نفسَه لله، أي اعترف وآمن بوجوده. إذن، الإسلام هو دين طاعة لله والاستجابة لإرادتِه. ولهذا، فالمسلمَ، إذا كان مسلِِماً بخضوعه لله ولإرادته، فإسلامُه لن يكونَ صحيحا إلا إذا كان مدعَّماً بالإيمان. لكن الإيمان بماذا؟
جوابا على هذا السؤال، أقول : "ما دام الإسلام، كدينٍ أو كرسالة مُنزَّلة، بدأ مع أول الرسل والأنبياء، نوح، عليه السلام، وما دام هذا الدين استمر في الانتشار مع كثيرٍ من الرسل والأنبياء، وآخرهم، محمد (ص)، فمن الضروري أن يؤمنَ المسلمُ بالإسلام منذ بداية البعث إلى آخرِه، أي أن يؤمنَ بالرسالات الإلهية والأنبياء والرسل الذين كلفهم اللهُ، سبحانه وتعالى، بنشرِها، وبالوحي، أي الكتب المُنزَّلة على مختلف الأنبياء والرسل.
ولهذا، فالقرآن الكريم هو تتويجٌ للرسالات السماوية التي بدأت مع نوح، عليه السلام، واستمرَّت إلى آخرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص). ولهذا، فالمسلمُ مطَالبٌ بأن يؤمنَ بجميع الرسالات الإلهية، التي كان الهدفُ منها، هو نشر الإسلام، كدينٍ ودُنيا. فما هو إذن القرآن الكريم؟
القرآن الكريم، رغم إشارته لبعض الظواهر الطبيعية التي فسرها العلمُ الحديثُ خلال القرون الثلاثة الماضية، ورغم توضيحه للمعاملات، أي لبعض الظواهر الاجتماعية والاقتصادية، ورغم ذكرِه لبعض القصص، فإنه يبقى، أولاًّ وقبل كل شيءٍ، كتابَ هداية guidance وموعظة prêche وسلوك اجتماعي un comportement social طبقاً للمبادئ والأحكام الدينية…
وفي نهاية المطاف، القرآن الكريم هو المُوجِّه الأساسي الذي يعتمد عليه المسلِمون في حياتِهم الروحية والدنيوية leur vie spirituelle et temporelle، أي يعتمدون عليه في أمور العبادات والمعاملات. إذن، من المفروض أن يوحِّد هذا القرآنُ المسلمين، على الأقل على المستوى العقائدي. غير أن علماء وفقهاء الدين لهم رأيٌ آخر. فما هو هذا الرأي ولماذا هم مُتشبِّثون به؟
جواباً على الجزء الأول من السؤال، أي "ما هو هذا الرأي"؟، أقول إن علماءَ وفقهاءَ الدين، القدامى والحاليين الذين ساروا على نهج هؤلاء القدامى، أضافوا للقرآن الكريم ما سمَّوه "السُّنة"، مُعتمدين على الأحاديث النبوية الشريفة، علما أن هذه الأحاديث تم جمعُها، من طَرَف محمد بن اسماعيل البخاري، بعد مرور ما يناهز أكثر من قرنين من الزمان بعد وفاة الرسول (ص). والأحاديث أقوالُ، والأقوال لا يمكن أن تبقى مطابقةً، من حيث المعنى، لِما نطق به الرسول (ص) بعد مرور أكثر من قرنين من الزمان على وفاتِه. ولهذا، وحسب رأيي الشخصي، ما يمكن الاعتماد عليه، كسُنَّة، ليس أقوال الرسول (ص)، بل أفعالُه. لماذا؟
لأن الأقوالَ لا يمكن أن تصمُدَ، من حيث المعنى، لتناقُلها من جيلٍ لآخر. وحتى إن بقيت، من حيث المعنى، كما نطقَ بها الرسول (ص)، فإن فهمَ معانيها يختلف من شخصٍ إلى آخر. وهذا هو ما حدث، فعلا، وأدى إلى تعدُّدِ المذاهب والطوائف والفِرَق. بينما أفعال الرسول (ص)، هي تجسيدٌ لأقواله، أي لِما يدور في عقلِه من أفكار. بل إن علماءَ وفقهاءَ الدين ذهبوا، في اجتهادِهم الديني، إلى أبعد حدٍّ، حيث قرَّروا أن السنةَ، بإمكانها، نَسخُ، أي إلغاء بعض آيات القرآن الكريم.
واللهَ، سبحانه وتعالى، يقول في آياتٍ قرآنية كثيرة إن القرآنََ الكريمَ كاملٌ أو شمولي complet ومتكاملةٌ سُوَره وآياتُه. بل فيه ما يُبيِّن أنه، من المستحيل أن يكون فيه تناقض incohérence ou imperfection، كما إنه، من المستحيل تقليدٌه أو يستحيل على العقل البشري أن يُنتِجَ مثلَه.
فيما يخص كمال la complétude أو شمولية globalité القرآن الكريم، يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 1 من سورة هود : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ". كما يقول، عزَّ. جلَّ، في الآية رقم 89 من سورة النحل : "وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ". كما يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 111 من سورة يوسف: "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ".
وفيما يخصُّ عدمَ التناقضَ في القرآن الكريم أو استحالة تقليده من طرف البشر، يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 1 من سورة الكهف : "ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَـٰبَ وَلَمۡ یَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ". كما يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 82 من سورة النساء : "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا".
ورغم وجودِ هذه الآيات في القرآن الكريم، والتي تُبيِّن، بكل وضوح، أن القرآن كاملٌ وليس فيه تناقضٌ contradiction ou imperfection ou incohérence أو انحراف déviation، فعلماءُ وفقهاءُ الدين مُصمِّمون على أن السُّنةَ تنسخ، أي تُلغي بعض آيات القرآن الكريم. فماذا يُستنتَج من هذا الوضع؟
ما يُستَنتَج من هذا الوضع، هو إما أن القرآن غير كاملٍ، أي ناقص، وتوجد فبه تناقضات، وحاشا أن يكونَ ناقِصاً أو فيه تناقضات وهو من تنزيل حكيمٍ خبيرٍ، وإما علماء وفقهاء الدين تعمَّدوا الخوضَ في هذا الوضع لأسباب قد تكون شخصية، جماعِية، سياسية، اجتماعية، اقتصادية…
والآن، حان الوقتُ للجوابِ على الجزء الأخير من السؤال، المُشار إليه أعلاه، أي "لماذا هم مُتشبِّثون به، أي بالرأي"، أقول إن حجَّتَهم، في هذا الشأن، هي : "من نقل لنا القرآنَ الكريمَ، هم نفسُهم مَن نقل لنا الأحاديث". تعالَوا، الآن، نقوم بتحليل منطقي وعقلاني لهذه العبارة التي أعتمد عليها علماءُ وفقهاء الدين، القدامى والحاليون، ليَقولوا لنا إن السنة تنسخ، أي تُلغي بعضَ آيات القرآن الكريم. بل منهم مَن قال إن السُّنةَ تشكِّلُ ثلاثة أرباع الدين، والربع الباقي، هو القرآن.
ما أبدأ به التَّحليلَ، هو أن هذه العبارة غامضةٌ، إلى أقصى حد، ومُضادَّة لكل عقلٍ نيِّرٍ ومستنِير يحب الوضوحَ والشفافيةَ. بل إنها تدفعنا إلى طرح عدة تساؤلات، أذكر، من بينها، ما يلي :
1.هذه العبارة غير مرتبطة لا بالزمان ولا بالمكان، أي تبدو وكأنها مُطلقة، ولا ندري من أين أتت وكيف أتت وما هو السببُ أو الأسباب في الاستناد لها.
2.هذه العبارة ليس فيها ولو كلمة واحدة تُبيِّن لنا مَن هم الناس الذين نقلوا لنا القرآنَ والأحاديث. هل هم الصحابة وحدهم، هل هم الصحابة والتابعون، هل هم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين… أم هم ناسٌ آخرون؟ لا شيءَ في هذه العبارة يوضِّح هذه الحيثيات!
3.لا ندري في أي سياقٍ أتت هذه العبارة، ومَن هو أول مَن جاء بها وما الذي دفعَه إلى صياغتها.
4."...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" هذه الآية الكريمة هي الجزءٌ الثاني من الآية رقم 3 من سورة المائدة، التي وضَّح، سبحانه وتعال، في جزئها الأول، ما حرمه الله، عزَّ وجلَّ، على المسلمين. وفي نفس الآية، يُبيِّن لنا أنه أكمل دينَ الإسلام، بمعنى أن هذا الدينَ الذي هو الإسلام أصبح كامِلا، أي لا نقصانَ فيه ولا يحتمِل الزيادة. فكيف لعلماءِ وفقهاءِ الدين، القدامى، وسار على نهجِهم الحاليون، أن يُضيفوا السُّنة، كجزءٍ من الإسلام، علماً أن الآية الكريمة رقم 3 من سورة المائدة، نزلت على الرسول (ص) وهو يؤدِّي حجَّةَ الوداع، وبالضبط، ثلاثة أشهر قبل وفاتِه؟
5.لما بدأ تدوين السُّنة والأحاديث لأول مرة، أي قبل البخاري، على يد الخليفة الأموي، عمر بن عبدالعزيز، وبالضبط، بعد مرور ما يزيد عن قرنٍ ونصف قرنٍ من الزمان، كان الصحابة والتابعون لهم، كلهم قد ماتوا، وخصوصا، أن أتباعَ الصحابة كانوا يعتمدون في تناقل الأحاديث، في أغلب الحالات، على السماع. وهنا تُطرَح عدة تساؤلات، أذكر من بينها ما يلي :
1.هل السماع وحده كافي للتَّأكُّد من صحة الأحاديث ومَن روى هذه الأحاديث كلهم قد ماتوا؟
2.هل يُعقَلُ أن يُقالَ لنا أن الصحابة والتابعين لهم كانوا كلُّهم عدولاً، أي مستقمين ولا يقولون إلا الحق؟
3.لماذا تمَّ تصنيف الأحاديث إلى صحيح وحسن وضعيف؟ أليس هذا دليلٌ على أنه مشكوكٌ في مصدرِها؟
4.ما دام الإسلام، كدينٍ، بدأ منذ نوح، عليه السلام، فلماذا لم يكن للأنبياء والرسل الذين بعثَهم اللهُ، سبحانه وتعالى، لنشر الإسلام، قبل الرسول محمد (ص)، سٌنَنٌ مثل سنة هذا الأخير، التي هي من صنع البشر؟
العقل السليم، النَّيِّر والمستنير يقول لنا إنه لا يمكن، على الإطلاق، أن نثِقَ، بكيفية عمياء، في السماع وحده. ولهذا، ظهر علم الحديث أو علمُ الجرح والتَّعديل أو علم الرجال ليقوم بتصنيف الأحاديث والتَّأكُّد من صحتها. غير علمَ الحديث، عوضَ أن يهتمَّ بمُحتوى هذه الأحاديث، أي بمَتنها، فإنه اعتمد على السند أو الإسناد، أي اعتبر الرواةَ كلهم عدولاً. وهنا بيت القصيد!
فإذا اعتبر علماء الحديث الرواةَ كلهم عدولاً، فهذا الحكم يعتمد، فقط وحصرياً، على ما عرفوه من سلوكٍ مرئي un comportement visible، وفي نفس الوقت، ليس لهم أي علمٍ بما يُضمِرون (يُخفون) من أفكار وسرائر، علما أن اللهَ، سبحانه وتعالى، هو وحده مَن يعلم ما تُخفيه الصدور، مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" (الملك، 13).
قد يقول قائلٌ إن علماء الحديث تبنَّوا قواعدَ صارِمة للحٌكمِ على صحة الأحاديث، أردُّ على هذا القائل قائلاً : "إن هذه القواعد صنعها بشرٌ، وبالتالي، في هي نسبية، وتتلاءم مع العصر الذي عاش فيه علماء الحديث، أي تستجيب للثقافة التي كانت سائدة في تلك الفترة من الزمان. وأقول أيضا، إذا كانت هذه القواعد صالِحةً للفترة الزمنية التي عاش فيها علماء الحديث، هل هذه القواعد صالِحة لكل زمان ومكان"؟
وفي الختام، مَن أراد أن يعرفَ الإسلامَ الحقيقي ويؤمنَ به ويعملَ به في حياته اليومية ويطبِّق أحكامَه على أرض الواقع، عليه أن يلجأَ لقراءة القرآن الكريم، لكن قراءة مُتأنِّية، أي فيها جرعةٌ عالِية من التّدبر، كما قال، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 29 من سورة ص : "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ".
.
والمسلمُ هو مَن أسلم نفسَه لله، أي اعترف وآمن بوجوده. إذن، الإسلام هو دين طاعة لله والاستجابة لإرادتِه. ولهذا، فالمسلمَ، إذا كان مسلِِماً بخضوعه لله ولإرادته، فإسلامُه لن يكونَ صحيحا إلا إذا كان مدعَّماً بالإيمان. لكن الإيمان بماذا؟
جوابا على هذا السؤال، أقول : "ما دام الإسلام، كدينٍ أو كرسالة مُنزَّلة، بدأ مع أول الرسل والأنبياء، نوح، عليه السلام، وما دام هذا الدين استمر في الانتشار مع كثيرٍ من الرسل والأنبياء، وآخرهم، محمد (ص)، فمن الضروري أن يؤمنَ المسلمُ بالإسلام منذ بداية البعث إلى آخرِه، أي أن يؤمنَ بالرسالات الإلهية والأنبياء والرسل الذين كلفهم اللهُ، سبحانه وتعالى، بنشرِها، وبالوحي، أي الكتب المُنزَّلة على مختلف الأنبياء والرسل.
ولهذا، فالقرآن الكريم هو تتويجٌ للرسالات السماوية التي بدأت مع نوح، عليه السلام، واستمرَّت إلى آخرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص). ولهذا، فالمسلمُ مطَالبٌ بأن يؤمنَ بجميع الرسالات الإلهية، التي كان الهدفُ منها، هو نشر الإسلام، كدينٍ ودُنيا. فما هو إذن القرآن الكريم؟
القرآن الكريم، رغم إشارته لبعض الظواهر الطبيعية التي فسرها العلمُ الحديثُ خلال القرون الثلاثة الماضية، ورغم توضيحه للمعاملات، أي لبعض الظواهر الاجتماعية والاقتصادية، ورغم ذكرِه لبعض القصص، فإنه يبقى، أولاًّ وقبل كل شيءٍ، كتابَ هداية guidance وموعظة prêche وسلوك اجتماعي un comportement social طبقاً للمبادئ والأحكام الدينية…
وفي نهاية المطاف، القرآن الكريم هو المُوجِّه الأساسي الذي يعتمد عليه المسلِمون في حياتِهم الروحية والدنيوية leur vie spirituelle et temporelle، أي يعتمدون عليه في أمور العبادات والمعاملات. إذن، من المفروض أن يوحِّد هذا القرآنُ المسلمين، على الأقل على المستوى العقائدي. غير أن علماء وفقهاء الدين لهم رأيٌ آخر. فما هو هذا الرأي ولماذا هم مُتشبِّثون به؟
جواباً على الجزء الأول من السؤال، أي "ما هو هذا الرأي"؟، أقول إن علماءَ وفقهاءَ الدين، القدامى والحاليين الذين ساروا على نهج هؤلاء القدامى، أضافوا للقرآن الكريم ما سمَّوه "السُّنة"، مُعتمدين على الأحاديث النبوية الشريفة، علما أن هذه الأحاديث تم جمعُها، من طَرَف محمد بن اسماعيل البخاري، بعد مرور ما يناهز أكثر من قرنين من الزمان بعد وفاة الرسول (ص). والأحاديث أقوالُ، والأقوال لا يمكن أن تبقى مطابقةً، من حيث المعنى، لِما نطق به الرسول (ص) بعد مرور أكثر من قرنين من الزمان على وفاتِه. ولهذا، وحسب رأيي الشخصي، ما يمكن الاعتماد عليه، كسُنَّة، ليس أقوال الرسول (ص)، بل أفعالُه. لماذا؟
لأن الأقوالَ لا يمكن أن تصمُدَ، من حيث المعنى، لتناقُلها من جيلٍ لآخر. وحتى إن بقيت، من حيث المعنى، كما نطقَ بها الرسول (ص)، فإن فهمَ معانيها يختلف من شخصٍ إلى آخر. وهذا هو ما حدث، فعلا، وأدى إلى تعدُّدِ المذاهب والطوائف والفِرَق. بينما أفعال الرسول (ص)، هي تجسيدٌ لأقواله، أي لِما يدور في عقلِه من أفكار. بل إن علماءَ وفقهاءَ الدين ذهبوا، في اجتهادِهم الديني، إلى أبعد حدٍّ، حيث قرَّروا أن السنةَ، بإمكانها، نَسخُ، أي إلغاء بعض آيات القرآن الكريم.
واللهَ، سبحانه وتعالى، يقول في آياتٍ قرآنية كثيرة إن القرآنََ الكريمَ كاملٌ أو شمولي complet ومتكاملةٌ سُوَره وآياتُه. بل فيه ما يُبيِّن أنه، من المستحيل أن يكون فيه تناقض incohérence ou imperfection، كما إنه، من المستحيل تقليدٌه أو يستحيل على العقل البشري أن يُنتِجَ مثلَه.
فيما يخص كمال la complétude أو شمولية globalité القرآن الكريم، يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 1 من سورة هود : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ". كما يقول، عزَّ. جلَّ، في الآية رقم 89 من سورة النحل : "وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ". كما يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 111 من سورة يوسف: "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ".
وفيما يخصُّ عدمَ التناقضَ في القرآن الكريم أو استحالة تقليده من طرف البشر، يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 1 من سورة الكهف : "ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَـٰبَ وَلَمۡ یَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ". كما يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 82 من سورة النساء : "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا".
ورغم وجودِ هذه الآيات في القرآن الكريم، والتي تُبيِّن، بكل وضوح، أن القرآن كاملٌ وليس فيه تناقضٌ contradiction ou imperfection ou incohérence أو انحراف déviation، فعلماءُ وفقهاءُ الدين مُصمِّمون على أن السُّنةَ تنسخ، أي تُلغي بعض آيات القرآن الكريم. فماذا يُستنتَج من هذا الوضع؟
ما يُستَنتَج من هذا الوضع، هو إما أن القرآن غير كاملٍ، أي ناقص، وتوجد فبه تناقضات، وحاشا أن يكونَ ناقِصاً أو فيه تناقضات وهو من تنزيل حكيمٍ خبيرٍ، وإما علماء وفقهاء الدين تعمَّدوا الخوضَ في هذا الوضع لأسباب قد تكون شخصية، جماعِية، سياسية، اجتماعية، اقتصادية…
والآن، حان الوقتُ للجوابِ على الجزء الأخير من السؤال، المُشار إليه أعلاه، أي "لماذا هم مُتشبِّثون به، أي بالرأي"، أقول إن حجَّتَهم، في هذا الشأن، هي : "من نقل لنا القرآنَ الكريمَ، هم نفسُهم مَن نقل لنا الأحاديث". تعالَوا، الآن، نقوم بتحليل منطقي وعقلاني لهذه العبارة التي أعتمد عليها علماءُ وفقهاء الدين، القدامى والحاليون، ليَقولوا لنا إن السنة تنسخ، أي تُلغي بعضَ آيات القرآن الكريم. بل منهم مَن قال إن السُّنةَ تشكِّلُ ثلاثة أرباع الدين، والربع الباقي، هو القرآن.
ما أبدأ به التَّحليلَ، هو أن هذه العبارة غامضةٌ، إلى أقصى حد، ومُضادَّة لكل عقلٍ نيِّرٍ ومستنِير يحب الوضوحَ والشفافيةَ. بل إنها تدفعنا إلى طرح عدة تساؤلات، أذكر، من بينها، ما يلي :
1.هذه العبارة غير مرتبطة لا بالزمان ولا بالمكان، أي تبدو وكأنها مُطلقة، ولا ندري من أين أتت وكيف أتت وما هو السببُ أو الأسباب في الاستناد لها.
2.هذه العبارة ليس فيها ولو كلمة واحدة تُبيِّن لنا مَن هم الناس الذين نقلوا لنا القرآنَ والأحاديث. هل هم الصحابة وحدهم، هل هم الصحابة والتابعون، هل هم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين… أم هم ناسٌ آخرون؟ لا شيءَ في هذه العبارة يوضِّح هذه الحيثيات!
3.لا ندري في أي سياقٍ أتت هذه العبارة، ومَن هو أول مَن جاء بها وما الذي دفعَه إلى صياغتها.
4."...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" هذه الآية الكريمة هي الجزءٌ الثاني من الآية رقم 3 من سورة المائدة، التي وضَّح، سبحانه وتعال، في جزئها الأول، ما حرمه الله، عزَّ وجلَّ، على المسلمين. وفي نفس الآية، يُبيِّن لنا أنه أكمل دينَ الإسلام، بمعنى أن هذا الدينَ الذي هو الإسلام أصبح كامِلا، أي لا نقصانَ فيه ولا يحتمِل الزيادة. فكيف لعلماءِ وفقهاءِ الدين، القدامى، وسار على نهجِهم الحاليون، أن يُضيفوا السُّنة، كجزءٍ من الإسلام، علماً أن الآية الكريمة رقم 3 من سورة المائدة، نزلت على الرسول (ص) وهو يؤدِّي حجَّةَ الوداع، وبالضبط، ثلاثة أشهر قبل وفاتِه؟
5.لما بدأ تدوين السُّنة والأحاديث لأول مرة، أي قبل البخاري، على يد الخليفة الأموي، عمر بن عبدالعزيز، وبالضبط، بعد مرور ما يزيد عن قرنٍ ونصف قرنٍ من الزمان، كان الصحابة والتابعون لهم، كلهم قد ماتوا، وخصوصا، أن أتباعَ الصحابة كانوا يعتمدون في تناقل الأحاديث، في أغلب الحالات، على السماع. وهنا تُطرَح عدة تساؤلات، أذكر من بينها ما يلي :
1.هل السماع وحده كافي للتَّأكُّد من صحة الأحاديث ومَن روى هذه الأحاديث كلهم قد ماتوا؟
2.هل يُعقَلُ أن يُقالَ لنا أن الصحابة والتابعين لهم كانوا كلُّهم عدولاً، أي مستقمين ولا يقولون إلا الحق؟
3.لماذا تمَّ تصنيف الأحاديث إلى صحيح وحسن وضعيف؟ أليس هذا دليلٌ على أنه مشكوكٌ في مصدرِها؟
4.ما دام الإسلام، كدينٍ، بدأ منذ نوح، عليه السلام، فلماذا لم يكن للأنبياء والرسل الذين بعثَهم اللهُ، سبحانه وتعالى، لنشر الإسلام، قبل الرسول محمد (ص)، سٌنَنٌ مثل سنة هذا الأخير، التي هي من صنع البشر؟
العقل السليم، النَّيِّر والمستنير يقول لنا إنه لا يمكن، على الإطلاق، أن نثِقَ، بكيفية عمياء، في السماع وحده. ولهذا، ظهر علم الحديث أو علمُ الجرح والتَّعديل أو علم الرجال ليقوم بتصنيف الأحاديث والتَّأكُّد من صحتها. غير علمَ الحديث، عوضَ أن يهتمَّ بمُحتوى هذه الأحاديث، أي بمَتنها، فإنه اعتمد على السند أو الإسناد، أي اعتبر الرواةَ كلهم عدولاً. وهنا بيت القصيد!
فإذا اعتبر علماء الحديث الرواةَ كلهم عدولاً، فهذا الحكم يعتمد، فقط وحصرياً، على ما عرفوه من سلوكٍ مرئي un comportement visible، وفي نفس الوقت، ليس لهم أي علمٍ بما يُضمِرون (يُخفون) من أفكار وسرائر، علما أن اللهَ، سبحانه وتعالى، هو وحده مَن يعلم ما تُخفيه الصدور، مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" (الملك، 13).
قد يقول قائلٌ إن علماء الحديث تبنَّوا قواعدَ صارِمة للحٌكمِ على صحة الأحاديث، أردُّ على هذا القائل قائلاً : "إن هذه القواعد صنعها بشرٌ، وبالتالي، في هي نسبية، وتتلاءم مع العصر الذي عاش فيه علماء الحديث، أي تستجيب للثقافة التي كانت سائدة في تلك الفترة من الزمان. وأقول أيضا، إذا كانت هذه القواعد صالِحةً للفترة الزمنية التي عاش فيها علماء الحديث، هل هذه القواعد صالِحة لكل زمان ومكان"؟
وفي الختام، مَن أراد أن يعرفَ الإسلامَ الحقيقي ويؤمنَ به ويعملَ به في حياته اليومية ويطبِّق أحكامَه على أرض الواقع، عليه أن يلجأَ لقراءة القرآن الكريم، لكن قراءة مُتأنِّية، أي فيها جرعةٌ عالِية من التّدبر، كما قال، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 29 من سورة ص : "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ".
.