لَوْ كُتِبَ لي في لَوْحٍ ليس بالضرورة محفوظاً، أن أخُطَّ تقديماً بحُرِّ قلمي ما لم تُقيّده سلسلة إلى وتدٍ مدقوق في أفئدتنا قبل الحظيرة، لبدأتُ من آخر ما كتبتُ، ليس لأن ذاكرتي ضعيفة ولا أستطيع تَفكُّر من ركام المقالات التي كتبتُ إلا آخرها ، بل لأن كل تقديم رغم كونه يبدأ الصفحات الأولى من حياة الكتاب الذي لا يُعد زمنه الرمزي بالسنوات، أشبه بالوصية التي لا نكتبها إلا بعد أن ننتهي من هذا الكتاب، وندفن مع الأحرف أنفسنا في أوراقه، ونصنع من الغلاف شاهدة بأسمائنا رغم أن كل عناوين كتبنا لا تفضي دائما، ولو أخطأ ساعي البريد، إلا للآخرة..!
يجدر بكل تقديم أن يعتمد الديباجة الكلاسيكية التي سطَّر بلاغتها بحكمة أسلافنا في التراث الأدبي، فلا ننسى بعض أدبيات الاستهلال الذي تسبق عتبته أرجلنا في المصنّف سواء كان فريداً تَعْلقُ معانيه في جوارحنا مثلما تُعَلَّقُ الجواهر في الجيد، أو ثريداً لا يليه بعد الأكل إلا غسل اليدين من حبر يلطخُ حتى القلب؛ فنقول مثلا في بعض أدبيات الاستهلال الذي نبسطه تقديماً؛ (كتب فلان رحمه الله)؛ تأكيدا لمصداقية أن كل تقديم بمثابة وصية ميت ما دمنا لا نخطه إلا بعد أن ننتهي أو ينتهي منا الكتاب؛ علما أن الرحمة تجوز على من تحت الأرض أمواتاً ومن فوقها مازالوا يعيثون جراداً..!
لو كُتِب لي أن أكتب تقديماً لعملي الأدبي، سأجدني والحال فيه كلام عن النَّفْس مما يحتاج لكثير من علم النفس، أُقدِّمُ رِجْلا حتى أصل لآخر السطر، وأؤخر أخرى لأعود إلى أول السطر، فلا تخرج الكلمة أبداً من حَلْقِ قلمي، أو أستطيع وصْفاً لنفسي في كل ما كتبتُ ولو أُوتيتُ مَلَكَة رسام أعمى يمكنه نسخ وجهه كما لو ينظر إلى مرآة..!
إذا كانت المقدمة عتبة أولى في بيت الكتاب الفسيح، فهل يستطيع كاتب أن يحول نفسه إلى مجرد عتبة تطأها الأقدام أو الأقلام، دون حاجة إلى أن تقرأ مقالا بالدخول إلى باقي أرجاء وأوراق البيت..؟!
لو كُتِبَ لي أن أكتب تقديماً، لن أُزيِّن نفسي كذباً بما أوتيت من استعارة في الأدب، وأستجلي مواطن الجمال في مقالات وُلِدت من رحم هذا القبح الاجتماعي الذي جعل الجميع بالنِّفاق وسِيما؛ لن أُلبسَني في التقديم حُللاً نسجتُها من عُرْي الآخرين، وأرش هذه الحُلل بعطر فاخر كي أداري تلكم الرائحة التي غدت جزءاً من أنفاسنا رغم أن واقعنا البئيس هو الذي يفشيها من أي تَحْتٍ بهواء كريه؛ لا أريد أن أُصَوِّرني بمُقَدِّمتي في أعين الناس على غير ما أنا عليه، بل أهْوِي بالجَلْدِ على هذه الذات كُلَّما بدا في ضميرها وَهَنٌ، ولا يهمني إذا قَلَبْتُ اسم كاتب أشهر المقدمات، لأسمي نفسي ابن جَلْدُون..!
لَوْ كُتِبَ لي أن أكتب تقديماً لخطوطي الوثيقة الشرايين بقلبي، لقلت بدون مقدمات لا تَضيّعُوا عَقْرَباً من وقتكم الثمين في سطور تمتد طولى كالثعابين، ولا تنطِقُ إلا سُماً قد يعتبره من كَسَر رأسه كالجوزة على حجر الحكمة، ترياقاً يُشْفي من سموم أخرى تبثها في عروقنا الحياة؛ فأنا في كل ما كتبتُ لا أقول إلا ما نعيش مُكرهين؛ ما جدوى إذاً أن تقرأ بكامل الإرادة شيئاً يُكررنا دون معنى، ولا تزيد سطوره في الحياة عُمراً..؟!
لا تقفوا في ما أكتب عند عتبة التقديم، وتتخذوا العناوين نوافذ لاختلاس القراءة، وتضيعوا باقي الخطوات كمن يحسب أنه يمشي وهو في الحقيقة يمشي في وهم السراب؛ أكره أن أوجزني في تقديم لا يُكلِّف جرعة حبر ، بينما ثمة في الكتابة حياة كالبحر أعْرضَ في طولها وأطول في عرضها؛ تقول كل شيء ولا تقول شيئاً في أفق لا ينتظر أحداً..!
هذا كلامي عارياً من كل تقديم، وأنا أيضاً عَارٍ بكلامي كما ولدتني أفكاري، ولا يُهِمُّني
حين يليه الصدى..!
( افتتاحية ملحق « العلم الثقافي » ليومه الخميس 14 ماي 2015 )
يجدر بكل تقديم أن يعتمد الديباجة الكلاسيكية التي سطَّر بلاغتها بحكمة أسلافنا في التراث الأدبي، فلا ننسى بعض أدبيات الاستهلال الذي تسبق عتبته أرجلنا في المصنّف سواء كان فريداً تَعْلقُ معانيه في جوارحنا مثلما تُعَلَّقُ الجواهر في الجيد، أو ثريداً لا يليه بعد الأكل إلا غسل اليدين من حبر يلطخُ حتى القلب؛ فنقول مثلا في بعض أدبيات الاستهلال الذي نبسطه تقديماً؛ (كتب فلان رحمه الله)؛ تأكيدا لمصداقية أن كل تقديم بمثابة وصية ميت ما دمنا لا نخطه إلا بعد أن ننتهي أو ينتهي منا الكتاب؛ علما أن الرحمة تجوز على من تحت الأرض أمواتاً ومن فوقها مازالوا يعيثون جراداً..!
لو كُتِب لي أن أكتب تقديماً لعملي الأدبي، سأجدني والحال فيه كلام عن النَّفْس مما يحتاج لكثير من علم النفس، أُقدِّمُ رِجْلا حتى أصل لآخر السطر، وأؤخر أخرى لأعود إلى أول السطر، فلا تخرج الكلمة أبداً من حَلْقِ قلمي، أو أستطيع وصْفاً لنفسي في كل ما كتبتُ ولو أُوتيتُ مَلَكَة رسام أعمى يمكنه نسخ وجهه كما لو ينظر إلى مرآة..!
إذا كانت المقدمة عتبة أولى في بيت الكتاب الفسيح، فهل يستطيع كاتب أن يحول نفسه إلى مجرد عتبة تطأها الأقدام أو الأقلام، دون حاجة إلى أن تقرأ مقالا بالدخول إلى باقي أرجاء وأوراق البيت..؟!
لو كُتِبَ لي أن أكتب تقديماً، لن أُزيِّن نفسي كذباً بما أوتيت من استعارة في الأدب، وأستجلي مواطن الجمال في مقالات وُلِدت من رحم هذا القبح الاجتماعي الذي جعل الجميع بالنِّفاق وسِيما؛ لن أُلبسَني في التقديم حُللاً نسجتُها من عُرْي الآخرين، وأرش هذه الحُلل بعطر فاخر كي أداري تلكم الرائحة التي غدت جزءاً من أنفاسنا رغم أن واقعنا البئيس هو الذي يفشيها من أي تَحْتٍ بهواء كريه؛ لا أريد أن أُصَوِّرني بمُقَدِّمتي في أعين الناس على غير ما أنا عليه، بل أهْوِي بالجَلْدِ على هذه الذات كُلَّما بدا في ضميرها وَهَنٌ، ولا يهمني إذا قَلَبْتُ اسم كاتب أشهر المقدمات، لأسمي نفسي ابن جَلْدُون..!
لَوْ كُتِبَ لي أن أكتب تقديماً لخطوطي الوثيقة الشرايين بقلبي، لقلت بدون مقدمات لا تَضيّعُوا عَقْرَباً من وقتكم الثمين في سطور تمتد طولى كالثعابين، ولا تنطِقُ إلا سُماً قد يعتبره من كَسَر رأسه كالجوزة على حجر الحكمة، ترياقاً يُشْفي من سموم أخرى تبثها في عروقنا الحياة؛ فأنا في كل ما كتبتُ لا أقول إلا ما نعيش مُكرهين؛ ما جدوى إذاً أن تقرأ بكامل الإرادة شيئاً يُكررنا دون معنى، ولا تزيد سطوره في الحياة عُمراً..؟!
لا تقفوا في ما أكتب عند عتبة التقديم، وتتخذوا العناوين نوافذ لاختلاس القراءة، وتضيعوا باقي الخطوات كمن يحسب أنه يمشي وهو في الحقيقة يمشي في وهم السراب؛ أكره أن أوجزني في تقديم لا يُكلِّف جرعة حبر ، بينما ثمة في الكتابة حياة كالبحر أعْرضَ في طولها وأطول في عرضها؛ تقول كل شيء ولا تقول شيئاً في أفق لا ينتظر أحداً..!
هذا كلامي عارياً من كل تقديم، وأنا أيضاً عَارٍ بكلامي كما ولدتني أفكاري، ولا يُهِمُّني
حين يليه الصدى..!
( افتتاحية ملحق « العلم الثقافي » ليومه الخميس 14 ماي 2015 )