محمد داني
الكتاب: القصة القصيرة عند نقوس المهدي
الكاتب: محمد داني
نوعه: دراسة نقدية
2018 الدار البيضاء
إهداء
إلى روح زوجتي ثريا رحمها الله التي اختطفها الموت مني في 19/6/2018
محمد داني
مدخل:
أصدر الأديب المغربي نقوس المهدي مجموعتين قصصيتين، الأولى (صنائع من نوبة عراق العجب)، منشورة عن منتدى مطر سنة 2014، تتكون من 95 صفحة من الحجم المتوسط. والثانية تحت عنوان (...إلخ)، منشورة عن رابطة أقلام احمر، في طبعتها الأولى 2014. تتكون من 82 صفحة من الحجم المتوسط كذلك. تتضمن الأولى ثمان قصص، والثانية عشرين قصة.
وتمثلان نقلة نوعية في كتابة القصة القصيرة عند نقوس المهدي، وتقدمان صورة مقربة عن تجربته القصصية، وفنيته في كتابة القصة القصيرة. وكل مضامين المجموعتين عبارة عن قصص نشرت في بعض الصحف المغربية وملاحقها الثقافية في نهاية السبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
لقد كان نقوس المهدي في كتابته القصصية يحاول أن يبني وعيه السردي، ويجعل له مرجعية اجتماعية قائمة على الوعي الاجتماعي والسياسي، والإيديولوجي. وقد انبنت هذه المرجعية على الانكسارات والهزائم العربية، أو التي عرفتها القومية العربية، وما عرفته البلاد العربية من أحداث 1965- 1967- 1970- 1973- 1975- 1979- 1980- 1981- 1991.
ونقوس المهدي يقدم من خلال هذين العملين تجربة قصصية متميزة، تمتاز بجديتها وتجريبيتها، وانتمائها الجلي للحساسية الجديدة موقفا وأداة. وكان مرجعه الاجتماعي العام المؤسس لوعيه ككاتب قصة، وكمبدع، هو مرحلة النكبة أو النكسة 1967، التي طبعت الأدب العربي كله في جميع المناطق العربية، وسنوات الرصاص التي أدت إلى ظهور الإيديولوجيات، والشعارات والصراعات، ثم خفوت اليسار والمد الاشتراكي، وظهور أزمة الهوية المغربية، وظهور طبقات سياسية جديدة.
وهنا يطرح سؤال إشكالي: هل كتابة نقوس المهدي إدانة لواقع مترهل ومتهلهل ومهزوز؟
- هل من ثمة حضر الهم الاجتماعي والسياسي في كتابته؟ وبالتالي انعدم البطل الوحيد الحامل للقصة، فكان الكاتب والذات والراوي المتكلم والأحداث والمجتمع كلهم أبطال قصصه.
" جيلك يا عباس كالنعام، ما إن يحبق به مكروه حتى يسارع إلى عقد مؤتمرات /مؤامرات يساعد بها على تعميق الهوة: هوة الشقاق ونكء الجراح القديمة والجديدة، الغائرة بوجه التاريخ كالبراز..
جيلك يا عباس جيل الوصاية والحكم الواحد الأحد والكذب والبهتان والابتزاز، والسرقات والزنازين والرصاص"[ - ناقوس،(المهدي)،صنائع من نوبة عراق العجب،مطبعة آنفو- برانت ، فاس، (د.ط)، (د.ت)، ص:15]...
- فهل تغير القيم وتفسخها وظهور أخرى جديدة كانت حافزا على الكتابة؟
- هل غياب القيم جعل نقوس المهدي ككاتب قصة يشعر بالغربة في هذا المجتمع؟ وتجعله يكلم نفسه ويناجيها ليعرف الأسباب؟
وفي كل هذا ووسطه نجد اهتماما منه للإنسان، ومعيشه والتحول الذي طرأ عليه...يعيش الاستلاب الذي أصبح مسلطا عليه..
كما اهتم نقوس المهدي في هذا الاصطخاب والتحول بالهم الوطني، والعربي والقومي. كما في قصة (العقيد)، والصراع العربي الإسرائيلي/ الصهيوني كما في قصة ( أمان يا لالا لي)..
لكن الانشغال بالهم الإنساني هو الغالب على المجموعتين. فهو يقدم تأملات في الحياة، وصور متنوعة للإنسان العربي عامة، والإنسان المغربي خاصة.. في أحلامه ، وفي شعوره بغربته.. في نظرته للحياة، للإنسان، وللمجتمع، وللقضايا الكبرى.. ومن خلال هذا الانشغال نكتشف إدانة نقوس المهدي للواقع.. إدانته للمجتمع برمته.. إدانته للإنسان. بالإضافة إلى تعريته للتناقضات والتفسخات التي بدأت تظهر وتستشري.. " إن الحياة جميلة، لكن حينما نساوم من أجل اللقمة والحرية، والمساواة والعدالة، ومن أجل كرامتنا.. تفقد الحياة حلاوتها وتبدأ عملية لف حلزونية تسقطنا في جحيم العدمية، تحرقنا، تذيبنا وتفنينا. هكذا يدفع الفقر الأغنياء لافتراس المستضعفين وشرب دمائهم الجارية بشبكة العروق"[ - صنائع من نوبة عراق العجب، ص:11].
وهذه التقلبات والتفسخات الحياتية، والمجتمعية خلقت لنا إنسانا انهزاميا، مقهورا، يحس بالحزن والهم والغربة. يغرق في التفكير، والصمت، وتأنيب النفس، والنكوص، والارتداد إلى الوراء، وإلى الماضي والغرق في الأحلام... " تحزن يا عباس.. تمشي نحو البحر، تغد السير دون التفات. أمامك الموج يعلو بتطاول وشموخ.. يتسابق كقطعان أفراس جامحة.. تندفع بقوة تنطلق، تتطاير فتحجب الأفق البعيد.. وراءك هموم الدنيا .. الغلاء، الحروب، الرشوة، العطالة، التخلف، تلهب ظهرك كالسياط" (ص:14).
وهذا الإنسان المقهور المطحون، والذي صوره نقوس المهدي في ظل مجتمع مهلهل، مشروخ.. وجعل منه بطلا لقصصه، وأعطاه لقبا واسما.. " عباس".. عباس المغربي، عباس العربي، عباس الإنسان، عباس المغترب داخل بلده وأرضه.
وقد تجلت فنية نقوس المهدي حينما أعطانا بطلا، ذا نفسية مهزوزة، ومعنويات محطمة. ومن هنا جعله نقوس المهدي يفر من هذا الصراع النفسي الذي يعيشه. ومن هذا الهم الذي يغلفه.. ومن هذه المأساوية التي يعيشها والسوداوية التي ينظر بها الحياة.
وهروبه وفراره كان بخمس وسائل: (الموت – الحلم - الهجرة والرحيل – الصمت - المناجاة).. كما في قصة (العقيد)، الذي فضل بطلها الموت والانتحار.. وقصة (من هموم امرئ القيس الدائرية)، الذي فضل بطلها (امرؤ القيس) الهجرة والرحيل إلى روما عوض مواجهة المشاكل، وإيجاد حل لها.
والموت الذي يلجأ إليه البطل، إما موت حقيقي، أو موت مجازي، والذي يتمثل في الصمت والانعزال والانكماش...
وفي قصة (البحث عن عباس)، نجد البطل يفضل الصمت.." هكذا أنت دائما يا عباس، حينما تختلط عليك الأمور، تضع رأسك بين راحتيك، تعتصره، تطرق للأرض. تتحسر تتمزق أسى ولوعة.. تنفث آهات ،تعلن هذا العالم الموبوء.. تعبس بوجهه، تنفخ في الهواء الرطب، تهرب بنفسك من ضجيج المدينة، تدخل دروبا حلزونية.. يفتض بكارتها ضوء شاحب أصفر يطلي الجدران كالبيض المفقوس ويحيله كوجه شبح مسلول.
تهرب من ضجيج هذا العالم المفتعل، تنسل من ظلالك الواهية الرخوة المتواطئة مع الفقر، تهرب وتنغمس في الطلمة"(ص:12)..
والحلم والبوح جاءا عند نقوس المهدي في الاستهلال والختام. كما في قصة (البحث عن عباس). وقد قصد الكاتب نقوس المهدي إلى ذلك، ليبين أولا فداحة الواقع، وزلزاله النفسي والاجتماعي، وأثره على بطل القصة (عباس).. وأيضا، ليبين به الاستسلام الذي أصبحت تعيشه الشخصية، والانهزامية التي تشعر بها. فعوض أن يواجه المجتمع والمسؤولين، يواجه نفسه ويؤنبها، ويبوح لها بتذمره ويأسه.. فيثبت بالمجموعة القصصية ( صنائع من نوبة عراق العجب) البوح والمونولوج الداخلي (الحديث النفسي)، ليتبين المتلقي/القارئ مدى الإحباط والانكسار والفشل الذي وصلت إليه الشخصية.
فعباس أمام انهيار قيم المجتمع، والمفارقات والتناقضات الصارخة التي أصبحت تطبع الحياة الجديدة، وتصبغ المجتمع والعلاقات والإنسان بصباغتها.. وأصبح يحس معها باليأس والغربة، والخوف من المستقبل وعليه. وقد وصل جراء كل هذا إلى نوع من الهلوسة.. إلى نوع من الهذيان والذي تمثل في التساؤلات المتعددة، وفي الكلام مع النفس، وفي التأمل في الفراغ إلى غير ذلك.. وهذا كله إدانة للكاتب لواقعه ومجتمعه.. واحتجاج صارخ على الحياة وسبل الحياة التي تغيرت قيمها.
إننا نلمس أحيانا من خلال هذه الكتابة القصصية أن العالم في منظور نقوس المهدي أصبح لا اعتبار له، ولا قيمة له.. ولأن الحياة والمجتمع لا معنى لهما. إنها نزعة عبثية تلبس روح الكاتب.. نتمثل من خلالها بعض الأدب العالمي الفرنسي على الخصوص، حيث نلمس عبثية ألبير كامي، وأثر روايته (الغريب) في كتابته القصصية.
وما يلفت النظر في المجموعتين القصصيتين لنقوس المهدي، هو التجاوز للمعهود والخرق للموروث.. ولم يلتزم بما هو معروف في كتابة القصة القصيرة.. فهو لم يلتزم " باختيار للسرد المطرد، والاختيار الموزون للحبكة التي تنعقد بالتدرج ثم تنحل حسب توظيف العناصر المختلفة من حكي ووصف ، وحوار، وتأمل إلى آخره، بحساب واختيار من توقع النظرة العارضة بشكل عام والماكرة معا"[ - الصبروت، (ربيع)، قضايا القصة الحديثة،الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة، 1993، ص:143].. فنقوس المهدي واع بحركة التجريد والتجريب في القصة القصيرة. لذا لم يلتزم بما هو معروف، ولم يتبع قواعدها القديمة.. ومن ثمة فهو اختار الكتابة عن أزمة، وتأملات في هذه الأزمة.. " فلم يعد من المهم إطلاقا أن تكون هناك فرشة، ثم حبكة، ثم لحظة تنوير، إذ يمكن أن تقتصر القصة القصيرة في هذا التصور على فرشة واحدة، أو على لحظة الأزمة فقط.. وهذا يؤدي إلى أنه لم تعد الرسالات جاهزة.. لم تعد المعرفة قائمة مسبقة في عالم مثالي مسبق، وقبلي، وفلسفي جاهز. بل أصبحت الخبرة الفنية سعيا متصلا نحو المعرفة، وهو ما يؤدي إلى النص المفتوح، أو المتعدد الدلالات، الذي هو أحد أهم سمات التغير الآن"[ - الخراط،(إدوارد)،الحساسية الجديدة، دار الآداب،بيروت،1993، ص:340]...
ومن هنا نطرح سؤالا:
- هل نقوس المهدي يقدم لقارئه نصا قصصيا مفتوحا؟
- هل يقدم له نصا قادرا على استثارته والدفع به إلى التفاعل والتفعيل؟
من هنا الكتابة القصصية عند نقوس المهدي تتداعى فيها الحبكة، ويختفي فيها الحدث.. وهذا ما يجعل منها نصوصا مفتوحة على كل تأويل.. وسنرى في قابل الورقات التقنيات التي اعتمدها نقوس المهدي في كتابته القصصية..
وعندما نتمعن الكتابة القصصية لنقوس المهدي، نجده يدمج الواقعي بالغرائبي لكسر أفق توقع انتظار المتلقي، الذي كان ينتظر قصة مثالية ذات موضوع واحد، وخطية ملتزمة ، اعتاد عليها..
ونقوس المهدي يروم من ذلك كله أن يخلخل قناعات المتلقي، والدفع به إلى التشكيك في ما هو واقعي، وما هو حقيقي ملموس.
كما نجد الأحداث في مجموعتيه القصصيتين لا تخضع لسياق منطقي. وهنا يدخل المتلقي على الخط ليبدأ عملية التأويل، وعملية إعادة الترتيب والتنظيم. فيتحول هذا المتلقي إلى منتج.. يتحول إلى متلق نموذجي فعال.. وهذا ما يريده نقوس المهدي.. يريد متلقيا منتجا، مشاركا فعالا.. فالأدب والفن الحديثان أصبح هذا هو سمتهما الجديدة.. " حيث أصبح العمل الفني الواحد يتعدد إدراكه بقدر تعدد متلقيه، ذلك لأنه أصبح أكثر اتصالا بعالم المشاعر الداخلية، وهو عالم أقل خضوعا لقوانين العقل وقواعد المنظور المتفق عليها،بحيث لا يفرض على المتلقي إدراكا محددا ، بل يتيح له فرصة تذوق العمل الفني بوسائل تتجاوز مجرد الحواس الخارجية، وتتصل بدورها بالعالم الداخلي للمتلقي"[ - الشاروني،(يوسف)،القصة تطورا او تمردا، الهيئة العامة].
فهل الحقيقة نهائية في كتابة نقوس المهدي القصصية؟
إن الحقيقة التي يصورها المهدي نقوس هي حقيقة نسبية.." لا تتسم بالثبات بقدر اتسامها بالديناميكية[ - ربيع الصبروت، المرجع نفسه، ص: 102].. وما يقدمه نقوس المهدي كرؤية تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات، والتأويلات...
الشخصية والزمن
"عباس" شخصية محورية أساسية بالإضافة إلى شخصية الموقف البؤرة. وبما أن عباس شخصية محورية، فهو شخصية نموذجية. فهي " تشكل المطلب الأسمى في الإنجاز الفني، والوصول إليها يتطلب قدرة فنية متطورة، فهي تتجاوز حالة العكس الفوتوجرافي للواقع، ولكنها تبقى منتهية لأنها تستمد جذورها منه. إنها الطموح والحالة الأرقى فنيا"[ - رضوان،(عبد الله)،النموذج وقضايا أخرى،منشورات رابطة الكتاب الأردنيين،عمان، 1983، ص:47].. وأحيانا جاءت الشخصيات المرافقة والمساعدة بدون اسم أو مسمى، أو وصف وتوصيف. ولكنها استطاعت أن تشخص واقعها وتمثل ظروفها، وعصرها ومرحلتها، وتصوره أحسن تصوير.
وعباس- كما أسلفت- شخصية مأزومة، منكسرة، يائسة، لا تشعر بالأمان، يتلبسها الخوف والشك والإحساس بالضياع. تعيش قسوة الواقع وعذاباته.
وأبرز ملامح هذه الشخصية هي الشعور بالغربة والتغريب، والتشييء.. وكثيرا ما تتعالى هذه الشخصية على الواقع، أو تتستر وراءه، وتتخفى به، أو تستسلم له.
والاغتراب تجربة نفسية شعورية عند الفرد، تتصف بعدم الرضا والرفض والإحساس بان هوة فسيحة، عميقة، تفصل بين العالم الواقعي الذي يعيشه العالم المثالي الذي يصبو إليه[ بركات،(حليم)،الاغتراب والثورة في الحياة العربية، مجلة مواقف ،لبنان، العدد الخامس ، السنة الأولى، أغسطس 1969، ص:21]..
والزمن في بعض قصص المجموعتين القصصيتين، يبدو غير محدد.. لا نعرف أنهار هو أم ليل، صيف أم شتاء... ونجد أن زمن بعض الشخصيات (امرؤ القيس) هو ليل يطاوله.. فامرؤ القيس المثقل بالأحزان، والغم والهم يضيف إليه الليل قلقا وضيقا، ويجعل الزمن ثقيلا...
" حين زارني امرؤ القيس ذاك المساء البعيد، كانت الإذاعة تبث أخبار الانقلاب العسكري الذي أطاح بعرش والده الملك حجر الكندي. المذيع يقرأ البلاغات، الموسيقى العسكرية الصاخبة تصدح"(ص:14).
ونقوس المهدي قد برع في أن يجعل الزمن متقايسا مع الحالة النفسية للشخوص.فالحاضر يستحضر الماضي وينتقل إلى المستقبل ليعود إلى الحاضر.. ويلعب أحيانا الحلم والمناجاة (النجوى)، وتيار الوعي (المونولوج الداخلي) دورا في اطراد الزمن.
صحيح، أن زمن الشخصية امرئ القيس هو زمن ليلي، إلا أنه زمن نفسي، تكثر في مواقفه المناجاة، والتمني، والارتداد إلى الوراء، والحلم...." حين علم امرؤ القيس الخبر، قال ببرودة أعصاب بالغة: اليوم خمر وغدا أمر، والحكاية أنني قلت له: قم أيها الشاعر لقد هدك الزمن وغدر بك القدر.. سيفك الظمآن يود الخروج من غمده ومخبئه، جرده من الحرمان والكبت الدموي. أدخله ذاكرة المجد، اترك قلبك الحجري يتخثر بين سعف النخيل، يعلن التمرد على أصنام العشق وهوى الخليلات. فرك عينيه المحمرتين من السهر، وقال ببرودة مستعينا بهزة من كتفيه: اليوم خمر وغدا أمر. فأضحى بطرية آلية شاعرا ضليلا"[ - نقوس،(المهدي)، إلخ... ص: 15].
وكما نعلم أن المقطع القصصي الذي تم فيه الاعتماد على المناجاة، وتدفق تيار الوعي، تأتي الحبكة هشة وغير ضرورية. ويصبح منطق التراتب الزمني غير وارد فيها[ - د. موسى الخطيب،(أحمد)،الحساسية الجديدة،قراءات في القصة القصيرة، الأردن،ط1، 2008، ص: 30].
" هكذا أنت دائما يا عباس، حينما تختلط عليك الأمور، تضع رأسك بين راحتيك، تعتصره تطرق للأرض، تتحسر تتمزق أسى ولوعة.. تنفث آهات تلعن هذا العالم الموبوء.. تعبس بوجهه تنفخ في الهواء الرطب، تهرب بنفسك من ضجيج المدينة"[ - صنائع من نوبة عراق العجب، ص: 12].
إن الزمن هنا زمن نفسي.. والإنسان يسبح من خلال جريان الزمن في البواعث التي تتكون منها الحياة[ - عبد الدايم،(يحيى)، تيار الوعي،مجلة فصول،الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة،المجلد الثاني،العدد 2، 1982، ص: 156].
اما المكان الموظف هو كذلك مكان نفسي،يعبر عن القلق النفسي الذي تعيشه الشخصية، ومن ثمة نستنتج أن المكان يتميز بضيقه، وانغلاقه، وبالتالي يبرهن عن الشعور بضيق المكان والشعور بالقلق فيه.. وخارج المكان وداخله تعبير صريح عن أزمة الشخوص وقلقها، وأحيانا يتوازى الداخل مع الخارج..
وأحيانا يأتي المكان معادلا موضوعيا للواقع، ولو أن في بعض القصص يكون هذا الواقع متخيلا وكذلك المكان.. ومن ثمة تحدث توازيات ما بين المكان المتخيل والواقع، ودواخل الشخصية المصطخبة.
الخطاب القصصي وتنوعه
عمل نقوس المهدي على تطوير خطابه القصصي، حيث تجاوز فيه نقاء الجنس الأدبي. فقد انفتح في كتابته القصصية على أجناس أدبية أخرى، وتم توظيفها في خطابه القصصي.
ففي مجموعتيه القصصيتين، نجده مهتما ومنشغلا باللغة، والتسامي بها، وشحنها بالإيحاء والرمز، والشحنات الوجدانية. وتوسل إلى ذلك بوسائل عدة، منها: توظيف التراث الشعبي والمتمثل في بعض كلام أغاني ناس الغيوان، كما في قصة (البحث عن عباس)..
"-1-
العشية عشات والليل راح
محلى اللغا يدور بين الملاح
الورد اعطى ريحتو والذات ما زالت حزينة
والدم جف والذات يا حسرة ما زالت حزينة
يا ناس وما انتوما ناس
يا لزايدين المهموم في همو
يا لمعاونين الظالم على ظلمو
-2-
تشرب قهوتك يا عباس. قهوة سوداء كالليل مع قليل من السكر. أنت لا تعشق سوى ذلك،لأن كأسا مترعة بالسائل الأسود، بعد ساعات العمل المضني، تجعلك بمنتهى الخفة والرشاقة"[ - صنائع من نوبة عراق العجب،ص:9]..
وتوظيف الكلام المأثور كما في قصة ( الحمرية).." ... هناك في عرض البحر صيادون غمرت قاربهم المياه. يتضرعون، ويطلبون الإغاثة من الحمريات، وأهل الكرامات، ومستجابي الدعاء
أمولات النوبة
نترجاوك
شفعي لبنا عند مولاك
يفرج وحلتنا
يفاجي محنتنا
غير هذي والتوبة
وكأنما رأتهم في منامتها بأم العين، وسمعت نداءهم، وهم قاب فرسخ أو أدنى من الآخرة"[ - ...إلخ، ص: 66]...
أو الكلام الموزون المأثور، كأقوال سيدي عبد الرحمان المجذوب.. كما في قصة (رحلة عباس السابع)...
" أضرب الماء بكلتي يدي.. والماء حينما يتوالى عليه الضرب لا يزداد سوى صلابة...
قلبي جا بين ليدين الحداد //// والحداد ما يحن ما يشفق عليه
يردف لو الضربة على الضربة //// إلا برد يزيد النار عليه
هكذا يقول شيخنا سيدي عبد الرحمن المجذوب في رباعياته.إنسان عركته الحياة وهمشته وازدرته وجعلت منه مجنونا يلغط بالحكمة"[ - صنائع من نوبة عراق العحم،ص:82].
ويوظف كذلك بعض مأثورات الصوفية والزهاد ومعجمها التعبيريي والتصويري. كما في قصة (مواقف ومخاطبات لا تلزم النفري...)." ثم أوقفني على بسيط الماء، وقال : هذا موقف أفتيناه بإفتاء مليح، وأفعاله ليست تحد، ومنه وبه وفيه وله وعنه وعليه ما لا يعد ولا يحصى، والماء، مياه، ماء الوجه، وماء الحياة، وماء الصلب والغدد، وماء العيون، فماء الوجه يكسب المهابة.
وماء الحياة يجلب الكآبة.
وماء الصلب والترائب يحدث الجنابة.
وماء العين يوقظ الصبابة"[ - ...إلخ،ص:36]..
- تضمين الأشعار في خطابه القصصي:
كما يلجأ نقوس المهدي- أيضا- إلى تضمين خطابه القصصي بعض الأشعار. فيمتزج في كتابته القصصية الحسي بالمعنوي، والحقيقي بالحلمي. كما يوظف الثنائيات والمزاوجة والتضاد. وهذا كله لتجسيد رؤيته الخاصة، كما في قصة (هكذا تكلم عباس الرابع)، والتي تقول: " يقولون إن الحسن إذا زال تبقى حروفه، وأمي كانت أجمل فتيات الدوار على الإطلاق، لا تعرف الفرق بين الألف وعكازة جدي، ولا بين اللام وعصا الطبل، تصارع الفتية من أجل صفاء عيونها، هي الآن غزا الشيب مفرقها.
أمي يا مرارة الفصول
جميلة أنت كحلوة النبع
كاليا نصيب وفض البريد
كالشوق المعسكر في الترائب
كانتهاء سنين الجذب
كأوهام الطفولة
واللقاءات الحميمة
هي ذي مفاتن المحبة
وفاتحة الهذيان
والعشق الطاعن في الغياب
واحتمالات اشتعال النشيد
لك أنت أعلن أني العاشق لكمياء الحقيقة
وللأشياء البسيطة ألفتي
أتوحد في شهقة الكبرياء
وأسقط الصريع المتأجج على الرصيف
أراوح بين تضاريس هذا النزيف
في لغة تنادم في براءتها شحوب من يزرعون لهفتهم في حنايا الرغيف
لك المحبة ذاتها
والأشواق ذاتها
والحب ينشر أهدابه على هذا العشق الأليف
كنت وقتها أستخف بمهن الجيش والتعليم والتمريض والبريد والتجارة والنجارة، وتصفعني كلمات الوالد، أكتافك كأكتاف البغل، خير لك لو أصبحت دركيا"[ - صنائع من نوبة عراق العجب،ص:67]...
وإذا قمنا بعملية إحصائية نجد أن المجموعة القصصية الأولى (صنائع من نوبة عراق العجب)، تتضمن / قصائد شعرية وزجلية، مما شكل في نسيجها القصصي 119 بيتا شعريا.
وفي المجموعة القصصية الثانية (...إلخ)، فقد تضمنت 12 قصيدة، مشكلة بذلك 163 بيتا، وهي موزعة في قصص المجموعتين على الشكل التالي:
الجدول رقم:1 جدول التضمينات
المجموعة القصصية القصة الصفحة الشعر أو الزجل نوعه عدد الأبيات
صنائع من نوبة عراق العجب البحث عن عباس 9 العشية عشات والليل راح زجل 07
20 عبد الصنك المعبود يا قلوب الحجر زجل 13
تغريبة الفتى عباس الثاني 25 فمن لا دار له لا قبر له شعر 03
مخامرات عباس الثالث 37 وأنا أجري ولا ألتفت شعر 14
44 ونحن نجتاز أنهارا شعر 06
وأنا وحيد كما ترون شعر 16
هكذا تكلم عباس الرابع 53 وقف إطلاق النار شعر 07
هواجس عباس الخامس 63 أمي يا حرارة الفصول شعر 16
...إلخ من هموم امرئ القيس الدائرية 14 بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه شعر 02
14 طقس جميل شعر 14
آمان يا لا لا لي 25 خلفكم شوق وأمامكم شوك شعر 11
ونعرفهم أولئك الذين يعشقون الكراسي الأمامية شعر 10
السيف أصدق أنباء من الكتب شعر 01
هذا أنتم أيها الأجنة شعر 54
مواقف ومخاطبات لا تلزم النفري 36 يا أيها النفري بالأمس همت بك شعر 25
43 ودين الرب لم أجد أي بواب شعر 05
الحمرية 63 أمولات النوبة نترجاوك زجل 06
نصول الغواية والفتنة 71 فيخفق لهم قلب ويشط بهم خيال شعر 08
تضحية 77 تخرج في الصباح بصدر بارز شعر 15
الخندريس 80 لليل سره الباتع شعر 12
- توظيف المقاطع الغنائية:
كما انه وظف بعض المقاطع الغنائية (عيطة) لفنانة (شيخة) مغربية مشهورة، وهي (فاطمة الزحافة) من فناني السبعينيات، في قصة (هواجس عباس الخامس)...
" لا زلت أتذكر ذلك اليوم الذي عدت فيه بالشهادة الابتدائية. كانت أمي تضحك وتزغرد وترقص، وزوجة عمي تلوي عجيزتها الوثيرة التي تشبه سلة البطاطا وتتمايل على طست الغسيل، والبيت تفوح منه روائح الطبيخ سبعة أيام بنهاراتها ولياليها.
"ضحكت لالة حتى بانو الأسنان
أربي
جوهر ما يدخل للدلالة"
هكذا تردد فاطمة الزحافة، وكذلك كانت أمي، وجهها كاللجين كان، والجبهة قمر تموزي. القد زيتونة، والشعر كالسيسبان"[ - صنائع من نوبةعراق العجب، ص: 67].
او بعض المقاطع من أغاني ناس الغيوان..
- توظيف الثنائيات والتضاد:
كما وظف الثنائيات والمزاوجة والتضاد، كما في مجموعته القصصية (...إلخ) في قصة (من هموم امرئ القيس الدائرية)، والتي يقول فيها: " ... وأنا المهاجر العربي أعيش في استسلام، أشتم رائحة الخيانة، والدعارة والاستسلام، وأعلن أني طيب الشرق بالغرب. ورائحة الجنوب بالشمال. عبير الانهيار والخزي وبيع الأوطان بالمجان، السباكيتي، كوكاكولا، بيبسي كولا، مالبورو، ونستون، كنت، سالم، الماكدونالدز، بيع الأوطان في المزاد العلني، الاغتيالات، الاستغلال، عرب الأمريكان وعرب إيران.. العرب العاربة، والعرب المستعربة، العرب العاربة والعرب المتعربة.. عرب عدنان وعرب قحطان، عرب سات وعرب سالت، عرب المشارق وعرب المغارب، عرب اليمين وعرب اليسار، عرب النفط وعرب الزفت، عرب الهند وعرب السند، عرب الكفاح وعرب النكاح.."(ص:20).
وهذا كله لتجسيد رؤيته الخاصة، وبسط فنيته وتكنيكه القصصي.
- توظيف التراكمية:
ولا يقف نقوس المهدي عند هذا الحد، بل نجده في كتابته القصصية يوظف التراكمية... كما في قصته (مخامرات عباس الثالث) (ص:37)، من مجموعته القصصية (صنائع من نوبة عراق العجب)... " أما اللصوص الكبار، الدهاة، المرتشون، المهربون، المخربون، المحتالون، الحاقدون، المخادعون، المفسدون، المقامرون، المتسلطون، المتخاذلون، المتلاعبون، المستهترون، الأنانيون، المزورون، الماكرون، لخونة الذين يهربون الخيرات ويبيعون الوطن فتلك حكاية أخرى"..
ففي هذا المقطع، نجد تراكما للأوصاف (الصفات المشبهة باسم الفاعل،وأسماء الفاعل) (المشتقات).. ليبين هول الواقع، ودناءة الشخصية التي تشكل هذا الواقع، وسفالته.
ونجد التراكمية في مجموعته القصصية الثانية (...إلخ) ففي قصة (من هموم امرئ القيس الدائرية)..." ... وأرض تضحك، وأرض تعبس، وأرض تضمك، وأرض تلفظك، وأرض تبلعك، وأرض ترفعك، وأرض تبسطك، وأرض تطويك، ويجيء جوع، ويجيء عطش، ويجيء نصب، ويجيء ضياع، ويجيء تعب، ويجيء ظنك، ويجيء احتيال، ويجيء حرمان، ويجيء حنين، ويجيء ضياع، ويجيء حزن، ويجيء قهر، وتدمى قدماك، وتتدمل رجلاك، يفزك، يغيظك، ويراقصك، سوف وسوف وسوف، وتعرف بعدما بأن الحياة صارمة جدا جدا يا ولدي؟"(ص:16).
فنقوس المهدي يوظف هذا التراكم للتعبير عن التمزق الذي تعانيه الشخصية، واللحظات الحرجة التي تمر منها. كما في قصة (رحلة عباس السابع) من مجموعته القصصية الأولى.." وهدير الموج يدفعني ويجرني، يغمرني ويسحبني، يرميني ويتلقفني. يبسطني ويقعدني كأني بين يدي محقق . أتصبب عرقا، أتبول، وأضرط وأتغوط، وألهت من شدة الإعياء، والتعب والجوع والعطش" (ص:84).
كما يتحول هذا التراكم إلى حدث يجسد به أزمة الواقع العربي وتفاهته.. " يلقى علينا القبض في ظلام الفيافي لنودع في ظلمات الثلث الخالي بتهمة التسلل خارج تخوم الإمارة وتخريب الاقتصاد العالمي، وتحميل الميزانية الوطنية تكاليف إضافية من استضافة وإيواء ووجبات الخنافس المتبلة بحبات الفول والعدس والفاصوليا.. ونحن لا نود ملاقاة المالح بقسط من الأسى والفرح الغامض كأعمى المعرة مستطيعون بدليلنا، وهم يستطيعون بما أعدوا لنا من البصاصين والهراوات، والسلاسل، والزنازين، والكوابيس، والقهر، والعيون العمشاء، والحواسيب المبرمجة بالكذب، والتزوير، والولايات اللقيطة، وسرقة أموال الغلابة من الشعب، والفرمانات المزيفة والحروب الأخوية العدوانية الشرقية الغربية العشوائية التجريبية التخريبية العرقية الأهلية، الضارية الشرسة الطائفية الدموية الثأرية القبلية الاستنزافية الباردة اللامجدية واللانفعية"(ص:73).
- توظيف المقاطع التسجيلية التوثيقية:
كما وظف نقوس المهدي تقنية جديدة في كتابته القصصية، وهي: دمج المادة التسجيلية، التوثيقية، وهي لغة الوثائق والتقارير والمستندات والصحف، وتوظيفها في خطابه القصصي، وفي سرده، " وهي تقنية تستدعي الواقع استدعاء يفي بمتطلبات العمل الفني، وينتهي في النهاية إلى الارتباط اللصيق بشكل خاص لهذا الواقع"[ - الخراط،(إدوار)،الحساسية الجديدة،ص:29
انظر كذلك:آليات السرد في القصة القصيرة، مجلة فصول ،المجلد 8،العدد ¾،1989، ص:129].
وقد وظف هذه التقنية في مجموعتيه القصصيتين، وقد نجح في هذا التوظيف، وجاء خطابه متناسقا، منسجما وأكثر تأثيرا، ومنسجمة مع رؤيته، كما في قصة (البحث عن عباس)، حيث تم توظيف نشرات الأخبار لإذاعة البي بي سي عن (أثمان الذهب):
" سوق لندن 850 دولار.
سوق زيوريخ 842 دولار.
سوق هونغ كونغ 856 دولار.
لوحظ تهافت الزبائن على مكاتب الصرافة والبنوك التي يبقى بعضها مفتوحا إلى آخر منتصف الليل والناس جد متخوفين من نشوب حرب كونية ثالثة"[ - صنائع من نوبة عراق العجب، ص:14]..
وكذلك في قصة (من هموم امرئ القيس الدائرية) من مجموعته القصصية (...إلخ)، حيث نجد توظيفا للأخبار والبلاغات الوزارية..." تلبية لدعوتنا بإحياء تراث فقيد الشعر العربي الشاعر امرئ القيس، فقد حضر إلى مقر وزارتنا في الوقت والزمن المناسبين العديد من الأوانس والسيدات بأحسن ما لديهن من أزياء وعلى وجوههن ما جد في الأسواق من أصباغ ومراهم.. كذلك حضر لعين المكان المصورون ورجال الصحافة المسموعة والمرئية. وقد قمنا بجمع ما قاله فيهن من أشعار بحكم تشبيبه فيهن أو صداقته لهن، وسوف نصدر كل ذلك في ديوان شعري على أن تصدر بعده نسخات مزيدة ومنقحة"(ص:22).
- توظيف الرسالة:
ونقوس المهدي قد ضمن خطابه القصصي تقنية أخرى : هي الرسالة. وهي هنا لون متخيل، ومن ثمة أصبحت الرسالة في نسيجه القصصي سيرورة قصصية.
صحيح، أننا لن نخلط المعنى الحقيقي للرسالة عامة مع معناها لعى اعتبارها إحدى مقومات القصة او الكتابة القصصية التي اعتمدها- كما يؤكد ذلك تزيفتان تودوروف[ - تودوروف،(ت)، الأدب والدلالة،ترجمة، د. محمد نديم خشفة،مركز الإنماء الحضاري لدراسات والترجمة والنشر،حلب، سورية، ط1، 1996، ص:10]..
والرسالة تمثل منطوقا لشخصية معينة. وهي وجهة نظر . وأنها قناع من الأقنعة التي تتخذه الشخصية. ولها وظيفة الأسلوب المباشر.
والأسلوب المباشر إذن وسيلة تجعل القارئ في الوقت نفسه، إما أكثر أو أقل اطلاعا من الشخصيات على تطور الحبكة، وليست الرسائل سوى تجسيد خاص لهذه الإمكانيات العامة التي يتيحها الأسلوب المباشر[ - المرجع نفسه، ص:35]..
والرسالة كوحدة منغلقة، تنتج انقطاعا في استمرارية السرد. كما أن الرسالة تتيح للسرد إمكانية التفتيت Déformation المؤقت للأحداث. ويعمد التفتيت إلى زحزحة التطابق بين النظام التتابعي للأحداث، ويعمد كذلك إلى زحزحة التطابق بين النظام التتابعي للأحداث الموصوفة، وبين نظام تواليها[ - المرجع نفسه،ص:36]..
كما أن النص القصصي يأخذ واقعيته أو بعده الواقعي بواسطة هذه الرسائل.
وفي المجموعة القصصية الأولى ( صنائع من نوبة عراق العجب)، نجد توظيفا لتقنية الرسالة، كما في قصة (البحث عن عباس)، في المقطع 12:
"- 12-
رسالة إلى إنسان
من السيد عباس .. أول السيل وآخر أجراس الصحو أنت. أول التذكر والتفكر أنت. وأول الشكر هم الذين يشعلون نيران الفتنة و"السيبة"، يحرقون الغابات، يفقئون كبرياء السمعة ويلوثون صفاء الدمعة.. يدحرجون الشمس إلى مرافئ الغروب.. يطمسون وجهها اللجيني ويصادرون دفئها.. ويمنعونها من ملامسة أجساد الأطفال ووجه المدى وملاطفة الندى"(ص:17).
العنونة
اهتم نقوس المهدي كثيرا بالعنوان الخارجي والداخلي. وهو يعرف ما للعنوان من أهمية وأدوار في عملية التلقي والتأويل.
والعناوين الخارجية والداخلية التي اختارها نقوس المهدي لها أكثر من دلالة.. وتجعل الوقوف إليها طويلا . وتشكل هذه العناوين شبكة محاور سردية تتلاحم فيما بينها لتعطينا كتابة قصصية جديرة بالوقوف إليها.
فإذا ما أخذنا المجموعة القصصية الأولى، نتساءل:لماذا هذا العنوان؟ ماذا يتغيى نقوس المهدي من روائه؟. ما هي الإشارات أو الإضافات التي يتضمنها ويطرحها هذا العنوان؟.
عندما نقف إلى العنوان (...إلخ)، أي (واستمر الأمر هكذا) و(تتابع القول إلى ما لا نهاية).. فهو عنوان مشوش، يولد لدى المتلقي مجموعة من اللبوسات. ماذا بقصد نقوس المهدي بهذا العنوان؟
الحيرة لا تطول كثيرا. فعندما نعود إلى المقدمة التي أثبتها نقوس المهدي تحت عنوان (قبل البدء) بالصفحة 6، ونقرأها جيدا، نفهم قصدية هذا العنوان وهدفيته.
أول ما يفاجئنا في هذه المقدمة، هو: تأكيد نقوس المهدي على أن هذه المجموعة القصصية قصصها عبارة عن أوراق وجدت بالصدفة أثناء البحث عن أسرار قديمة خلال ليلة مؤرقة، خاصة وأن أكثرها نشر ببعض الجرائد المغربية والتونسية، وبعض المجلات العراقية.
وهذه الأوراق تؤرخ لعلاقة الراوي بالبطل، والاتهامات التي يكيلها البطل للراوي ، خاصة فيما يخص الكتابة القصصية.. واتهامه له بخرق شرط الكتابة، والمآزق التي يضعها فيه، والصراع الذي يوقعه فيه مع القارئ.
والكاتب يعيد الماضي، لا ليحيي التاريخ، ولا ليعيد الماضي، ولكن ليبني عليه المستقبل، وليؤخذ منه العبر والدروس..
وفي مراجعة الذات هذه، تأتي هذه القصص العشرون كمتواليات قولية، أو فائض حديث.. إلى ما لا نهاية، أي مستمرة ودائمة، ولذا نجد الكاتب عبر عن هذه الاستمرارية بــ ( ...إلخ).
أما العنوان (صنائع من نوبة عراق العجب)، فهو عنوان تناصي. من خلاله نستحضر صنائع الطرب الأندلسي.. وقد جاء العنوان موازيا لنوبة أندلسية هي (صنائع من نوبة عراق العجم)، وهو توار عددي..
صنائع / من/ نوبة/ عراق/ العجب
صنائع/ من/ نوبة/ عراق/ العجم
1 / 2 / 3 / 4 / 5
والنوبة الأندلسية، هي: صنائع لحنية، تتألف من خمسة أقسام. كل منها يسمى باسم دور الإيقاع، وهي: ( البسيط - القائم ونصف - البطايحي- القدام - الدارج).. وهذه الكتابة هي نوبة قصصية، ورؤية.
والصنعة في الموسيقى الأندلسية تتكون من لحن وميزان. وفي كتابة نقوس المهدي الصنعة هي الفنية التي تتكون من أحداث وتقنيات، وبالتالي جاءت قصصه عبارة عن صنائع حاملة للفن والعجب.
التصدير
التصدير مصاحب نصي استشهادي. ويأتي على رأس النص الإبداعي. وقد وظف نقوس المهدي التصدير، خاصة الاستهلال . l’épigraphe liminaire ويهدف منه توجيه أفق انتظار القارئ وتوسيع أفقه الثقافي. وقد قام بانتقاء هذه التصديرات والتي تبين اتساع أفقه الثقافي واطلاعه الواسع. وجل التصديرات التي وظفها هي تصديرات غيرية Epigraphe allographe.. والتصدير حسب جيرار جنيت: هو حركة صامتة تأويلها موكول للقارئ[- منصر،(نبيل)، الخطاب الموازي، دار توبقال للنشر، ط1، 2007، ص:60..].
وقد أثبته نقوس المهدي ليقوم بوظائف متعددة، منها:
- التعليق على العنوان.
- التعليق على النص.
- تحفيز القارئ، وتصعيد حساسيته.
- تزكية النص وتوفير كفالته النصية.
والتصديرات التي استهل بها نقوس المهدي قصصه، جاءت متنوعة، سردية وشعرية. وعددها 8، أي كل قصة افتتحت بتصدير يعتبره القارئ متعاليا نصيا.. وهي كالتالي:
الجدول رقم: 2 جدول التصديرات
المجموعة القصصية القصة نوع التصدير مصدره مؤلفه
صنائع من نوبة عراق العجب البحث عن عباس سردي وردية ليل ابراهيم أصلان
تغريبة الفتى عباس الثاني شعري رماد هسبريس محمد الخمار الكنوني
مخامرات عباس III شعري ؟ نازك الملائكة
هكذا تكلم عباس الرابع شعري أعلنت عليكم الحب عبد الله راجع
هواجس عباس الخامس سردي ؟ مجهول
رحلة عباس السادس شعري كبوة الريح أحمد المجاطي
رحلة عباس السابع شعري ؟ مجهول
تراجيديا بزمن الحزن شعري المصحف الهجري محمد الماغوط
...إلخ العقيد شعري اكتب الحياة عبد اللطيف اللعبي
من هموم امرئ القيس الدائرية سردي هكذا تكلم زاردوشت نيتشه
آمان يا لا لا لي شعري ؟ عبد القادر وساط
مواقف ومخاطبات لا تلزم النفري نمنمات المواقف والمخاطبات النفري
جئت لأزف إليكم بشرى موتي حكمة ؟ الواواء الدمشقي
يا أيها الغالب في مدائحي سردي ؟ د.محمد جسوس
سهرة مع الثعابين سردي شرق المتوسط عبد الرحمن منيف
وليمة سقراط الأخيرة سردي ؟ قراط
الحمرية لا يــــــــــــــــــــــــــــــــــــوجـــــــــــــــــــــد
حينما كان الحب ديني وإيماني موشح ؟ ابن غرلة
أكبادنا عشب هذا الربيع شعري ؟ محمود درويش
فصوص الغواية والفتنة شعري ؟ يوبي آي
المدام ذات الكعب العالي لا يـــــــــــــــــــــــــــــــــــوجــــــــــــــــــــــــد
الكوابيس لا يـــــــــــــــــــــــــــــــــــوجــــــــــــــــــــــــد
إعدام عاشق شعري ديوان قراءة تامة حميد سعيد
تضحية شعري ؟ المتنبي
قناعة لا يـــــــــــــــــــــــــــــــــــوجــــــــــــــــــــــــد
شرف لا يـــــــــــــــــــــــــــــــــــوجــــــــــــــــــــــــد
الخندريس شعري ؟ محمد الماغوط
أعض على أناملي ثملا بالفجيعة شعري ؟ محمد الماغوط
من خلال الجدول نلاحظ أن المجموعة القصصية (...إلخ) تتضمن خمس قصص جاءت بدون تصدير. وقد شكلت نسبة 25%. في القصص المستهلة بتصدير في المجموعة القصصية الأولى شكلت نسبة 100%، أي أن كل نصوصها تقدمها تصدير غيري، أما في المجموعة الثانية فشكلت نسبة 75%، أي أن 15 قصة افتتحت بتصدير كذلك غيري..
الملمح اللغوي في بناء القصة
القصة القصيرة عند نقوس المهدي تنبني على أسس وعلى فنيات وعلى صنعة. وأساس كل هذا عنده هو اللغة.
ونقوس المهدي يعرف أن اللغة الأدبية وتشكيلها هي التي تعطي للعمل الأدبي بريقه ولمعانه، وتبعده عن المألوف والعادي.. وهو حريص على لغته القصصية. يعتبرها من أساسيات الخطاب القصصي..
1- السمات التركيبية:
أ)- الجملة الإنشائية: ما يلاحظ في كتابة نقوس المهدي، هو توظيف الجملة الإنشائية، ويتجلى ذلك في توظيف:
* النداء: وقد استعمل أسلوب النداء إما باستعمال أدوات النداء أو بدون استعمال لها.. وقد حضر النداء كالتالي:
الجدول رقم:3 النداء
المجموعة القصصية يا أ أيتها أيها يا أيها بدون أداة
صنائع من نوبة عراق العجب 24 01 01 05 00 00
...إلخ 34 00 00 06 05 13
* الاستفهام: نجد توظيفا بكثرة لأسلوب الاستفهام..
الجدول رقم:4 الاستفهام
المجموعة القصصية أ ماذا أي أين كيف هل بدون أداة مج
صنائع من نوبة عراق العجب 00 11 01 01 00 15 01 29
...إلخ 04 09 03 04 01 02 00 23
المجموع 04 20 04 05 01 17 01 52
فإذا قرأنا الجدول أفقيا، نجد أن (هل) قد تكررت 15 مرة في المجموعة القصصية الأولى، وحققت بذلك نسبة 51.72%.. وتكررت (ماذا) ثمان مرات في المجموعة القصصية (...إلخ)، وحققت بذلك نسبة 34.78%..
ومجموع هذا الاستفهام في المجموعتين معا هو 52 تكرارا.. احتلت فيه (هل) المرتبة الأولى بــ 17 تكرارا، ونسبة 32.69%...
* الأمر: والأمر الموظف في كتابة نقوس المهدي، جاء على ثلاث صور، وهي:
- الأمر باستعمال فعل الأمر الصريح.
- الأمر باستعمال اسم فعل الأمر.
- الأمر باستعمال الفعل المضارع مع لام الأمر.
الجدول رقم:5 الأمر
المجموعة القصصية الفعل الأمر الصريح اسم فعل الأمر لام الأمر المجموع
صنائع من نوبة عراق العجب 04 01 05 10
...إلخ 16 01 03 20
المجموع 20 02 08 30
عند ملاحظة الجدول ننجد أن الأمر في المجموعة القصصية الأولى قد جاء بصيغة استعمال لام الأمر مع الفعل المضارع، وقد تكرر خمس مرات، وحقق بذلك نسبة 55.55%. أما الأمر باعتماد الفعل الصريح، فقد تكرر أربع مرات، محققا بذلك نسبة 44.44%.
وفي المجموعة القصصية الثانية (...إلخ)، فقد احتل الأمر باستعمال الفعل الصريح المرتبة الأولى بــ 16 تكرارا، محققا بذلك نسبة 80%.
كما أنه في كتابة نقوس المهدي القصصية احتل هذا النوع من الأمر المرتبة الأولى بــ 20 تكرارا، ونسبة 68.96%..
* النهي: نجد توظيفا للنهي، ولو أنه بنسبة قليلة، متمثلا في 8 تكرارات، وردت كلها في المجموعة القصصية الثانية (...إلخ).
ب)- الجملة الطويلة: في المجموعتين القصصيتين نجد نقوس المهدي يستعمل الجمل الطويلة، والتي يقصدها لتقديم تفاصيل أو توصيف، أو توضيح، أو تمديد للحدث.. ونعرف أن الجملة تنتهي بنقطة، والتي تحد حدودها وامتدادها...
" لقد علمتنا التجارب أنه حينما تكبو البلاد نسقط في مستنقع عابق بشرود الأوهام والدمار.. نرفع أعيننا ونلوي شفاهنا مخافة الليل.. نبحث في مؤخرات جماجمنا عن زوارق الفجيعة.. نتسلق جبال الطموح وسقالات البطولات التاريخية وأنماط الإنتاج العبثية وكيمياء الشبق أيضا وأيضا"[ - ...إلخ،ص:28]..
فنجد في هذا المقطع القصصي الجملة الطويلة، والتي تمتد عبر 14 كلمة، ليحضر الوقف والمتمثل في النقطتين (..) المعوضتين لنقطة الوقف.
ج)- التخلي عن حروف العطف (الروابط): يعمد نقوس المهدي إلى توظيف جمل لا رابط بينها، وبذلك يحقق قيمة بلاغية هي: الفصل... "أما اللصوص الكبار، الدهاة، المرتشون، المهربون، المخربون، المحتالون، المتلاعبون ، المستهترون، الأنانيون، المزورون، الماكرون ، الخونة الذين يهربون الخيرات، ويبيعون الوطن، فتلك حكاية أخرى"( مخامرات عباس الثالث،(ص:37).
ونجد نفس الخاصية في (...إلخ): " ومنكم من غيبت وجوههم المليحة رحى حروب أخوية.. عدوانية.. ضاربة.. دموية.. شرسة.. عرقية.. غربية.. عربية.. أهلية.. طائفية.. شقية.. ثأرية.. استنزافية.. تجريبية.. باردة.. تخريبية.. عشوائية.. خالية.. خيالية.. عقيمة.. تهديمية .. جهنمية .. لا مجدية"(أمان يا لا لا لي، ص:31).
* استعمال واو العطف:
التوظيف للربط يساعد على تنامي الأحداث وتواليها، وتصاعد دراميتها.. كما يبين هذا الاستعمال الترابطي قدرة الكاتب على اللعب اللغوي والتوظيف الذكي والمقصود لعلامات الترقيم، خاصة علامة (الفاصلة). وهو يريد بذلك إرباك المتلقي والدفع به إلى الاشتغال على تحديد السياقات، والتأويل للوصول إلى المعنى المقصود. وهذا كله يدخل في استراتيجية الكتابة وتقنياتها عند القاص نقوس المهدي...
" بناء على ما أقيم حول شخصية امرئ القيس ابن الملك حجر الكندي من أساطير وروايات وحكايات، وبناء على التقارير المرفوعة إلينا من الجهات المختصة حول ماضيه المشبوه، وثقل دمه، وسماجته، وسوء معشره، وكرهه من طرف النساء، وأن زوجته (أم جندب) طلقته وعاشرت غيره لعدم فحولته، وعدم انتعاض عضوه، وأن النساء كن يتعلقن به لماله وجاهه وحسبه فقط، وبعد مناقشة مستفيضة لكامل المعطيات، جمع الحاضرون على صحة تلك الادعاءات ومنافاة تلك التصرفات المريبة والشاذة لكل حدود المنطقي والمعقول" (من هموم امرئ القيس الدائرية، ص:(22/23).
" إن سجوننا بعكس ذلك نظيفة كسجانيها، والملابس مكوية تفوح منها روائح طيبة.. والبق والقمل ، والصئبان لا وجود لها البتة، ولا وجود للصراصير والجرذان والبراغيث والذباب، ولا وجود للخنافس في وجبات الفول والعدس والفاصوليا والبازلاء، بل لا وجود للبازلاء والفاصوليا، والعدس والفول لأبدا"[ - صنائع من نوبة عراق العجب،ص:43].
- الإيهام بالتلاعب بعلامات الترقيم:
عمل نقوس المهدي على تقديم نصوص قصصية غنية بتجديداتها وتقنياتها السردية. واستطاع بفنيته وصنعته أن يوهم المتلقي/ القارئ بأن توظيفه لعلامات الترقيم، وتموقعها هو نوع من اللعب السردي والكتابي. وهذا ما خلق نوعا من الفوضى الجميلة، وخلق نوعا من التداخل بين أنساق اللغة ودلالاتها. وهذا مقصود من الكاتب، لأنها استراتيجية وتقنية من استراتيجياته الكتابية.. فنجد أحيانا التخلي عن علامات الترقيم، وأحيانا الاستعاضة عن بعضها بأخرى كالنقطتين (..) بدل النقطة (.)، وتقديم السؤال والاستفهام بدون علامة الاستفهام، والتعجب بدون علامة التعجب...
" لكن ترى ماذا يحلم الأغنياء والصيارفة والمرابون والمضاربون وعقيلات الأعيان والقادمون من دمن حياة محنطة بالحرمان والكبت والجوع وأقراص الفياغرا.. هل أبحتم لأنفسكم مضاجعة امرأة في سن اليأس.. إنكم كمن يتوسد سجلا مفعما بأعراض مرضية أسطورية لا وجود لها..."[ - صنائع من نوبة عراق العجب، ص:57]..
ففي هذا المقطع تم توظيف علامتين فقط للدلالة على انتهاء الجملة (الوقف)، وهما: النقطتان(..)، ونقط الاكتفاء الثلاث (...)، وغابت الفاصلة بين المعطوفات، والفواصل.. كما غابت علامة الاستفهام.
إن هذا المقطع خاضع لقانون النص الذي تخيله الكاتب ورسمه في ذهنه. ولذا شكل هندسة النص على هذا الشكل. وهذا يجعلنا نتساءل:
- هل هذا الشكل من الكتابة وتوزيعها هو تعبير عن اللاوعي الجديد الذي أصبح يشكل اللغة التعبيرية والأدبية؟.
- هل هو بعد نفسي وواقعي يعطينا صورة للنفس المبدعة وما تعيشه من قلق وتمزق؟
- هل هي مرآة تعكس الحياة التي يحياها الإنسان في هذا الوجود؟
- التكرار:
التكرار يعمل على التأثير والتأكيد، والتنبيه، وتطريب السماع، وإبهاج النفس. ويجب الاعتبار أن التكرار ليس زيادة، وأنه " لا يجوز أن ينظر إلى التكرار على أنه تكرار ألفاظ بصورة مبعثرة غير متصلة بالمعنى أو بالجو العام للنص (...) بل ينبغي أن ينظر إليه على أنه وثيق الصلة بالمعنى العام"[ - ربايعة،(موسى)،التكرار في الشعر الجاهلي،دراسة أسلوبية، جامعة اليرموك،الأردن، مؤتمر النقد الأدبي، 10/13 تموز 1988، ص:15]..
وقد وظف نقوس المهدي هذا التكرار لأغراض فنية وجمالية، منها:
- توفير إيقاعية النص وشعريته.
- تأكيد القول.
- إعطاء المتلقي صورة على أن الذات الساردة في حالة تداع ومناجاة، مع اعتماد تيار الوعي، وبالتالي جاء التكرار كمونولوج داخلي...
يقول في قصة (البحث عن عباس):" – الخبز لا يسمن ولا يغني من جوع... الشاي لا يغني ولا سمن من جوع..
البصارة تلخشة الفول العدس لا يغني ولا يسمن من جوع.
الصبر لا يسمن ولا يغني من جوع"(ص: 16).
فنجد في هذا المقطع تكرارا للجملة (لا يسمن ولا يغني من جوع).. ليبين بهذا التكرار فداحة الأمر ، وصعوبة الحياة.
كما نجد نقوس المهدي يستعمل التكرار للتدقيق والتفصيل.. كما في قوله: " أناس يحتضنون صحائف وثنية مغموسة في ماء السياسة... وناس وثنيون مغتسلون بماء السياسة...
وناس وطنيون...
وناس سياسيون..
وناس ساسة..
وناس مسيسون..
وناس بائسون..
وناس موسوسون..
وناس متعَبون..
وناس متعِبون..
وناس ثعابين.. وناس أجورهم كمؤخرة دجاجة منها تبيض وتتبرز وتتسافد.
وناس يؤجرون عيونهم..
وناس يؤجرون ألسنتهم..
وناس يؤجرون آذانهم.. وناس يؤجرون أكتافهم.. وناس مأجورون.. وناس أجراء.. وناس لا أجرة لهم" (ص: 44/45).
كما يقصد من التكرار: الوصف والتوصيف، وتوضيح ملامح بعض الشخصيات... " أنا عباس الذي انضحك عليه..
أنا عباس الذي الجوع والحرمان يعرفه..
عباس الذي قالوا لا ترجى من ورائه فائدة..
عباس الذي أغرقوه في المالح ليأكله القرش..
عباس الذي نسوه في أقبية المخافر لصلابة رأسه..
عباس الذي أرضعوه لبن الحمير فأضحت الحمارة أمه بالرضاعة...
عباس المتوحش في المزايا..
عباس الشاهد..
عباس الشهيد.. عباس المتشهد.."(ص:49).
- شعرية السرد (السرد الشعري):
يحول نقوس المهدي الكتابة السردية إلى كتابة شعرية. فتأخذ القصة شكل قصيدة النثر، كما في قصة (تضحية) والتي يقول فيها:
"تخرج في الصباح بصدر بارز
وقوام ممشوق
ووجه متورد
وقلب سليم
متنقلة من حضن إلى حضن
ومن صدر لصدر
ومن ذراع لذراع..
في المساء تؤوب بوجه ذابل
وصدر متهدل
وقامة منحنية ، وقلب سقيم
متنقلة من لسان لعين
وعين لفم
وفم لأذن
إن الزمان لعنود لوام كنود
لا أحد يعترف بالتضحيات"(...إلخ، ص:77)
وهذا النوع من الكتابة يجعلنا أمام القصة القصيدة، وبالتالي تصبح كتابة نقوس المهدي القصصية كتابة عبر النوع، بما أنها تجمع بين القصيدة والقصة، بين الشعر والسرد.
- التداخل الأجناسي:
إن الأديب نقوس المهدي قاص مجدد، يضاد القصة التقليدية في كتاباته. بحثه متجدد عن أشكال قصصية جديدة، ومن ثمة أصبح يقدم لنا في كل مرة قصة تظهر غير منسجمة يمكن لنا أن نسميها قصة متاهة لما تسقطنا فيه من لبوسات، متعددة الضمائر، متشابكة الزمن، لكنها ثرية النص.
" يقولون إن الحسن إذا زال تبقى حروفه، وأمي كانت أجمل فتيات الدوار على الإطلاق، لا تعرف الفرق بين الألف وعكازة جدي، ولا بين اللام وعصا الطبل، تصارع الفتية من أجل صفاء عيونها، وهي الآن غزا الشيب مفرقها..
أمي يا حرارة الفصول
جميلة أنت كحلوة النبع
كاليانصيب وفض البريد
كالشوق المعسكر في الترائب
كانتهاء سنين الجذب
كأوهام الطفولة
واللقاءات الحميمة
هي ذي مفاتن المحبة
وفاتحة الهذيان
والعشق الطاعن في الغياب
(...) كنت وقتها أستخف بمهن الجيش والتعليم والتمريض والبريد والتجارة والنجارة، وتصفعني كلمات الوالد: أكتافك كأكتاف البغل خير لك لو أصبحت دركيا" [ - صنائع من نوبة عراق العجب،ص:67]..
وأحيانا يجد المتلقي نفسه في جولة مع السارد ما بين القصة والشعر والخاطرة كما في قصة (رحلة عباس السابع) من مجموعته القصصية (صنائع من نوبة عراق العجب)..
إن نقوس المهدي يمزج بين الأنواع، لا يهمه الشكل بقدر ما يهمه طرح الفكرة والصورة. ولذا يتخير لها الحوامل التي يراها مناسبة، ومن ثمة يعمل كل تقنياته ليدخل المتلقي داخل فكره وفكر السارد.. فيجد المتلقي نفسه منذ البداية داخل فكر السارد، وداخل المجرى اللامنقطع لفكره، وهو مجرى يتزامن فيه الحدث والتعبير الداخلي.
- تفتيت الجمل إلى جمل صغيرة:
تتميز كتابة نقوس المهدي القصصية بميزة كتابية، يجد فيها حقه في الاختلاف والائتلاف، وحقه في الإبداع والتجريب. فهو أحيانا لا يعتمد الجملة العادية للتعبير عن موقف، بل يفتتها إلى جمل صغيرة. وهو بذلك بدل أن يقدم مشهدا أو صورة بانورامية، يقدم للمتلقي مشاهد صغيرة ومقتضبة، متنوعة عن مشهد عام.. ويترك له أحقية جمعها للوصول إلى الصورة المرادة أو المبتغاة.. كما في قصته (تغريبة الفتى عباس الثاني)، والتي يقول فيها:
" هاهي المدينة أخيرا
المدينة التي طالما سمعت عنها..
عفريت بالليل وغول بالنهار..
أرصفة وجدران مقروءة بالعيون واللواحظ..
وصلت إليها هذا الصباح..
هذا الصباح فقط وصلت ونزلت من الحافلة في محطة المدينة"..
فهو لتقديم صورة عن المدينة وعما توصف به، يقسم الجملة أو الصورة إلى ست جمل أو مشاهد.. وهو يريد أن يوصل للمتلقي قوة المدينة ووحشيتها، وما يسمع عنها.
ويقول في نفس القصة: " بدأت التحرك.. كانت الشوارع تتحرك والساحات والحيطان والنواصي أيضا وأيضا.. عالم غريب مسكون بالهشاشة والارتجال والضجيج والترقب.. والمارة متأبطين شرورهم.. يغدون السير.. لا يكلون من المشي والنميمة والفضول..
لا يلتفتون..
ولا يتوقفون..
ولا يبالون..
يلتقون.. ويتصادمون..
يراوغون أوهامهم.. ويتشابكون..
ويسبون الملة والدين والذي خلق...
متعبون.. مغبرون.. ماكرون.. تعطلت لديهم لغة الكلام.. كأنما ورثوا هموم الدنيا. يحدقون بأبصار طاعنة في الشرود"(ص:26/27).
فكل مشهد يصور المدينة وحركة المدينة، وسلوك أهل المدينة...
- الحذف والصمت والفراغ:
تعتمد قصص الحساسية الجديدة على اقتصاديات نصية، تتجلى في: الصمت والحذف والفراغ، حيث يجد القارئ نفسه أمام نص مليء بالفراغات والبياضات... نصوص تستنكر الإفاضة في الكلام وتفضل الصمت والحذف.
" رميت بقجتي .. وأخذت أجري ولا ألتفت..
وال(.....) يدق بعنف..
وال(.......) ينسكب من جسدي..
وال(.....) يشرشر على فخذاي..
وال(.......) قد جف"(ص:50).
هنا نرى أن القصة عند نقوس المهدي غير خاضعة للأنظمة ولا للأنساق ولا للقوانين.. هي قصة خارج القانون. قوتها في تحررها وإيحاءاتها.فهي تمارس حقها – كما يقول الدكتور حسن المودن- في الكلام وفي الفعل، وفي الاختلاف[ - المودن، (حسن)،مغامرات الكتابة في القصة القصيرة المعاصرة،منشورات اتحاد كتاب المغرب،الرباط ، 2013، ص:52]..
إنه يقدم وعن وعي قصة قصيرة مغربية، متجاوزة لكل عرف.. متجاوزة لكل الحدود. لها عالمها الخاص، وبنيتها الخاصة.
ومن هنا أصبح الحذف والصمت والفراغ من عناصر بناء القصة عند نقوس المهدي. فماذا يرى بهذه العناصر؟.
- كيف يقوم هذا الصمت والحذف والفراغ داخل السياق النصي؟
- ماذا يريد أن يقول؟
لهذا الصمت أو الحذف أو الفراغ أهمية بليغة في الكتابة القصصية عند نقوس المهدي. إنه يلمح إلى ما هو مضمر، ويشير إلى ما هو مخفي، ويفضح ما هو مستور. ومن ثمة يصبح الإخفاء إظهارا، والستر فضحا، والتغطية تعرية، والتلميح إشارة، والغائب حاضرا...
فما هي الأشكال التي يتخذها هذا الحذف؟
إن الحذف والصمت والفراغ يتخذ شكل نقط الحذف داخل قوسين.. كما في النموذج أعلاه.. ومن ثمة أصبحت مهمة نقوس المهدي ليس الحكي، ولكن الدفع بالمتلقي إلى الحوار، والكلام، والمشاركة في البناء، والدفع به كذلك إلى محاولة إخراج النص من صمته، ومن غيابه إلى النطق والإفصاح والكلام، والمساءلة، والحضور..
" فالصمت ليس عدما خالصا، أو فراغا مجانيا، بل هو بنية قابلة لتأويلات عدة"[ - المودن، (حسن)، المرجع نفسه، ص:56].
والعجيب أن نقوس المهدي يستعمل في توظيف هذا الصمت والحذف والفراغ في كتابته القصصية تآكل الجملة والكلمة.. حيث يبدأ الحذف في عناصر الجملة أو الكلمة تنازليا، كما في قصته (مخامرات عباس الثالث) من مجموعته القصصية (صنائع من نوبة عراق العجب):
" وأنا أجري ولا ألتفت..
وأنا أجري ولا ألتف..
وأنا أجري ولا ألت..
وأنا أجري ولا أل....
وأنا أجري ولا أ..
وأنا أجري ولا ..
وأنا أجري ول..
وأنا أجري و..
وأنا أجري ..
وأنا أجر..
وأنا أج..
وأنا أ..
وأنا..
وأن..
وأ..
و............"(ص:51).
ومن خلال هذا الحذف المقصود الذي يمس بنية الجملة، ثم الكلمة، نتبين الضيق الذي تشعر به الشخصية عباس وانحباس نفسها ولهاثها.. إنه تعبير ضمني عن الحالة النفسية التي عليها الشخصية.
الزمن واتجاهاته
في قصتيه يعتمد نقوس المهدي على التنويع في النسق الزمني وكتابته القصصية.
1- النسق الزمني الهابط:
فمن القصة الأولى نجد أن القاص/الراوي يضعنا أمام حال الإنسان العربي عامة والمغربي خاصة، وحال الأمة وما آلت إليه من انقسام وضعف وتهاون، واستسلام.
وللوقوف على الأسباب المؤدية إلى هذا الحال نعود إلى الوراء باعتماد الاسترجاع والارتداد إلى الماضي لكشف الدواعي. ولذلك يرجع نقوس المهدي إلى زمن النكبة أو هزيمة 1967، وحرب الاستنزاف، وعهد عبد الناصر، ومرحلة السادات، وحرب أكتوبر، ومعاهدة السلام، وكامب دايفد، وثورة الربيع العربي، وسنوات الجمر والرصاص بالمغرب، واغتيال المهدي بن بركة، وغيرها من الأحداث، لنفهم من خلالها الحالة المزرية التي وصلت إليها الأمة.
2- النسق الزمني الصاعد:
في هذا النسق نجد توازيا بين زمن الكتابة وزمن الأحداث، كما في قصة (العقيد)، حيث نتابع أحداثها، فهي تسير في مألوفية واعتيادية التي تعرفها القصة القصيرة العادية، إذ نعيش فيها مع (العقيد)، حيث تتابع أحداثها، فهي تسير في مألوفية واعتيادية التي تعرفها القصة القصيرة العادية. إذ نعيش فيها مع (العقيد) بعض لحظاته، ووقته قبل أن يسقط بطلقة رصاصة في الصدغ.
3- النسق الزمني المنقطع:
الأزمنة هنا تتقطع، حيث تهبط من الحاضر إلى الماضي، وتصعد من الحاضر إلى المستقبل، فتختلط الأحداث، وتتدفق أحداث أخرى جديدة، كما في قصة ( من هموم امرئ القيس الدائرية)، حيث نجد أحداثا عديدة منها:
* حادثة الانقلاب العسكري على حجر الكندي.
* الاضطراب الذي مس الاقتصاد.
* معرفة السبب الذي جعل امرئ القيس شاعرا ضليلا.
* معرفة السبب الذي حول امرئ القيس من عاشق إلى مطارَد.
* معرفة السبب الذي جعل من امرئ القيس شاعرا ذا قروح.
* الوقوف على الاستنطاق الذي تعرض له امرؤ القيس.
* الوقوف على حادثة العرافة مع امرئ القيس.
* الوقوف على البلاغات الوزارية، والبلاغات المضادة.
وبالتالي أصبحت القصة تتضمن قصصا صغيرة، مساهمة في بناء القصة الأولى الإطار. ومن ثمة يصبح التضمين l’enchâssement شكلا من أشكال السرد القصصي الذي يظهر تقطيع الزمن الذي يتصاعد في اتجاه الحاضر، أو يختفي في اتجاه الماضي.. والتمازج بين هذه الأنساق الزمنية الثلاثة حقق في كتابة نقوس المهدي القصصية الجمالية، والفنية، واللتان لهما تأثيرهما عل المتلقي.
لكن الملاحظ أن عدم التوازي بين زمن الكتابة وزمن القصة، يخلق نوعا من التشويق، ويتجلى في تلهف القارئ على معرفة هذه الصنائع التي يخبرنا بها الكاتب.
ففي النسق الزمني الصاعد لا يقطع الراوي توالي الأحداث وانسيابها لخلق التأزم الدرامي، بل يبينه تدريجيا من خلال التركيز على نفسية البطل (عباس- امرئ القيس)، وحاله المتدهور، ودبيب الإحساس إليه بالغربة والقلق، والأزمات النفسية.
وفي النسق الزمني المتقطع، يقطع الراوي تتابع الأحداث وتواليها، ليطلع المتلقي على حالات أخرى وأحداث أخرى أو أسباب أخرى. ويبين لنا أن زمن الأحداث يمتد من معاهدة سايكس بيكو 1916 ، وتقسيم العالم العربي إلى منطقة حمراء ومنطقة بيضاء إلى يومنا هذا، وما عرفته هذه الحقبة من محن ونكبات، وتحولات وصراعات، وإيديولوجيات.
أما زمن الحكاية أو القصة، فيتشكل من الحاضر الهابط والنازل تدريجيا إلى الماضي، تبدأ بتساؤل عباس عن نفسه، والبحث عن ذاته وشخصيته داخل هذه الأحداث، والتداعيات، والنكبات.
لكن في تقديمه لهذه الأنساق الزمنية الثلاثة، نجد أن هناك اختراقات للأزمنة بعضها لبعض، مما ينتج عنه مفارقات زمنية متمثلة في:
أ)- استرجاع الماضي: وهذا الاسترجاع يشكل نوعا من الذاكرة القصصية التي تربط الحاضر بالماضي.. " هذا الماضي الذي تكتب أحداثه السابقة للنقطة التي تروى فيها القصة الآن. ينصب إجمالا ويتركز حول "أنا" الراوي"أنا" تبرز في عيشها الحاضر والماضي فردية في معاناتها للمشاكل الاجتماعية، والسياسية. فردية في تصوراتها وأحلامها وقناعاتها"[ - د.أبو ناضر،(موريس)،الألسنية والنقد الأدبي(في الممارسة والنظرية)، ص:95].
ب)- استشراف المستقبل: إن الاستشراف يتم من خلال استيحاء أحداث سابقة للنقطة التي وصل إليها السرد. إنه تطلع للغد ورؤية سابقة للحاضر وهذا كله تطلب من الكائن نقوس المهدي اتباع تقنية سردية زمنية تجلت في:
* الخلاصة: وهي شكل من أشكال السرد القصصي، تكمن في تلخيص عدة أيام أو أسابيع، أو سنوات في مقاطع أو سطور قليلة دون ذكر تفاصيلها..
* الوقف: وهو يشكل وقف الأحداث، لإعطاء الفرصة للوصف والتوصيف.
* الحذف: وهو كشكل سردي قصصي، يتكون من إشارات محددة أو غير محددة للفترات زمنية، وهو قليل في كتابة المهدي نقوس، لأن الصورة السائدة للسرد القصصي هي صورة الحدث المتحرك ، والمحرك.
* المشهد: المشهد عكس الخلاصة، ففي الخلاصة مرور سريع على الأحداث. أما في المشهد فالأحداث تتوالى بكل تفاصيلها وأبعادها، ويتضمن كذلك الحوار، أو المشاهد الحوارية.
الرؤيا القصصية
إن للقصة راويا يستعمل وسائل وتقنيات للتواصل مع القارئ/المتلقي، ووسائله وأدواته التواصلية، تبين حضوره أو غيابه طوال سرد القصة. وهذا يجلي مسألتين هامتين في بناء القصة القصيرة، هما: كيف تكتب القصة ؟ ولمن نكتبها؟
عندما نقف إلى عملي نقوس المهدي يتبادرنا سؤال: من هو الراوي في (صنائع من نوبة عراق العجب) و (...إلخ)؟ وهو سؤال نريد منه تحديد هوية الراوي أو الرواة، وموقع كل واحد منهم...
- أنا الراوي: إن عباس في (صنائع من نوبة عراق العجب) هو الراوي الأول الذي تحمل حكاية هذه الصنائع لنا. لكن علينا أن لا نخلط بين الراوي عباس والراوي الأول الذي هو الكاتب نقوس المهدي، رغم أنه يتقمص شخصيته.. لأن الأثر الفني هو إسقاط لنفسية الكاتب وسيرته، ومجتمعه وزمانه[ - د. موريس أبو ناضر، المرجع نفسه، ص:114]..
إن عباس كراو يطل علينا منذ الصفحة الأولى، وهو يحدثنا عن هواجسه، وأحاسيسه ورؤيته لمجتمع منخور، وذلك باعتماد البوح والمناجاة، والتداعي... إنه توظيف للمونولوج الداخلي، وتوظيف مباشر لتيار الوعي..
وهو يطل علينا محددا اسمه، مستعملا كاف الخطاب، ليتبين للقارئ أنه يخاطب ذاته، يخاطب ذاته ، يخاطب في نفسه عباس الذي يسكنه ويراه..
إنها لحظة مناجاة، لحظة محاسبة ونقد الذات.. " تدمع عيناك يا عباس حزنا وتفرح، لأن الباعة يدافعون وبأشكال عشوائية عن حق من حقوقهم من أجل العيش الكريم. وتبقى أنت خارج اللعبة قابعا تحت الجدران يمتصك الظل، ويزملك الصمت"(ص:13).
لكنه تحول من الخطاب إلى الحضور، حيث يثبت حضوره الكلي باستعمال ياء المتكلم أو تاء المتحركة... " هذا الصباح فقط وصلت ونزلت من الحافلة في محطة هذه المدينة.. لم أكن أرغب بزيارتها لكني أتيتها مكرها، مخلفا ورائي قريتي الملغاة من تخطيطات الخرائط تسوقني قطعان أحلامي الندية، وأحمل فوزي المبين بعد أن ودعت إخوتي وهم يرددون صبرهم"(ص:25).
إن هذه الياء الموظفة رغم أنها ياء جمالية، هي علامة بوح الكاتب، واعترافه. وهنا يمتزج القصصي بالسيري، والخيال بالواقع.. كما يمكن أن نرى في هذه الياء (ياء المتكلم)، ياء الراوي الثاني الذي كلفه الكاتب بتحمل السرد في (صنائع من نوبة عراق العجب).. يتحدث عن نفسه.. " همست بطرق الباب.. رفعت يدي بتثاقل.. أفردت سبابتي وعقفتها.. كان قلبي يدق بعنف"(ص:28).
أو يتحدث عن أبيه.. "وأبي ما فتئ يردد على مسامعي ضرورة الاحتراس من مقالب اللصوص والنشالين حتى وهو يلوح للحافلة بعمامته"(ص:25).. أو يتحدث عن أمه.. "وأمي وقد علقت بعنقي تميمة من صوف الأنعام"..
أو يتحدث عن (عباس)، عن شخصه جاعلا من نفسه راويا آخر يروي بصيغة الغائب عندما يتوقف عن التكلم بصيغة المتكلم..
" آوى عباس إلى فراشه مبكرا، بعد أن قرأ سورة من كتاب رأس المال. كان يختزن مشاعر مضيئة جدا، لم يكن يرتسم على عينيه غير النعاس، لم يأكل شيئا. ود فقط أن يستريح ليمارس هجرته الأسبوعية"(ص:89).
- أنا الراوي الحاضر:
إن هوية البطل معروفة، تتمظهر في شخصية عباس عبر سبع صور أو قصص.." ومن خلال هذه الصور يتشخصن الراوي فيها.. فعندما يكون هذا البطل حاضرا في هذه الصور أو القصص أو الصنائع أو المتتاليات القصصية- كما يسميها نقوس المهدي- تستعمل صفة المتكلم بكل علاماتها.. وهذا الحضور يكون إما م عن طريق تلخيصه كراو لبعض الأحداث دون التفصيل فيها.. " تذكرت كل هذه الأشياء، وتعجبت كيف تدخل هذه المعلومات دماغي وفي هذا المكان المتمترس بالخراب"...
أو عن طريق المشهد، وذلك ببسطه كراو لأحداث القصة بكل تفاصيلها عن طريق السرد أو الحوار.." سألته عن وجهة الحافلة. قال: لا أعرف...
سألني عن وجهتي . قلت له: لا أعرف..
لتكن وجهتنا جزيرة الواق واق، المهم هو الخروج من هذه المنطقة.. تحركت الحافلة نحو الجنوب" (ص:41).
وهذا الراوي الذي يسرد أحداث القصة عن طريق التلخيص أو المشهد.. عندما يتحدث عن نفسه فهو "يقول" ، وعندما ينقل الأحداث فهو "يرى"...
" كان الفقيه يتكلم ويطقطق أنامله على حبات شبيهة بجنزيرة العجلة. كنت أقرأ الخواطر على محيا الحاضرين جملا غير موقعة بالنطق، ولكنها ممهورة بإيمان عميق بالأرض والإنسان، والأشياء الحميمة والصداقات القديمة"(ص:65).
- أنا الراوي الغائب:
أحيانا تحضر "أنا" الراوي الغائب في قصص (صنائع من نوبة عراق العجب)، حيث يختفي الراوي وراء الأحداث التي يعرفها... " الحياة لا تؤخذ إلا عنوة يا أبناء الحرام، هكذا يقول دوما، لهذا يحلم دوما بالزواج من فتاة شقراء، فارعة الطول، ممتشقة القوام، حسنة المنظر، بيضاء اللون، وسيارة كاديلاك، لكن الحلم لا يتحقق أبدا كما يعلم جيدا، لأن فقر بلاده يمنعه من ذلك"(ص:92).
ويؤكد تودوروف: أن "أنا" الراوي في القصص ليست هي نقيض "هو" الراوي. فالفرق بين الاثنين فرق نوعي لا كمي[ - Todorov,(T) oétique,in ,qu’est –ce que le structuralisme, Ed, du Seuil,Paris,1968, p :118].
إن الرواية في بعض قصص (صنائع من نوبة عراق العجب) أو (...إلخ) تتجلى علاقته في الموقف الذي يتخذه من أحداث قصته وشخوصها، ومن ثمة - كما يرى هنري جيمس- فإن الراوي في المواقف الموضوعية يكون عاكسا للأحداث والأفعال التي يقوم بها أشخاص القصة.. وهذا الدور الذي يلعبه الراوي، يبين ابتعاده عن أحداث قصته،وإمساكه لها من الوراء[ - Wayns,(C.Booth) istance et point de vue, in, Poétique,N°4,Ed,du Seuil ,Paris, 1970, p :560].
" رافقته الفكرة فبدأ يدندن بمقطع من أغنية ريفية أفلحت الجدران الأربعة وكثافة البخار بتفخيم نبراتها وترديد صداها، وأسلمته لأحضان غفوة لم يوقظه منها سوى حلم رهيب" (ص:9- ...إلخ).
وهذا الابتعاد عن أحداث قصته، وإمساكها لها من الوراء، تبين أنه ليس هو بطل القصة، ولكنه ناقل لها.
هكذا نجد في المجموعتين القصصيتين لنقوس المهدي ، الراوي المتكلم الذي يقوم بصنع القصة، والذي يقف وراءها.. ومن ثمة يحضر في قصص نقوس المهدي تارة من خلال "أنا"، وتارة من خلال "هو".
الانشطار والتشظي والانقسام
تجريبية نقوس المهدي وحداثته تدفعانه إلى التجديد والبحث عن الجديد. وكتابته القصصية تنوعت وتعددت أشكالها من كتابة إلى أخرى. فنجدها تتحول من إضاءة خافتة إلى قصيدة نثر إلى حكاية، إلى قصة دائرية، إلى قصة افتراضية، إلى قصة سوداء، إلى قصة تعاكسية، إلى قصة إحصائية، إلى قصة ساخرة.. وهذه كلها توالدات وتعاقبات ناتجة عن قلق يعيشه الكاتب.. كما تبين الهم الكتابي أو التفكير الدائم في كتابة قصة متجددة وجديدة.
وفي مجموعتيه القصصيتين، نجده قد وظف الانشطار والتشظي والانقسام. مما يجعل من بعض نصوصه القصصية: قصة شذرية.
وعملية الانشطار تتأسس على الاختراق، والانعكاس، والتكثيف، ومن ثمة، يمكن اعتبار هذا الانشطار، والتشذير انشطارا كاشفا Révélateur. ويرتبط بمحكي صغير ينجز ثلاثة أدوار:
- وظيفة التكرار.
- وظيفة التكثيف، حيث يكثف المحكي الإطار بإعادة قولة بطريقة مغايرة.
- وظيفة التوقع من خلال تشكيله أحداثا صغرى تكشف مسبقا عن الأحداث الكبرى.
والانشطار الذي وظفه الأستاذ نقوس المهدي بكثرة في قصصه، هو الانشطار التضادي.. وهو الانشطار الذي ينازع وحدة وتماسك المحكي الدامج له، حيث يتشظى النص إلى مجموعة من المحكيات الصغرى[ - د. الضويو،(عبد العزيز)،التجريب في الرواية العربية المعاصرة، عالم الكتب الحديث، للنشر والتوزيع،إربد،الأردن، ط1، 2014، ص:33]..
فالنص الأول الافتتاحي جاء معنونا بـ (البحث عن عباس)، لتأتي بعده صور لعباس، هذا الذي يتم البحث عنه. فنقف إلى صورة تغريبة عباس الثاني، ومخامرات عباس الثالث، وكيفية تكلم عباس الرابع، والوقوف إلى هواجس عباس الخامس، والتعرف إلى رحلة عباس السادس والسابع.. وهذه كلها انشطارات نتجت عن القصة الأولى الإطار، التي نتعرف فيها إلى الشخصية المحورية عباس، والوقوف على رؤياه من الإنسان، والمجتمع، وقضاياه.
كما تجلى الانقسام والتشطير المكاني من خلال تقسيم القصة إلى فقرات (قصص صغيرة). لكل قسم عنوانه الخاص.. كما في قصة (من هموم امرئ القيس الدائرية) بالمجموعة القصصية (...إلخ)، حيث قسمت إلى تسع قطع أو تسعة مقاطع.. كل مقطع عنون بعنوان:
ويمكن أن نضع جدولا تفصيليا وتوضيحيا كالتالي:
الجدول رقم:6 جدول الانشطارات
المجموعة القصصية القصة الصفحة عدد مقاطعها نوعية التقسيم
صنائع من نوبة عراق العجب البحث عن عباس 9 18 مرقمة
هكذا تكلم عباس الرابع 53 03 مختلطة(العنونة والترقيم)
تراجيديا بزمن الحزن 89 07 مرقمة
...إلخ العقيد 08 08 البياض
من هموم امرئ القيس الدائرية 14 09 مختلطة (العنونة والترقيم)
آمان يا لا لا لي 25 6 معنونة
3 مقدمة بحروف
1 مسبوق ببياض
مواقف ومخاطبات لا تلزم النفري 36 10 مختلطة(العنونة والترقيم)
جئت لأزف إليكم بشرى موتي 44 4 البياض
الحمرية 63 3 العنونة
كما جاءت بعض القصص مقسمة إلى مقاطع، واعتمد في تقطيعها على البياض. وكل مقطع لا يفصله عن الموالي إلا بياض ، يدرك من خلاله القارئ انتهاء المقطع، وتوالي مقطع جديد.
ونقوس المهدي، يهدف من شكلية هذه الكتابة الإشكالية إلى:
- تقديم تصوره الجديد والتجريبي للكتابة القصصية.
- إرباك المتلقي، والدفع به إلى تبني استراتيجية قرائية جديدة.
- الدفع بالمتلقي إلى سلك منهج تأويلي للوصول إلى المعنى، والدفع به إلى أن يكون قارئا فعالا.
- هدم الرؤية التقليدية لفن القصة والابتعاد عن النمطية.
- كسر شكلانية السرد وخطيته.
- تقديم للمتلقي/ القارئ أسلوبا وتركيبا جديدين، أي كتابة غير مألوفة.
النص الغائب ومرجعية القصة
تفاعل النصوص فيما بينها وتداخلها أدى إلى ظهور مفهوم جديد في الدرس النقدي الحديث، وهو التناص.
والكتابة القصصية عند المهدي نقوس من خلال مجموعتيه القصصيتين (صنائع من نوبة عراق العجب)، و (...إلخ)، لا تخلوان من تناص. وهو يتمثل عند نقوس المهدي في أربعة أقسام:
- التراث ، أو (الموروث التراثي).
- الموروث الأدبي، والفني.
- الموروث الصوفي والفلسفي.
- الموروث الديني.
وهذه الأقسام تشكل مرجعيات الكتابة القصصية عند نقوس المهدي، والتي تشكل الخلفية التي تسند كتابته القصصية وتشكل إطارها المرجعي والفني.. وهذه المرجعيات التي تظهر جلية في كتابته القصصية هي:
1- المرجعية التراثية: (الليالي (ألف ليلة وليلة - السيرة الشعبية (سيرة سيف بن ذي يزن) - مأثورات عبد الرحمان المجذوب- الأمثال الشعبية والحكم). مثل (توفر الفلس الأبيض ليومك الأسود - لا يقيم دجاجة عن بيضها- ليس لي ما أخسره في الجيب ليأتيني ما في الغيب- أربع في الدنيا ليس فيها أمان: البحر والنار والسلطة والزمان - يقولون إن الحسن إذا زال تبقى حروفه - في البحر بوجد ما لا يوجد في البر- قبر غريب خير من جيوب خاوية - لفي رأس الجمل في رأس الجمال).
2- المرجعية الدينية: وتتمثل في التناصات القرآنية، والحديث النبوي الشريف، وأقوال الصحابة الكرام. مثل (كذب المنجمون ولو صدقوا - كاد الكفر أن يكون كفرا- سبع سماوات طباقا - وخفضت له جناح الذل من المسكنة- واللذين كانوا يكنزون الذهب والفضة - هناك كلاب بعضها باسط ذراعية بالوصيد- يكيدون كيدا).
3- المرجعية الأدبية: تتمثل في توظيف بعض من شعر محمود درويش، ومحمد الماغوط، وامرئ القيس. وأبي تمام ، مثل ( الحجارة أصدق أنباء من الكتب).
4- المرجعية الفلسفية: توظيف لبعض الإشارات الفلسفية،والفلاسفة.
5- المرجعية الفنية: توظيف لبعض أغاني ناس الغيوان، وبعض كلمات العيطة المغربية، وتوظيف أخبار صحفية وبلاغات، وتقارير.. وتوظيف لمصطلحات الطرب الأندلسي (الصنائع والنوبة).
6- المرجعية الصوفية: توظيف لنمنمات النفري، وأزجال عبد الرحمان المجذوب، وحكم المعري...
7- المرجعية التاريخية: وتتمثل في استحضار بعض الشخصيات التاريخية، وبعض التواريخ و الأحداث التاريخية، وتوظيف – كذلك- بعض الوقائع المعاصرة.
والملاحظ أن نقوس المهدي في تناصاته يوظف الجملة القرآنية في نصوصه القصصية دون أن يخلق في كتابته نشازا، أو تنافرا.. بل يأتي هذا التوظيف متسقا ومنسجما، ومؤديا وظيفته البيانية والدلالية...
الخاتمة
إنها رحلة في عالم القاص المغربي الأستاذ نقوس المهدي.. اكتشفنا فيها غرائبية الكتابة القصصية عنده، وجماليتها وفنيتها.. غنه مهووس بالخرق وكسر المألوف.. وعدم السير وراء المعتاد.. إنه مجدد وباحث عن الجديد.. ولذا نجزم بأنه كاتب تجريبي استطاع أن يخلق عوالم جديدة في الكتابة القصصية ويحلق فيها بعيدا...
إن لكتابته القصصية لذتها، ونكهتها الخاصة التي تميزه عن كثير من القصاصين المغاربة والعرب... وهذا ما جعله يتميز ببصمته الخاصة التي تخصه هو وحده، ولو أن فيها شبها عند احمد بوزفور وأنيس الرافعي.. وهو يشكل حلقة من حلقة التجديد في القصة القصيرة المغربية أو حلقة الحساسية الجديدة في القصة القصيرة...
نقوس المهدي استطاع أن يقدم للمتلقي كتابة متفردة، نوعية... جديدة .. تجعل منه قارئا نموذجيا.. قارئا فعالا ملزم عليه باستحضار جميع أدواته لركوب نص المهدي نقوس والسباحة في لجته.. وقد استطاع أن يقدم عالمه من خلال رؤيته الخاصة في الكتابة ومن خلال شخوصه وبنية خطابه القصصي وتشكله..
المحتوى
مدخل........................................................5
الشخصية والزمن.........................................15
الخطاب القصصي وتنوعه..............................20
العنونة......................................................38
التصدير....................................................41
الملمح اللغوي في بناء القصة...........................46
الزمن واتجاهاته...........................................68
الرؤيا القصصية...........................................74
الانشطار والتشظي والانقسام...........................80
النص الغائب ومرجعية القصة..........................85
الكتاب: القصة القصيرة عند نقوس المهدي
الكاتب: محمد داني
نوعه: دراسة نقدية
2018 الدار البيضاء
إهداء
إلى روح زوجتي ثريا رحمها الله التي اختطفها الموت مني في 19/6/2018
محمد داني
مدخل:
أصدر الأديب المغربي نقوس المهدي مجموعتين قصصيتين، الأولى (صنائع من نوبة عراق العجب)، منشورة عن منتدى مطر سنة 2014، تتكون من 95 صفحة من الحجم المتوسط. والثانية تحت عنوان (...إلخ)، منشورة عن رابطة أقلام احمر، في طبعتها الأولى 2014. تتكون من 82 صفحة من الحجم المتوسط كذلك. تتضمن الأولى ثمان قصص، والثانية عشرين قصة.
وتمثلان نقلة نوعية في كتابة القصة القصيرة عند نقوس المهدي، وتقدمان صورة مقربة عن تجربته القصصية، وفنيته في كتابة القصة القصيرة. وكل مضامين المجموعتين عبارة عن قصص نشرت في بعض الصحف المغربية وملاحقها الثقافية في نهاية السبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
لقد كان نقوس المهدي في كتابته القصصية يحاول أن يبني وعيه السردي، ويجعل له مرجعية اجتماعية قائمة على الوعي الاجتماعي والسياسي، والإيديولوجي. وقد انبنت هذه المرجعية على الانكسارات والهزائم العربية، أو التي عرفتها القومية العربية، وما عرفته البلاد العربية من أحداث 1965- 1967- 1970- 1973- 1975- 1979- 1980- 1981- 1991.
ونقوس المهدي يقدم من خلال هذين العملين تجربة قصصية متميزة، تمتاز بجديتها وتجريبيتها، وانتمائها الجلي للحساسية الجديدة موقفا وأداة. وكان مرجعه الاجتماعي العام المؤسس لوعيه ككاتب قصة، وكمبدع، هو مرحلة النكبة أو النكسة 1967، التي طبعت الأدب العربي كله في جميع المناطق العربية، وسنوات الرصاص التي أدت إلى ظهور الإيديولوجيات، والشعارات والصراعات، ثم خفوت اليسار والمد الاشتراكي، وظهور أزمة الهوية المغربية، وظهور طبقات سياسية جديدة.
وهنا يطرح سؤال إشكالي: هل كتابة نقوس المهدي إدانة لواقع مترهل ومتهلهل ومهزوز؟
- هل من ثمة حضر الهم الاجتماعي والسياسي في كتابته؟ وبالتالي انعدم البطل الوحيد الحامل للقصة، فكان الكاتب والذات والراوي المتكلم والأحداث والمجتمع كلهم أبطال قصصه.
" جيلك يا عباس كالنعام، ما إن يحبق به مكروه حتى يسارع إلى عقد مؤتمرات /مؤامرات يساعد بها على تعميق الهوة: هوة الشقاق ونكء الجراح القديمة والجديدة، الغائرة بوجه التاريخ كالبراز..
جيلك يا عباس جيل الوصاية والحكم الواحد الأحد والكذب والبهتان والابتزاز، والسرقات والزنازين والرصاص"[ - ناقوس،(المهدي)،صنائع من نوبة عراق العجب،مطبعة آنفو- برانت ، فاس، (د.ط)، (د.ت)، ص:15]...
- فهل تغير القيم وتفسخها وظهور أخرى جديدة كانت حافزا على الكتابة؟
- هل غياب القيم جعل نقوس المهدي ككاتب قصة يشعر بالغربة في هذا المجتمع؟ وتجعله يكلم نفسه ويناجيها ليعرف الأسباب؟
وفي كل هذا ووسطه نجد اهتماما منه للإنسان، ومعيشه والتحول الذي طرأ عليه...يعيش الاستلاب الذي أصبح مسلطا عليه..
كما اهتم نقوس المهدي في هذا الاصطخاب والتحول بالهم الوطني، والعربي والقومي. كما في قصة (العقيد)، والصراع العربي الإسرائيلي/ الصهيوني كما في قصة ( أمان يا لالا لي)..
لكن الانشغال بالهم الإنساني هو الغالب على المجموعتين. فهو يقدم تأملات في الحياة، وصور متنوعة للإنسان العربي عامة، والإنسان المغربي خاصة.. في أحلامه ، وفي شعوره بغربته.. في نظرته للحياة، للإنسان، وللمجتمع، وللقضايا الكبرى.. ومن خلال هذا الانشغال نكتشف إدانة نقوس المهدي للواقع.. إدانته للمجتمع برمته.. إدانته للإنسان. بالإضافة إلى تعريته للتناقضات والتفسخات التي بدأت تظهر وتستشري.. " إن الحياة جميلة، لكن حينما نساوم من أجل اللقمة والحرية، والمساواة والعدالة، ومن أجل كرامتنا.. تفقد الحياة حلاوتها وتبدأ عملية لف حلزونية تسقطنا في جحيم العدمية، تحرقنا، تذيبنا وتفنينا. هكذا يدفع الفقر الأغنياء لافتراس المستضعفين وشرب دمائهم الجارية بشبكة العروق"[ - صنائع من نوبة عراق العجب، ص:11].
وهذه التقلبات والتفسخات الحياتية، والمجتمعية خلقت لنا إنسانا انهزاميا، مقهورا، يحس بالحزن والهم والغربة. يغرق في التفكير، والصمت، وتأنيب النفس، والنكوص، والارتداد إلى الوراء، وإلى الماضي والغرق في الأحلام... " تحزن يا عباس.. تمشي نحو البحر، تغد السير دون التفات. أمامك الموج يعلو بتطاول وشموخ.. يتسابق كقطعان أفراس جامحة.. تندفع بقوة تنطلق، تتطاير فتحجب الأفق البعيد.. وراءك هموم الدنيا .. الغلاء، الحروب، الرشوة، العطالة، التخلف، تلهب ظهرك كالسياط" (ص:14).
وهذا الإنسان المقهور المطحون، والذي صوره نقوس المهدي في ظل مجتمع مهلهل، مشروخ.. وجعل منه بطلا لقصصه، وأعطاه لقبا واسما.. " عباس".. عباس المغربي، عباس العربي، عباس الإنسان، عباس المغترب داخل بلده وأرضه.
وقد تجلت فنية نقوس المهدي حينما أعطانا بطلا، ذا نفسية مهزوزة، ومعنويات محطمة. ومن هنا جعله نقوس المهدي يفر من هذا الصراع النفسي الذي يعيشه. ومن هذا الهم الذي يغلفه.. ومن هذه المأساوية التي يعيشها والسوداوية التي ينظر بها الحياة.
وهروبه وفراره كان بخمس وسائل: (الموت – الحلم - الهجرة والرحيل – الصمت - المناجاة).. كما في قصة (العقيد)، الذي فضل بطلها الموت والانتحار.. وقصة (من هموم امرئ القيس الدائرية)، الذي فضل بطلها (امرؤ القيس) الهجرة والرحيل إلى روما عوض مواجهة المشاكل، وإيجاد حل لها.
والموت الذي يلجأ إليه البطل، إما موت حقيقي، أو موت مجازي، والذي يتمثل في الصمت والانعزال والانكماش...
وفي قصة (البحث عن عباس)، نجد البطل يفضل الصمت.." هكذا أنت دائما يا عباس، حينما تختلط عليك الأمور، تضع رأسك بين راحتيك، تعتصره، تطرق للأرض. تتحسر تتمزق أسى ولوعة.. تنفث آهات ،تعلن هذا العالم الموبوء.. تعبس بوجهه، تنفخ في الهواء الرطب، تهرب بنفسك من ضجيج المدينة، تدخل دروبا حلزونية.. يفتض بكارتها ضوء شاحب أصفر يطلي الجدران كالبيض المفقوس ويحيله كوجه شبح مسلول.
تهرب من ضجيج هذا العالم المفتعل، تنسل من ظلالك الواهية الرخوة المتواطئة مع الفقر، تهرب وتنغمس في الطلمة"(ص:12)..
والحلم والبوح جاءا عند نقوس المهدي في الاستهلال والختام. كما في قصة (البحث عن عباس). وقد قصد الكاتب نقوس المهدي إلى ذلك، ليبين أولا فداحة الواقع، وزلزاله النفسي والاجتماعي، وأثره على بطل القصة (عباس).. وأيضا، ليبين به الاستسلام الذي أصبحت تعيشه الشخصية، والانهزامية التي تشعر بها. فعوض أن يواجه المجتمع والمسؤولين، يواجه نفسه ويؤنبها، ويبوح لها بتذمره ويأسه.. فيثبت بالمجموعة القصصية ( صنائع من نوبة عراق العجب) البوح والمونولوج الداخلي (الحديث النفسي)، ليتبين المتلقي/القارئ مدى الإحباط والانكسار والفشل الذي وصلت إليه الشخصية.
فعباس أمام انهيار قيم المجتمع، والمفارقات والتناقضات الصارخة التي أصبحت تطبع الحياة الجديدة، وتصبغ المجتمع والعلاقات والإنسان بصباغتها.. وأصبح يحس معها باليأس والغربة، والخوف من المستقبل وعليه. وقد وصل جراء كل هذا إلى نوع من الهلوسة.. إلى نوع من الهذيان والذي تمثل في التساؤلات المتعددة، وفي الكلام مع النفس، وفي التأمل في الفراغ إلى غير ذلك.. وهذا كله إدانة للكاتب لواقعه ومجتمعه.. واحتجاج صارخ على الحياة وسبل الحياة التي تغيرت قيمها.
إننا نلمس أحيانا من خلال هذه الكتابة القصصية أن العالم في منظور نقوس المهدي أصبح لا اعتبار له، ولا قيمة له.. ولأن الحياة والمجتمع لا معنى لهما. إنها نزعة عبثية تلبس روح الكاتب.. نتمثل من خلالها بعض الأدب العالمي الفرنسي على الخصوص، حيث نلمس عبثية ألبير كامي، وأثر روايته (الغريب) في كتابته القصصية.
وما يلفت النظر في المجموعتين القصصيتين لنقوس المهدي، هو التجاوز للمعهود والخرق للموروث.. ولم يلتزم بما هو معروف في كتابة القصة القصيرة.. فهو لم يلتزم " باختيار للسرد المطرد، والاختيار الموزون للحبكة التي تنعقد بالتدرج ثم تنحل حسب توظيف العناصر المختلفة من حكي ووصف ، وحوار، وتأمل إلى آخره، بحساب واختيار من توقع النظرة العارضة بشكل عام والماكرة معا"[ - الصبروت، (ربيع)، قضايا القصة الحديثة،الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة، 1993، ص:143].. فنقوس المهدي واع بحركة التجريد والتجريب في القصة القصيرة. لذا لم يلتزم بما هو معروف، ولم يتبع قواعدها القديمة.. ومن ثمة فهو اختار الكتابة عن أزمة، وتأملات في هذه الأزمة.. " فلم يعد من المهم إطلاقا أن تكون هناك فرشة، ثم حبكة، ثم لحظة تنوير، إذ يمكن أن تقتصر القصة القصيرة في هذا التصور على فرشة واحدة، أو على لحظة الأزمة فقط.. وهذا يؤدي إلى أنه لم تعد الرسالات جاهزة.. لم تعد المعرفة قائمة مسبقة في عالم مثالي مسبق، وقبلي، وفلسفي جاهز. بل أصبحت الخبرة الفنية سعيا متصلا نحو المعرفة، وهو ما يؤدي إلى النص المفتوح، أو المتعدد الدلالات، الذي هو أحد أهم سمات التغير الآن"[ - الخراط،(إدوارد)،الحساسية الجديدة، دار الآداب،بيروت،1993، ص:340]...
ومن هنا نطرح سؤالا:
- هل نقوس المهدي يقدم لقارئه نصا قصصيا مفتوحا؟
- هل يقدم له نصا قادرا على استثارته والدفع به إلى التفاعل والتفعيل؟
من هنا الكتابة القصصية عند نقوس المهدي تتداعى فيها الحبكة، ويختفي فيها الحدث.. وهذا ما يجعل منها نصوصا مفتوحة على كل تأويل.. وسنرى في قابل الورقات التقنيات التي اعتمدها نقوس المهدي في كتابته القصصية..
وعندما نتمعن الكتابة القصصية لنقوس المهدي، نجده يدمج الواقعي بالغرائبي لكسر أفق توقع انتظار المتلقي، الذي كان ينتظر قصة مثالية ذات موضوع واحد، وخطية ملتزمة ، اعتاد عليها..
ونقوس المهدي يروم من ذلك كله أن يخلخل قناعات المتلقي، والدفع به إلى التشكيك في ما هو واقعي، وما هو حقيقي ملموس.
كما نجد الأحداث في مجموعتيه القصصيتين لا تخضع لسياق منطقي. وهنا يدخل المتلقي على الخط ليبدأ عملية التأويل، وعملية إعادة الترتيب والتنظيم. فيتحول هذا المتلقي إلى منتج.. يتحول إلى متلق نموذجي فعال.. وهذا ما يريده نقوس المهدي.. يريد متلقيا منتجا، مشاركا فعالا.. فالأدب والفن الحديثان أصبح هذا هو سمتهما الجديدة.. " حيث أصبح العمل الفني الواحد يتعدد إدراكه بقدر تعدد متلقيه، ذلك لأنه أصبح أكثر اتصالا بعالم المشاعر الداخلية، وهو عالم أقل خضوعا لقوانين العقل وقواعد المنظور المتفق عليها،بحيث لا يفرض على المتلقي إدراكا محددا ، بل يتيح له فرصة تذوق العمل الفني بوسائل تتجاوز مجرد الحواس الخارجية، وتتصل بدورها بالعالم الداخلي للمتلقي"[ - الشاروني،(يوسف)،القصة تطورا او تمردا، الهيئة العامة].
فهل الحقيقة نهائية في كتابة نقوس المهدي القصصية؟
إن الحقيقة التي يصورها المهدي نقوس هي حقيقة نسبية.." لا تتسم بالثبات بقدر اتسامها بالديناميكية[ - ربيع الصبروت، المرجع نفسه، ص: 102].. وما يقدمه نقوس المهدي كرؤية تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات، والتأويلات...
الشخصية والزمن
"عباس" شخصية محورية أساسية بالإضافة إلى شخصية الموقف البؤرة. وبما أن عباس شخصية محورية، فهو شخصية نموذجية. فهي " تشكل المطلب الأسمى في الإنجاز الفني، والوصول إليها يتطلب قدرة فنية متطورة، فهي تتجاوز حالة العكس الفوتوجرافي للواقع، ولكنها تبقى منتهية لأنها تستمد جذورها منه. إنها الطموح والحالة الأرقى فنيا"[ - رضوان،(عبد الله)،النموذج وقضايا أخرى،منشورات رابطة الكتاب الأردنيين،عمان، 1983، ص:47].. وأحيانا جاءت الشخصيات المرافقة والمساعدة بدون اسم أو مسمى، أو وصف وتوصيف. ولكنها استطاعت أن تشخص واقعها وتمثل ظروفها، وعصرها ومرحلتها، وتصوره أحسن تصوير.
وعباس- كما أسلفت- شخصية مأزومة، منكسرة، يائسة، لا تشعر بالأمان، يتلبسها الخوف والشك والإحساس بالضياع. تعيش قسوة الواقع وعذاباته.
وأبرز ملامح هذه الشخصية هي الشعور بالغربة والتغريب، والتشييء.. وكثيرا ما تتعالى هذه الشخصية على الواقع، أو تتستر وراءه، وتتخفى به، أو تستسلم له.
والاغتراب تجربة نفسية شعورية عند الفرد، تتصف بعدم الرضا والرفض والإحساس بان هوة فسيحة، عميقة، تفصل بين العالم الواقعي الذي يعيشه العالم المثالي الذي يصبو إليه[ بركات،(حليم)،الاغتراب والثورة في الحياة العربية، مجلة مواقف ،لبنان، العدد الخامس ، السنة الأولى، أغسطس 1969، ص:21]..
والزمن في بعض قصص المجموعتين القصصيتين، يبدو غير محدد.. لا نعرف أنهار هو أم ليل، صيف أم شتاء... ونجد أن زمن بعض الشخصيات (امرؤ القيس) هو ليل يطاوله.. فامرؤ القيس المثقل بالأحزان، والغم والهم يضيف إليه الليل قلقا وضيقا، ويجعل الزمن ثقيلا...
" حين زارني امرؤ القيس ذاك المساء البعيد، كانت الإذاعة تبث أخبار الانقلاب العسكري الذي أطاح بعرش والده الملك حجر الكندي. المذيع يقرأ البلاغات، الموسيقى العسكرية الصاخبة تصدح"(ص:14).
ونقوس المهدي قد برع في أن يجعل الزمن متقايسا مع الحالة النفسية للشخوص.فالحاضر يستحضر الماضي وينتقل إلى المستقبل ليعود إلى الحاضر.. ويلعب أحيانا الحلم والمناجاة (النجوى)، وتيار الوعي (المونولوج الداخلي) دورا في اطراد الزمن.
صحيح، أن زمن الشخصية امرئ القيس هو زمن ليلي، إلا أنه زمن نفسي، تكثر في مواقفه المناجاة، والتمني، والارتداد إلى الوراء، والحلم...." حين علم امرؤ القيس الخبر، قال ببرودة أعصاب بالغة: اليوم خمر وغدا أمر، والحكاية أنني قلت له: قم أيها الشاعر لقد هدك الزمن وغدر بك القدر.. سيفك الظمآن يود الخروج من غمده ومخبئه، جرده من الحرمان والكبت الدموي. أدخله ذاكرة المجد، اترك قلبك الحجري يتخثر بين سعف النخيل، يعلن التمرد على أصنام العشق وهوى الخليلات. فرك عينيه المحمرتين من السهر، وقال ببرودة مستعينا بهزة من كتفيه: اليوم خمر وغدا أمر. فأضحى بطرية آلية شاعرا ضليلا"[ - نقوس،(المهدي)، إلخ... ص: 15].
وكما نعلم أن المقطع القصصي الذي تم فيه الاعتماد على المناجاة، وتدفق تيار الوعي، تأتي الحبكة هشة وغير ضرورية. ويصبح منطق التراتب الزمني غير وارد فيها[ - د. موسى الخطيب،(أحمد)،الحساسية الجديدة،قراءات في القصة القصيرة، الأردن،ط1، 2008، ص: 30].
" هكذا أنت دائما يا عباس، حينما تختلط عليك الأمور، تضع رأسك بين راحتيك، تعتصره تطرق للأرض، تتحسر تتمزق أسى ولوعة.. تنفث آهات تلعن هذا العالم الموبوء.. تعبس بوجهه تنفخ في الهواء الرطب، تهرب بنفسك من ضجيج المدينة"[ - صنائع من نوبة عراق العجب، ص: 12].
إن الزمن هنا زمن نفسي.. والإنسان يسبح من خلال جريان الزمن في البواعث التي تتكون منها الحياة[ - عبد الدايم،(يحيى)، تيار الوعي،مجلة فصول،الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة،المجلد الثاني،العدد 2، 1982، ص: 156].
اما المكان الموظف هو كذلك مكان نفسي،يعبر عن القلق النفسي الذي تعيشه الشخصية، ومن ثمة نستنتج أن المكان يتميز بضيقه، وانغلاقه، وبالتالي يبرهن عن الشعور بضيق المكان والشعور بالقلق فيه.. وخارج المكان وداخله تعبير صريح عن أزمة الشخوص وقلقها، وأحيانا يتوازى الداخل مع الخارج..
وأحيانا يأتي المكان معادلا موضوعيا للواقع، ولو أن في بعض القصص يكون هذا الواقع متخيلا وكذلك المكان.. ومن ثمة تحدث توازيات ما بين المكان المتخيل والواقع، ودواخل الشخصية المصطخبة.
الخطاب القصصي وتنوعه
عمل نقوس المهدي على تطوير خطابه القصصي، حيث تجاوز فيه نقاء الجنس الأدبي. فقد انفتح في كتابته القصصية على أجناس أدبية أخرى، وتم توظيفها في خطابه القصصي.
ففي مجموعتيه القصصيتين، نجده مهتما ومنشغلا باللغة، والتسامي بها، وشحنها بالإيحاء والرمز، والشحنات الوجدانية. وتوسل إلى ذلك بوسائل عدة، منها: توظيف التراث الشعبي والمتمثل في بعض كلام أغاني ناس الغيوان، كما في قصة (البحث عن عباس)..
"-1-
العشية عشات والليل راح
محلى اللغا يدور بين الملاح
الورد اعطى ريحتو والذات ما زالت حزينة
والدم جف والذات يا حسرة ما زالت حزينة
يا ناس وما انتوما ناس
يا لزايدين المهموم في همو
يا لمعاونين الظالم على ظلمو
-2-
تشرب قهوتك يا عباس. قهوة سوداء كالليل مع قليل من السكر. أنت لا تعشق سوى ذلك،لأن كأسا مترعة بالسائل الأسود، بعد ساعات العمل المضني، تجعلك بمنتهى الخفة والرشاقة"[ - صنائع من نوبة عراق العجب،ص:9]..
وتوظيف الكلام المأثور كما في قصة ( الحمرية).." ... هناك في عرض البحر صيادون غمرت قاربهم المياه. يتضرعون، ويطلبون الإغاثة من الحمريات، وأهل الكرامات، ومستجابي الدعاء
أمولات النوبة
نترجاوك
شفعي لبنا عند مولاك
يفرج وحلتنا
يفاجي محنتنا
غير هذي والتوبة
وكأنما رأتهم في منامتها بأم العين، وسمعت نداءهم، وهم قاب فرسخ أو أدنى من الآخرة"[ - ...إلخ، ص: 66]...
أو الكلام الموزون المأثور، كأقوال سيدي عبد الرحمان المجذوب.. كما في قصة (رحلة عباس السابع)...
" أضرب الماء بكلتي يدي.. والماء حينما يتوالى عليه الضرب لا يزداد سوى صلابة...
قلبي جا بين ليدين الحداد //// والحداد ما يحن ما يشفق عليه
يردف لو الضربة على الضربة //// إلا برد يزيد النار عليه
هكذا يقول شيخنا سيدي عبد الرحمن المجذوب في رباعياته.إنسان عركته الحياة وهمشته وازدرته وجعلت منه مجنونا يلغط بالحكمة"[ - صنائع من نوبة عراق العحم،ص:82].
ويوظف كذلك بعض مأثورات الصوفية والزهاد ومعجمها التعبيريي والتصويري. كما في قصة (مواقف ومخاطبات لا تلزم النفري...)." ثم أوقفني على بسيط الماء، وقال : هذا موقف أفتيناه بإفتاء مليح، وأفعاله ليست تحد، ومنه وبه وفيه وله وعنه وعليه ما لا يعد ولا يحصى، والماء، مياه، ماء الوجه، وماء الحياة، وماء الصلب والغدد، وماء العيون، فماء الوجه يكسب المهابة.
وماء الحياة يجلب الكآبة.
وماء الصلب والترائب يحدث الجنابة.
وماء العين يوقظ الصبابة"[ - ...إلخ،ص:36]..
- تضمين الأشعار في خطابه القصصي:
كما يلجأ نقوس المهدي- أيضا- إلى تضمين خطابه القصصي بعض الأشعار. فيمتزج في كتابته القصصية الحسي بالمعنوي، والحقيقي بالحلمي. كما يوظف الثنائيات والمزاوجة والتضاد. وهذا كله لتجسيد رؤيته الخاصة، كما في قصة (هكذا تكلم عباس الرابع)، والتي تقول: " يقولون إن الحسن إذا زال تبقى حروفه، وأمي كانت أجمل فتيات الدوار على الإطلاق، لا تعرف الفرق بين الألف وعكازة جدي، ولا بين اللام وعصا الطبل، تصارع الفتية من أجل صفاء عيونها، هي الآن غزا الشيب مفرقها.
أمي يا مرارة الفصول
جميلة أنت كحلوة النبع
كاليا نصيب وفض البريد
كالشوق المعسكر في الترائب
كانتهاء سنين الجذب
كأوهام الطفولة
واللقاءات الحميمة
هي ذي مفاتن المحبة
وفاتحة الهذيان
والعشق الطاعن في الغياب
واحتمالات اشتعال النشيد
لك أنت أعلن أني العاشق لكمياء الحقيقة
وللأشياء البسيطة ألفتي
أتوحد في شهقة الكبرياء
وأسقط الصريع المتأجج على الرصيف
أراوح بين تضاريس هذا النزيف
في لغة تنادم في براءتها شحوب من يزرعون لهفتهم في حنايا الرغيف
لك المحبة ذاتها
والأشواق ذاتها
والحب ينشر أهدابه على هذا العشق الأليف
كنت وقتها أستخف بمهن الجيش والتعليم والتمريض والبريد والتجارة والنجارة، وتصفعني كلمات الوالد، أكتافك كأكتاف البغل، خير لك لو أصبحت دركيا"[ - صنائع من نوبة عراق العجب،ص:67]...
وإذا قمنا بعملية إحصائية نجد أن المجموعة القصصية الأولى (صنائع من نوبة عراق العجب)، تتضمن / قصائد شعرية وزجلية، مما شكل في نسيجها القصصي 119 بيتا شعريا.
وفي المجموعة القصصية الثانية (...إلخ)، فقد تضمنت 12 قصيدة، مشكلة بذلك 163 بيتا، وهي موزعة في قصص المجموعتين على الشكل التالي:
الجدول رقم:1 جدول التضمينات
المجموعة القصصية القصة الصفحة الشعر أو الزجل نوعه عدد الأبيات
صنائع من نوبة عراق العجب البحث عن عباس 9 العشية عشات والليل راح زجل 07
20 عبد الصنك المعبود يا قلوب الحجر زجل 13
تغريبة الفتى عباس الثاني 25 فمن لا دار له لا قبر له شعر 03
مخامرات عباس الثالث 37 وأنا أجري ولا ألتفت شعر 14
44 ونحن نجتاز أنهارا شعر 06
وأنا وحيد كما ترون شعر 16
هكذا تكلم عباس الرابع 53 وقف إطلاق النار شعر 07
هواجس عباس الخامس 63 أمي يا حرارة الفصول شعر 16
...إلخ من هموم امرئ القيس الدائرية 14 بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه شعر 02
14 طقس جميل شعر 14
آمان يا لا لا لي 25 خلفكم شوق وأمامكم شوك شعر 11
ونعرفهم أولئك الذين يعشقون الكراسي الأمامية شعر 10
السيف أصدق أنباء من الكتب شعر 01
هذا أنتم أيها الأجنة شعر 54
مواقف ومخاطبات لا تلزم النفري 36 يا أيها النفري بالأمس همت بك شعر 25
43 ودين الرب لم أجد أي بواب شعر 05
الحمرية 63 أمولات النوبة نترجاوك زجل 06
نصول الغواية والفتنة 71 فيخفق لهم قلب ويشط بهم خيال شعر 08
تضحية 77 تخرج في الصباح بصدر بارز شعر 15
الخندريس 80 لليل سره الباتع شعر 12
- توظيف المقاطع الغنائية:
كما انه وظف بعض المقاطع الغنائية (عيطة) لفنانة (شيخة) مغربية مشهورة، وهي (فاطمة الزحافة) من فناني السبعينيات، في قصة (هواجس عباس الخامس)...
" لا زلت أتذكر ذلك اليوم الذي عدت فيه بالشهادة الابتدائية. كانت أمي تضحك وتزغرد وترقص، وزوجة عمي تلوي عجيزتها الوثيرة التي تشبه سلة البطاطا وتتمايل على طست الغسيل، والبيت تفوح منه روائح الطبيخ سبعة أيام بنهاراتها ولياليها.
"ضحكت لالة حتى بانو الأسنان
أربي
جوهر ما يدخل للدلالة"
هكذا تردد فاطمة الزحافة، وكذلك كانت أمي، وجهها كاللجين كان، والجبهة قمر تموزي. القد زيتونة، والشعر كالسيسبان"[ - صنائع من نوبةعراق العجب، ص: 67].
او بعض المقاطع من أغاني ناس الغيوان..
- توظيف الثنائيات والتضاد:
كما وظف الثنائيات والمزاوجة والتضاد، كما في مجموعته القصصية (...إلخ) في قصة (من هموم امرئ القيس الدائرية)، والتي يقول فيها: " ... وأنا المهاجر العربي أعيش في استسلام، أشتم رائحة الخيانة، والدعارة والاستسلام، وأعلن أني طيب الشرق بالغرب. ورائحة الجنوب بالشمال. عبير الانهيار والخزي وبيع الأوطان بالمجان، السباكيتي، كوكاكولا، بيبسي كولا، مالبورو، ونستون، كنت، سالم، الماكدونالدز، بيع الأوطان في المزاد العلني، الاغتيالات، الاستغلال، عرب الأمريكان وعرب إيران.. العرب العاربة، والعرب المستعربة، العرب العاربة والعرب المتعربة.. عرب عدنان وعرب قحطان، عرب سات وعرب سالت، عرب المشارق وعرب المغارب، عرب اليمين وعرب اليسار، عرب النفط وعرب الزفت، عرب الهند وعرب السند، عرب الكفاح وعرب النكاح.."(ص:20).
وهذا كله لتجسيد رؤيته الخاصة، وبسط فنيته وتكنيكه القصصي.
- توظيف التراكمية:
ولا يقف نقوس المهدي عند هذا الحد، بل نجده في كتابته القصصية يوظف التراكمية... كما في قصته (مخامرات عباس الثالث) (ص:37)، من مجموعته القصصية (صنائع من نوبة عراق العجب)... " أما اللصوص الكبار، الدهاة، المرتشون، المهربون، المخربون، المحتالون، الحاقدون، المخادعون، المفسدون، المقامرون، المتسلطون، المتخاذلون، المتلاعبون، المستهترون، الأنانيون، المزورون، الماكرون، لخونة الذين يهربون الخيرات ويبيعون الوطن فتلك حكاية أخرى"..
ففي هذا المقطع، نجد تراكما للأوصاف (الصفات المشبهة باسم الفاعل،وأسماء الفاعل) (المشتقات).. ليبين هول الواقع، ودناءة الشخصية التي تشكل هذا الواقع، وسفالته.
ونجد التراكمية في مجموعته القصصية الثانية (...إلخ) ففي قصة (من هموم امرئ القيس الدائرية)..." ... وأرض تضحك، وأرض تعبس، وأرض تضمك، وأرض تلفظك، وأرض تبلعك، وأرض ترفعك، وأرض تبسطك، وأرض تطويك، ويجيء جوع، ويجيء عطش، ويجيء نصب، ويجيء ضياع، ويجيء تعب، ويجيء ظنك، ويجيء احتيال، ويجيء حرمان، ويجيء حنين، ويجيء ضياع، ويجيء حزن، ويجيء قهر، وتدمى قدماك، وتتدمل رجلاك، يفزك، يغيظك، ويراقصك، سوف وسوف وسوف، وتعرف بعدما بأن الحياة صارمة جدا جدا يا ولدي؟"(ص:16).
فنقوس المهدي يوظف هذا التراكم للتعبير عن التمزق الذي تعانيه الشخصية، واللحظات الحرجة التي تمر منها. كما في قصة (رحلة عباس السابع) من مجموعته القصصية الأولى.." وهدير الموج يدفعني ويجرني، يغمرني ويسحبني، يرميني ويتلقفني. يبسطني ويقعدني كأني بين يدي محقق . أتصبب عرقا، أتبول، وأضرط وأتغوط، وألهت من شدة الإعياء، والتعب والجوع والعطش" (ص:84).
كما يتحول هذا التراكم إلى حدث يجسد به أزمة الواقع العربي وتفاهته.. " يلقى علينا القبض في ظلام الفيافي لنودع في ظلمات الثلث الخالي بتهمة التسلل خارج تخوم الإمارة وتخريب الاقتصاد العالمي، وتحميل الميزانية الوطنية تكاليف إضافية من استضافة وإيواء ووجبات الخنافس المتبلة بحبات الفول والعدس والفاصوليا.. ونحن لا نود ملاقاة المالح بقسط من الأسى والفرح الغامض كأعمى المعرة مستطيعون بدليلنا، وهم يستطيعون بما أعدوا لنا من البصاصين والهراوات، والسلاسل، والزنازين، والكوابيس، والقهر، والعيون العمشاء، والحواسيب المبرمجة بالكذب، والتزوير، والولايات اللقيطة، وسرقة أموال الغلابة من الشعب، والفرمانات المزيفة والحروب الأخوية العدوانية الشرقية الغربية العشوائية التجريبية التخريبية العرقية الأهلية، الضارية الشرسة الطائفية الدموية الثأرية القبلية الاستنزافية الباردة اللامجدية واللانفعية"(ص:73).
- توظيف المقاطع التسجيلية التوثيقية:
كما وظف نقوس المهدي تقنية جديدة في كتابته القصصية، وهي: دمج المادة التسجيلية، التوثيقية، وهي لغة الوثائق والتقارير والمستندات والصحف، وتوظيفها في خطابه القصصي، وفي سرده، " وهي تقنية تستدعي الواقع استدعاء يفي بمتطلبات العمل الفني، وينتهي في النهاية إلى الارتباط اللصيق بشكل خاص لهذا الواقع"[ - الخراط،(إدوار)،الحساسية الجديدة،ص:29
انظر كذلك:آليات السرد في القصة القصيرة، مجلة فصول ،المجلد 8،العدد ¾،1989، ص:129].
وقد وظف هذه التقنية في مجموعتيه القصصيتين، وقد نجح في هذا التوظيف، وجاء خطابه متناسقا، منسجما وأكثر تأثيرا، ومنسجمة مع رؤيته، كما في قصة (البحث عن عباس)، حيث تم توظيف نشرات الأخبار لإذاعة البي بي سي عن (أثمان الذهب):
" سوق لندن 850 دولار.
سوق زيوريخ 842 دولار.
سوق هونغ كونغ 856 دولار.
لوحظ تهافت الزبائن على مكاتب الصرافة والبنوك التي يبقى بعضها مفتوحا إلى آخر منتصف الليل والناس جد متخوفين من نشوب حرب كونية ثالثة"[ - صنائع من نوبة عراق العجب، ص:14]..
وكذلك في قصة (من هموم امرئ القيس الدائرية) من مجموعته القصصية (...إلخ)، حيث نجد توظيفا للأخبار والبلاغات الوزارية..." تلبية لدعوتنا بإحياء تراث فقيد الشعر العربي الشاعر امرئ القيس، فقد حضر إلى مقر وزارتنا في الوقت والزمن المناسبين العديد من الأوانس والسيدات بأحسن ما لديهن من أزياء وعلى وجوههن ما جد في الأسواق من أصباغ ومراهم.. كذلك حضر لعين المكان المصورون ورجال الصحافة المسموعة والمرئية. وقد قمنا بجمع ما قاله فيهن من أشعار بحكم تشبيبه فيهن أو صداقته لهن، وسوف نصدر كل ذلك في ديوان شعري على أن تصدر بعده نسخات مزيدة ومنقحة"(ص:22).
- توظيف الرسالة:
ونقوس المهدي قد ضمن خطابه القصصي تقنية أخرى : هي الرسالة. وهي هنا لون متخيل، ومن ثمة أصبحت الرسالة في نسيجه القصصي سيرورة قصصية.
صحيح، أننا لن نخلط المعنى الحقيقي للرسالة عامة مع معناها لعى اعتبارها إحدى مقومات القصة او الكتابة القصصية التي اعتمدها- كما يؤكد ذلك تزيفتان تودوروف[ - تودوروف،(ت)، الأدب والدلالة،ترجمة، د. محمد نديم خشفة،مركز الإنماء الحضاري لدراسات والترجمة والنشر،حلب، سورية، ط1، 1996، ص:10]..
والرسالة تمثل منطوقا لشخصية معينة. وهي وجهة نظر . وأنها قناع من الأقنعة التي تتخذه الشخصية. ولها وظيفة الأسلوب المباشر.
والأسلوب المباشر إذن وسيلة تجعل القارئ في الوقت نفسه، إما أكثر أو أقل اطلاعا من الشخصيات على تطور الحبكة، وليست الرسائل سوى تجسيد خاص لهذه الإمكانيات العامة التي يتيحها الأسلوب المباشر[ - المرجع نفسه، ص:35]..
والرسالة كوحدة منغلقة، تنتج انقطاعا في استمرارية السرد. كما أن الرسالة تتيح للسرد إمكانية التفتيت Déformation المؤقت للأحداث. ويعمد التفتيت إلى زحزحة التطابق بين النظام التتابعي للأحداث، ويعمد كذلك إلى زحزحة التطابق بين النظام التتابعي للأحداث الموصوفة، وبين نظام تواليها[ - المرجع نفسه،ص:36]..
كما أن النص القصصي يأخذ واقعيته أو بعده الواقعي بواسطة هذه الرسائل.
وفي المجموعة القصصية الأولى ( صنائع من نوبة عراق العجب)، نجد توظيفا لتقنية الرسالة، كما في قصة (البحث عن عباس)، في المقطع 12:
"- 12-
رسالة إلى إنسان
من السيد عباس .. أول السيل وآخر أجراس الصحو أنت. أول التذكر والتفكر أنت. وأول الشكر هم الذين يشعلون نيران الفتنة و"السيبة"، يحرقون الغابات، يفقئون كبرياء السمعة ويلوثون صفاء الدمعة.. يدحرجون الشمس إلى مرافئ الغروب.. يطمسون وجهها اللجيني ويصادرون دفئها.. ويمنعونها من ملامسة أجساد الأطفال ووجه المدى وملاطفة الندى"(ص:17).
العنونة
اهتم نقوس المهدي كثيرا بالعنوان الخارجي والداخلي. وهو يعرف ما للعنوان من أهمية وأدوار في عملية التلقي والتأويل.
والعناوين الخارجية والداخلية التي اختارها نقوس المهدي لها أكثر من دلالة.. وتجعل الوقوف إليها طويلا . وتشكل هذه العناوين شبكة محاور سردية تتلاحم فيما بينها لتعطينا كتابة قصصية جديرة بالوقوف إليها.
فإذا ما أخذنا المجموعة القصصية الأولى، نتساءل:لماذا هذا العنوان؟ ماذا يتغيى نقوس المهدي من روائه؟. ما هي الإشارات أو الإضافات التي يتضمنها ويطرحها هذا العنوان؟.
عندما نقف إلى العنوان (...إلخ)، أي (واستمر الأمر هكذا) و(تتابع القول إلى ما لا نهاية).. فهو عنوان مشوش، يولد لدى المتلقي مجموعة من اللبوسات. ماذا بقصد نقوس المهدي بهذا العنوان؟
الحيرة لا تطول كثيرا. فعندما نعود إلى المقدمة التي أثبتها نقوس المهدي تحت عنوان (قبل البدء) بالصفحة 6، ونقرأها جيدا، نفهم قصدية هذا العنوان وهدفيته.
أول ما يفاجئنا في هذه المقدمة، هو: تأكيد نقوس المهدي على أن هذه المجموعة القصصية قصصها عبارة عن أوراق وجدت بالصدفة أثناء البحث عن أسرار قديمة خلال ليلة مؤرقة، خاصة وأن أكثرها نشر ببعض الجرائد المغربية والتونسية، وبعض المجلات العراقية.
وهذه الأوراق تؤرخ لعلاقة الراوي بالبطل، والاتهامات التي يكيلها البطل للراوي ، خاصة فيما يخص الكتابة القصصية.. واتهامه له بخرق شرط الكتابة، والمآزق التي يضعها فيه، والصراع الذي يوقعه فيه مع القارئ.
والكاتب يعيد الماضي، لا ليحيي التاريخ، ولا ليعيد الماضي، ولكن ليبني عليه المستقبل، وليؤخذ منه العبر والدروس..
وفي مراجعة الذات هذه، تأتي هذه القصص العشرون كمتواليات قولية، أو فائض حديث.. إلى ما لا نهاية، أي مستمرة ودائمة، ولذا نجد الكاتب عبر عن هذه الاستمرارية بــ ( ...إلخ).
أما العنوان (صنائع من نوبة عراق العجب)، فهو عنوان تناصي. من خلاله نستحضر صنائع الطرب الأندلسي.. وقد جاء العنوان موازيا لنوبة أندلسية هي (صنائع من نوبة عراق العجم)، وهو توار عددي..
صنائع / من/ نوبة/ عراق/ العجب
صنائع/ من/ نوبة/ عراق/ العجم
1 / 2 / 3 / 4 / 5
والنوبة الأندلسية، هي: صنائع لحنية، تتألف من خمسة أقسام. كل منها يسمى باسم دور الإيقاع، وهي: ( البسيط - القائم ونصف - البطايحي- القدام - الدارج).. وهذه الكتابة هي نوبة قصصية، ورؤية.
والصنعة في الموسيقى الأندلسية تتكون من لحن وميزان. وفي كتابة نقوس المهدي الصنعة هي الفنية التي تتكون من أحداث وتقنيات، وبالتالي جاءت قصصه عبارة عن صنائع حاملة للفن والعجب.
التصدير
التصدير مصاحب نصي استشهادي. ويأتي على رأس النص الإبداعي. وقد وظف نقوس المهدي التصدير، خاصة الاستهلال . l’épigraphe liminaire ويهدف منه توجيه أفق انتظار القارئ وتوسيع أفقه الثقافي. وقد قام بانتقاء هذه التصديرات والتي تبين اتساع أفقه الثقافي واطلاعه الواسع. وجل التصديرات التي وظفها هي تصديرات غيرية Epigraphe allographe.. والتصدير حسب جيرار جنيت: هو حركة صامتة تأويلها موكول للقارئ[- منصر،(نبيل)، الخطاب الموازي، دار توبقال للنشر، ط1، 2007، ص:60..].
وقد أثبته نقوس المهدي ليقوم بوظائف متعددة، منها:
- التعليق على العنوان.
- التعليق على النص.
- تحفيز القارئ، وتصعيد حساسيته.
- تزكية النص وتوفير كفالته النصية.
والتصديرات التي استهل بها نقوس المهدي قصصه، جاءت متنوعة، سردية وشعرية. وعددها 8، أي كل قصة افتتحت بتصدير يعتبره القارئ متعاليا نصيا.. وهي كالتالي:
الجدول رقم: 2 جدول التصديرات
المجموعة القصصية القصة نوع التصدير مصدره مؤلفه
صنائع من نوبة عراق العجب البحث عن عباس سردي وردية ليل ابراهيم أصلان
تغريبة الفتى عباس الثاني شعري رماد هسبريس محمد الخمار الكنوني
مخامرات عباس III شعري ؟ نازك الملائكة
هكذا تكلم عباس الرابع شعري أعلنت عليكم الحب عبد الله راجع
هواجس عباس الخامس سردي ؟ مجهول
رحلة عباس السادس شعري كبوة الريح أحمد المجاطي
رحلة عباس السابع شعري ؟ مجهول
تراجيديا بزمن الحزن شعري المصحف الهجري محمد الماغوط
...إلخ العقيد شعري اكتب الحياة عبد اللطيف اللعبي
من هموم امرئ القيس الدائرية سردي هكذا تكلم زاردوشت نيتشه
آمان يا لا لا لي شعري ؟ عبد القادر وساط
مواقف ومخاطبات لا تلزم النفري نمنمات المواقف والمخاطبات النفري
جئت لأزف إليكم بشرى موتي حكمة ؟ الواواء الدمشقي
يا أيها الغالب في مدائحي سردي ؟ د.محمد جسوس
سهرة مع الثعابين سردي شرق المتوسط عبد الرحمن منيف
وليمة سقراط الأخيرة سردي ؟ قراط
الحمرية لا يــــــــــــــــــــــــــــــــــــوجـــــــــــــــــــــد
حينما كان الحب ديني وإيماني موشح ؟ ابن غرلة
أكبادنا عشب هذا الربيع شعري ؟ محمود درويش
فصوص الغواية والفتنة شعري ؟ يوبي آي
المدام ذات الكعب العالي لا يـــــــــــــــــــــــــــــــــــوجــــــــــــــــــــــــد
الكوابيس لا يـــــــــــــــــــــــــــــــــــوجــــــــــــــــــــــــد
إعدام عاشق شعري ديوان قراءة تامة حميد سعيد
تضحية شعري ؟ المتنبي
قناعة لا يـــــــــــــــــــــــــــــــــــوجــــــــــــــــــــــــد
شرف لا يـــــــــــــــــــــــــــــــــــوجــــــــــــــــــــــــد
الخندريس شعري ؟ محمد الماغوط
أعض على أناملي ثملا بالفجيعة شعري ؟ محمد الماغوط
من خلال الجدول نلاحظ أن المجموعة القصصية (...إلخ) تتضمن خمس قصص جاءت بدون تصدير. وقد شكلت نسبة 25%. في القصص المستهلة بتصدير في المجموعة القصصية الأولى شكلت نسبة 100%، أي أن كل نصوصها تقدمها تصدير غيري، أما في المجموعة الثانية فشكلت نسبة 75%، أي أن 15 قصة افتتحت بتصدير كذلك غيري..
الملمح اللغوي في بناء القصة
القصة القصيرة عند نقوس المهدي تنبني على أسس وعلى فنيات وعلى صنعة. وأساس كل هذا عنده هو اللغة.
ونقوس المهدي يعرف أن اللغة الأدبية وتشكيلها هي التي تعطي للعمل الأدبي بريقه ولمعانه، وتبعده عن المألوف والعادي.. وهو حريص على لغته القصصية. يعتبرها من أساسيات الخطاب القصصي..
1- السمات التركيبية:
أ)- الجملة الإنشائية: ما يلاحظ في كتابة نقوس المهدي، هو توظيف الجملة الإنشائية، ويتجلى ذلك في توظيف:
* النداء: وقد استعمل أسلوب النداء إما باستعمال أدوات النداء أو بدون استعمال لها.. وقد حضر النداء كالتالي:
الجدول رقم:3 النداء
المجموعة القصصية يا أ أيتها أيها يا أيها بدون أداة
صنائع من نوبة عراق العجب 24 01 01 05 00 00
...إلخ 34 00 00 06 05 13
* الاستفهام: نجد توظيفا بكثرة لأسلوب الاستفهام..
الجدول رقم:4 الاستفهام
المجموعة القصصية أ ماذا أي أين كيف هل بدون أداة مج
صنائع من نوبة عراق العجب 00 11 01 01 00 15 01 29
...إلخ 04 09 03 04 01 02 00 23
المجموع 04 20 04 05 01 17 01 52
فإذا قرأنا الجدول أفقيا، نجد أن (هل) قد تكررت 15 مرة في المجموعة القصصية الأولى، وحققت بذلك نسبة 51.72%.. وتكررت (ماذا) ثمان مرات في المجموعة القصصية (...إلخ)، وحققت بذلك نسبة 34.78%..
ومجموع هذا الاستفهام في المجموعتين معا هو 52 تكرارا.. احتلت فيه (هل) المرتبة الأولى بــ 17 تكرارا، ونسبة 32.69%...
* الأمر: والأمر الموظف في كتابة نقوس المهدي، جاء على ثلاث صور، وهي:
- الأمر باستعمال فعل الأمر الصريح.
- الأمر باستعمال اسم فعل الأمر.
- الأمر باستعمال الفعل المضارع مع لام الأمر.
الجدول رقم:5 الأمر
المجموعة القصصية الفعل الأمر الصريح اسم فعل الأمر لام الأمر المجموع
صنائع من نوبة عراق العجب 04 01 05 10
...إلخ 16 01 03 20
المجموع 20 02 08 30
عند ملاحظة الجدول ننجد أن الأمر في المجموعة القصصية الأولى قد جاء بصيغة استعمال لام الأمر مع الفعل المضارع، وقد تكرر خمس مرات، وحقق بذلك نسبة 55.55%. أما الأمر باعتماد الفعل الصريح، فقد تكرر أربع مرات، محققا بذلك نسبة 44.44%.
وفي المجموعة القصصية الثانية (...إلخ)، فقد احتل الأمر باستعمال الفعل الصريح المرتبة الأولى بــ 16 تكرارا، محققا بذلك نسبة 80%.
كما أنه في كتابة نقوس المهدي القصصية احتل هذا النوع من الأمر المرتبة الأولى بــ 20 تكرارا، ونسبة 68.96%..
* النهي: نجد توظيفا للنهي، ولو أنه بنسبة قليلة، متمثلا في 8 تكرارات، وردت كلها في المجموعة القصصية الثانية (...إلخ).
ب)- الجملة الطويلة: في المجموعتين القصصيتين نجد نقوس المهدي يستعمل الجمل الطويلة، والتي يقصدها لتقديم تفاصيل أو توصيف، أو توضيح، أو تمديد للحدث.. ونعرف أن الجملة تنتهي بنقطة، والتي تحد حدودها وامتدادها...
" لقد علمتنا التجارب أنه حينما تكبو البلاد نسقط في مستنقع عابق بشرود الأوهام والدمار.. نرفع أعيننا ونلوي شفاهنا مخافة الليل.. نبحث في مؤخرات جماجمنا عن زوارق الفجيعة.. نتسلق جبال الطموح وسقالات البطولات التاريخية وأنماط الإنتاج العبثية وكيمياء الشبق أيضا وأيضا"[ - ...إلخ،ص:28]..
فنجد في هذا المقطع القصصي الجملة الطويلة، والتي تمتد عبر 14 كلمة، ليحضر الوقف والمتمثل في النقطتين (..) المعوضتين لنقطة الوقف.
ج)- التخلي عن حروف العطف (الروابط): يعمد نقوس المهدي إلى توظيف جمل لا رابط بينها، وبذلك يحقق قيمة بلاغية هي: الفصل... "أما اللصوص الكبار، الدهاة، المرتشون، المهربون، المخربون، المحتالون، المتلاعبون ، المستهترون، الأنانيون، المزورون، الماكرون ، الخونة الذين يهربون الخيرات، ويبيعون الوطن، فتلك حكاية أخرى"( مخامرات عباس الثالث،(ص:37).
ونجد نفس الخاصية في (...إلخ): " ومنكم من غيبت وجوههم المليحة رحى حروب أخوية.. عدوانية.. ضاربة.. دموية.. شرسة.. عرقية.. غربية.. عربية.. أهلية.. طائفية.. شقية.. ثأرية.. استنزافية.. تجريبية.. باردة.. تخريبية.. عشوائية.. خالية.. خيالية.. عقيمة.. تهديمية .. جهنمية .. لا مجدية"(أمان يا لا لا لي، ص:31).
* استعمال واو العطف:
التوظيف للربط يساعد على تنامي الأحداث وتواليها، وتصاعد دراميتها.. كما يبين هذا الاستعمال الترابطي قدرة الكاتب على اللعب اللغوي والتوظيف الذكي والمقصود لعلامات الترقيم، خاصة علامة (الفاصلة). وهو يريد بذلك إرباك المتلقي والدفع به إلى الاشتغال على تحديد السياقات، والتأويل للوصول إلى المعنى المقصود. وهذا كله يدخل في استراتيجية الكتابة وتقنياتها عند القاص نقوس المهدي...
" بناء على ما أقيم حول شخصية امرئ القيس ابن الملك حجر الكندي من أساطير وروايات وحكايات، وبناء على التقارير المرفوعة إلينا من الجهات المختصة حول ماضيه المشبوه، وثقل دمه، وسماجته، وسوء معشره، وكرهه من طرف النساء، وأن زوجته (أم جندب) طلقته وعاشرت غيره لعدم فحولته، وعدم انتعاض عضوه، وأن النساء كن يتعلقن به لماله وجاهه وحسبه فقط، وبعد مناقشة مستفيضة لكامل المعطيات، جمع الحاضرون على صحة تلك الادعاءات ومنافاة تلك التصرفات المريبة والشاذة لكل حدود المنطقي والمعقول" (من هموم امرئ القيس الدائرية، ص:(22/23).
" إن سجوننا بعكس ذلك نظيفة كسجانيها، والملابس مكوية تفوح منها روائح طيبة.. والبق والقمل ، والصئبان لا وجود لها البتة، ولا وجود للصراصير والجرذان والبراغيث والذباب، ولا وجود للخنافس في وجبات الفول والعدس والفاصوليا والبازلاء، بل لا وجود للبازلاء والفاصوليا، والعدس والفول لأبدا"[ - صنائع من نوبة عراق العجب،ص:43].
- الإيهام بالتلاعب بعلامات الترقيم:
عمل نقوس المهدي على تقديم نصوص قصصية غنية بتجديداتها وتقنياتها السردية. واستطاع بفنيته وصنعته أن يوهم المتلقي/ القارئ بأن توظيفه لعلامات الترقيم، وتموقعها هو نوع من اللعب السردي والكتابي. وهذا ما خلق نوعا من الفوضى الجميلة، وخلق نوعا من التداخل بين أنساق اللغة ودلالاتها. وهذا مقصود من الكاتب، لأنها استراتيجية وتقنية من استراتيجياته الكتابية.. فنجد أحيانا التخلي عن علامات الترقيم، وأحيانا الاستعاضة عن بعضها بأخرى كالنقطتين (..) بدل النقطة (.)، وتقديم السؤال والاستفهام بدون علامة الاستفهام، والتعجب بدون علامة التعجب...
" لكن ترى ماذا يحلم الأغنياء والصيارفة والمرابون والمضاربون وعقيلات الأعيان والقادمون من دمن حياة محنطة بالحرمان والكبت والجوع وأقراص الفياغرا.. هل أبحتم لأنفسكم مضاجعة امرأة في سن اليأس.. إنكم كمن يتوسد سجلا مفعما بأعراض مرضية أسطورية لا وجود لها..."[ - صنائع من نوبة عراق العجب، ص:57]..
ففي هذا المقطع تم توظيف علامتين فقط للدلالة على انتهاء الجملة (الوقف)، وهما: النقطتان(..)، ونقط الاكتفاء الثلاث (...)، وغابت الفاصلة بين المعطوفات، والفواصل.. كما غابت علامة الاستفهام.
إن هذا المقطع خاضع لقانون النص الذي تخيله الكاتب ورسمه في ذهنه. ولذا شكل هندسة النص على هذا الشكل. وهذا يجعلنا نتساءل:
- هل هذا الشكل من الكتابة وتوزيعها هو تعبير عن اللاوعي الجديد الذي أصبح يشكل اللغة التعبيرية والأدبية؟.
- هل هو بعد نفسي وواقعي يعطينا صورة للنفس المبدعة وما تعيشه من قلق وتمزق؟
- هل هي مرآة تعكس الحياة التي يحياها الإنسان في هذا الوجود؟
- التكرار:
التكرار يعمل على التأثير والتأكيد، والتنبيه، وتطريب السماع، وإبهاج النفس. ويجب الاعتبار أن التكرار ليس زيادة، وأنه " لا يجوز أن ينظر إلى التكرار على أنه تكرار ألفاظ بصورة مبعثرة غير متصلة بالمعنى أو بالجو العام للنص (...) بل ينبغي أن ينظر إليه على أنه وثيق الصلة بالمعنى العام"[ - ربايعة،(موسى)،التكرار في الشعر الجاهلي،دراسة أسلوبية، جامعة اليرموك،الأردن، مؤتمر النقد الأدبي، 10/13 تموز 1988، ص:15]..
وقد وظف نقوس المهدي هذا التكرار لأغراض فنية وجمالية، منها:
- توفير إيقاعية النص وشعريته.
- تأكيد القول.
- إعطاء المتلقي صورة على أن الذات الساردة في حالة تداع ومناجاة، مع اعتماد تيار الوعي، وبالتالي جاء التكرار كمونولوج داخلي...
يقول في قصة (البحث عن عباس):" – الخبز لا يسمن ولا يغني من جوع... الشاي لا يغني ولا سمن من جوع..
البصارة تلخشة الفول العدس لا يغني ولا يسمن من جوع.
الصبر لا يسمن ولا يغني من جوع"(ص: 16).
فنجد في هذا المقطع تكرارا للجملة (لا يسمن ولا يغني من جوع).. ليبين بهذا التكرار فداحة الأمر ، وصعوبة الحياة.
كما نجد نقوس المهدي يستعمل التكرار للتدقيق والتفصيل.. كما في قوله: " أناس يحتضنون صحائف وثنية مغموسة في ماء السياسة... وناس وثنيون مغتسلون بماء السياسة...
وناس وطنيون...
وناس سياسيون..
وناس ساسة..
وناس مسيسون..
وناس بائسون..
وناس موسوسون..
وناس متعَبون..
وناس متعِبون..
وناس ثعابين.. وناس أجورهم كمؤخرة دجاجة منها تبيض وتتبرز وتتسافد.
وناس يؤجرون عيونهم..
وناس يؤجرون ألسنتهم..
وناس يؤجرون آذانهم.. وناس يؤجرون أكتافهم.. وناس مأجورون.. وناس أجراء.. وناس لا أجرة لهم" (ص: 44/45).
كما يقصد من التكرار: الوصف والتوصيف، وتوضيح ملامح بعض الشخصيات... " أنا عباس الذي انضحك عليه..
أنا عباس الذي الجوع والحرمان يعرفه..
عباس الذي قالوا لا ترجى من ورائه فائدة..
عباس الذي أغرقوه في المالح ليأكله القرش..
عباس الذي نسوه في أقبية المخافر لصلابة رأسه..
عباس الذي أرضعوه لبن الحمير فأضحت الحمارة أمه بالرضاعة...
عباس المتوحش في المزايا..
عباس الشاهد..
عباس الشهيد.. عباس المتشهد.."(ص:49).
- شعرية السرد (السرد الشعري):
يحول نقوس المهدي الكتابة السردية إلى كتابة شعرية. فتأخذ القصة شكل قصيدة النثر، كما في قصة (تضحية) والتي يقول فيها:
"تخرج في الصباح بصدر بارز
وقوام ممشوق
ووجه متورد
وقلب سليم
متنقلة من حضن إلى حضن
ومن صدر لصدر
ومن ذراع لذراع..
في المساء تؤوب بوجه ذابل
وصدر متهدل
وقامة منحنية ، وقلب سقيم
متنقلة من لسان لعين
وعين لفم
وفم لأذن
إن الزمان لعنود لوام كنود
لا أحد يعترف بالتضحيات"(...إلخ، ص:77)
وهذا النوع من الكتابة يجعلنا أمام القصة القصيدة، وبالتالي تصبح كتابة نقوس المهدي القصصية كتابة عبر النوع، بما أنها تجمع بين القصيدة والقصة، بين الشعر والسرد.
- التداخل الأجناسي:
إن الأديب نقوس المهدي قاص مجدد، يضاد القصة التقليدية في كتاباته. بحثه متجدد عن أشكال قصصية جديدة، ومن ثمة أصبح يقدم لنا في كل مرة قصة تظهر غير منسجمة يمكن لنا أن نسميها قصة متاهة لما تسقطنا فيه من لبوسات، متعددة الضمائر، متشابكة الزمن، لكنها ثرية النص.
" يقولون إن الحسن إذا زال تبقى حروفه، وأمي كانت أجمل فتيات الدوار على الإطلاق، لا تعرف الفرق بين الألف وعكازة جدي، ولا بين اللام وعصا الطبل، تصارع الفتية من أجل صفاء عيونها، وهي الآن غزا الشيب مفرقها..
أمي يا حرارة الفصول
جميلة أنت كحلوة النبع
كاليانصيب وفض البريد
كالشوق المعسكر في الترائب
كانتهاء سنين الجذب
كأوهام الطفولة
واللقاءات الحميمة
هي ذي مفاتن المحبة
وفاتحة الهذيان
والعشق الطاعن في الغياب
(...) كنت وقتها أستخف بمهن الجيش والتعليم والتمريض والبريد والتجارة والنجارة، وتصفعني كلمات الوالد: أكتافك كأكتاف البغل خير لك لو أصبحت دركيا" [ - صنائع من نوبة عراق العجب،ص:67]..
وأحيانا يجد المتلقي نفسه في جولة مع السارد ما بين القصة والشعر والخاطرة كما في قصة (رحلة عباس السابع) من مجموعته القصصية (صنائع من نوبة عراق العجب)..
إن نقوس المهدي يمزج بين الأنواع، لا يهمه الشكل بقدر ما يهمه طرح الفكرة والصورة. ولذا يتخير لها الحوامل التي يراها مناسبة، ومن ثمة يعمل كل تقنياته ليدخل المتلقي داخل فكره وفكر السارد.. فيجد المتلقي نفسه منذ البداية داخل فكر السارد، وداخل المجرى اللامنقطع لفكره، وهو مجرى يتزامن فيه الحدث والتعبير الداخلي.
- تفتيت الجمل إلى جمل صغيرة:
تتميز كتابة نقوس المهدي القصصية بميزة كتابية، يجد فيها حقه في الاختلاف والائتلاف، وحقه في الإبداع والتجريب. فهو أحيانا لا يعتمد الجملة العادية للتعبير عن موقف، بل يفتتها إلى جمل صغيرة. وهو بذلك بدل أن يقدم مشهدا أو صورة بانورامية، يقدم للمتلقي مشاهد صغيرة ومقتضبة، متنوعة عن مشهد عام.. ويترك له أحقية جمعها للوصول إلى الصورة المرادة أو المبتغاة.. كما في قصته (تغريبة الفتى عباس الثاني)، والتي يقول فيها:
" هاهي المدينة أخيرا
المدينة التي طالما سمعت عنها..
عفريت بالليل وغول بالنهار..
أرصفة وجدران مقروءة بالعيون واللواحظ..
وصلت إليها هذا الصباح..
هذا الصباح فقط وصلت ونزلت من الحافلة في محطة المدينة"..
فهو لتقديم صورة عن المدينة وعما توصف به، يقسم الجملة أو الصورة إلى ست جمل أو مشاهد.. وهو يريد أن يوصل للمتلقي قوة المدينة ووحشيتها، وما يسمع عنها.
ويقول في نفس القصة: " بدأت التحرك.. كانت الشوارع تتحرك والساحات والحيطان والنواصي أيضا وأيضا.. عالم غريب مسكون بالهشاشة والارتجال والضجيج والترقب.. والمارة متأبطين شرورهم.. يغدون السير.. لا يكلون من المشي والنميمة والفضول..
لا يلتفتون..
ولا يتوقفون..
ولا يبالون..
يلتقون.. ويتصادمون..
يراوغون أوهامهم.. ويتشابكون..
ويسبون الملة والدين والذي خلق...
متعبون.. مغبرون.. ماكرون.. تعطلت لديهم لغة الكلام.. كأنما ورثوا هموم الدنيا. يحدقون بأبصار طاعنة في الشرود"(ص:26/27).
فكل مشهد يصور المدينة وحركة المدينة، وسلوك أهل المدينة...
- الحذف والصمت والفراغ:
تعتمد قصص الحساسية الجديدة على اقتصاديات نصية، تتجلى في: الصمت والحذف والفراغ، حيث يجد القارئ نفسه أمام نص مليء بالفراغات والبياضات... نصوص تستنكر الإفاضة في الكلام وتفضل الصمت والحذف.
" رميت بقجتي .. وأخذت أجري ولا ألتفت..
وال(.....) يدق بعنف..
وال(.......) ينسكب من جسدي..
وال(.....) يشرشر على فخذاي..
وال(.......) قد جف"(ص:50).
هنا نرى أن القصة عند نقوس المهدي غير خاضعة للأنظمة ولا للأنساق ولا للقوانين.. هي قصة خارج القانون. قوتها في تحررها وإيحاءاتها.فهي تمارس حقها – كما يقول الدكتور حسن المودن- في الكلام وفي الفعل، وفي الاختلاف[ - المودن، (حسن)،مغامرات الكتابة في القصة القصيرة المعاصرة،منشورات اتحاد كتاب المغرب،الرباط ، 2013، ص:52]..
إنه يقدم وعن وعي قصة قصيرة مغربية، متجاوزة لكل عرف.. متجاوزة لكل الحدود. لها عالمها الخاص، وبنيتها الخاصة.
ومن هنا أصبح الحذف والصمت والفراغ من عناصر بناء القصة عند نقوس المهدي. فماذا يرى بهذه العناصر؟.
- كيف يقوم هذا الصمت والحذف والفراغ داخل السياق النصي؟
- ماذا يريد أن يقول؟
لهذا الصمت أو الحذف أو الفراغ أهمية بليغة في الكتابة القصصية عند نقوس المهدي. إنه يلمح إلى ما هو مضمر، ويشير إلى ما هو مخفي، ويفضح ما هو مستور. ومن ثمة يصبح الإخفاء إظهارا، والستر فضحا، والتغطية تعرية، والتلميح إشارة، والغائب حاضرا...
فما هي الأشكال التي يتخذها هذا الحذف؟
إن الحذف والصمت والفراغ يتخذ شكل نقط الحذف داخل قوسين.. كما في النموذج أعلاه.. ومن ثمة أصبحت مهمة نقوس المهدي ليس الحكي، ولكن الدفع بالمتلقي إلى الحوار، والكلام، والمشاركة في البناء، والدفع به كذلك إلى محاولة إخراج النص من صمته، ومن غيابه إلى النطق والإفصاح والكلام، والمساءلة، والحضور..
" فالصمت ليس عدما خالصا، أو فراغا مجانيا، بل هو بنية قابلة لتأويلات عدة"[ - المودن، (حسن)، المرجع نفسه، ص:56].
والعجيب أن نقوس المهدي يستعمل في توظيف هذا الصمت والحذف والفراغ في كتابته القصصية تآكل الجملة والكلمة.. حيث يبدأ الحذف في عناصر الجملة أو الكلمة تنازليا، كما في قصته (مخامرات عباس الثالث) من مجموعته القصصية (صنائع من نوبة عراق العجب):
" وأنا أجري ولا ألتفت..
وأنا أجري ولا ألتف..
وأنا أجري ولا ألت..
وأنا أجري ولا أل....
وأنا أجري ولا أ..
وأنا أجري ولا ..
وأنا أجري ول..
وأنا أجري و..
وأنا أجري ..
وأنا أجر..
وأنا أج..
وأنا أ..
وأنا..
وأن..
وأ..
و............"(ص:51).
ومن خلال هذا الحذف المقصود الذي يمس بنية الجملة، ثم الكلمة، نتبين الضيق الذي تشعر به الشخصية عباس وانحباس نفسها ولهاثها.. إنه تعبير ضمني عن الحالة النفسية التي عليها الشخصية.
الزمن واتجاهاته
في قصتيه يعتمد نقوس المهدي على التنويع في النسق الزمني وكتابته القصصية.
1- النسق الزمني الهابط:
فمن القصة الأولى نجد أن القاص/الراوي يضعنا أمام حال الإنسان العربي عامة والمغربي خاصة، وحال الأمة وما آلت إليه من انقسام وضعف وتهاون، واستسلام.
وللوقوف على الأسباب المؤدية إلى هذا الحال نعود إلى الوراء باعتماد الاسترجاع والارتداد إلى الماضي لكشف الدواعي. ولذلك يرجع نقوس المهدي إلى زمن النكبة أو هزيمة 1967، وحرب الاستنزاف، وعهد عبد الناصر، ومرحلة السادات، وحرب أكتوبر، ومعاهدة السلام، وكامب دايفد، وثورة الربيع العربي، وسنوات الجمر والرصاص بالمغرب، واغتيال المهدي بن بركة، وغيرها من الأحداث، لنفهم من خلالها الحالة المزرية التي وصلت إليها الأمة.
2- النسق الزمني الصاعد:
في هذا النسق نجد توازيا بين زمن الكتابة وزمن الأحداث، كما في قصة (العقيد)، حيث نتابع أحداثها، فهي تسير في مألوفية واعتيادية التي تعرفها القصة القصيرة العادية، إذ نعيش فيها مع (العقيد)، حيث تتابع أحداثها، فهي تسير في مألوفية واعتيادية التي تعرفها القصة القصيرة العادية. إذ نعيش فيها مع (العقيد) بعض لحظاته، ووقته قبل أن يسقط بطلقة رصاصة في الصدغ.
3- النسق الزمني المنقطع:
الأزمنة هنا تتقطع، حيث تهبط من الحاضر إلى الماضي، وتصعد من الحاضر إلى المستقبل، فتختلط الأحداث، وتتدفق أحداث أخرى جديدة، كما في قصة ( من هموم امرئ القيس الدائرية)، حيث نجد أحداثا عديدة منها:
* حادثة الانقلاب العسكري على حجر الكندي.
* الاضطراب الذي مس الاقتصاد.
* معرفة السبب الذي جعل امرئ القيس شاعرا ضليلا.
* معرفة السبب الذي حول امرئ القيس من عاشق إلى مطارَد.
* معرفة السبب الذي جعل من امرئ القيس شاعرا ذا قروح.
* الوقوف على الاستنطاق الذي تعرض له امرؤ القيس.
* الوقوف على حادثة العرافة مع امرئ القيس.
* الوقوف على البلاغات الوزارية، والبلاغات المضادة.
وبالتالي أصبحت القصة تتضمن قصصا صغيرة، مساهمة في بناء القصة الأولى الإطار. ومن ثمة يصبح التضمين l’enchâssement شكلا من أشكال السرد القصصي الذي يظهر تقطيع الزمن الذي يتصاعد في اتجاه الحاضر، أو يختفي في اتجاه الماضي.. والتمازج بين هذه الأنساق الزمنية الثلاثة حقق في كتابة نقوس المهدي القصصية الجمالية، والفنية، واللتان لهما تأثيرهما عل المتلقي.
لكن الملاحظ أن عدم التوازي بين زمن الكتابة وزمن القصة، يخلق نوعا من التشويق، ويتجلى في تلهف القارئ على معرفة هذه الصنائع التي يخبرنا بها الكاتب.
ففي النسق الزمني الصاعد لا يقطع الراوي توالي الأحداث وانسيابها لخلق التأزم الدرامي، بل يبينه تدريجيا من خلال التركيز على نفسية البطل (عباس- امرئ القيس)، وحاله المتدهور، ودبيب الإحساس إليه بالغربة والقلق، والأزمات النفسية.
وفي النسق الزمني المتقطع، يقطع الراوي تتابع الأحداث وتواليها، ليطلع المتلقي على حالات أخرى وأحداث أخرى أو أسباب أخرى. ويبين لنا أن زمن الأحداث يمتد من معاهدة سايكس بيكو 1916 ، وتقسيم العالم العربي إلى منطقة حمراء ومنطقة بيضاء إلى يومنا هذا، وما عرفته هذه الحقبة من محن ونكبات، وتحولات وصراعات، وإيديولوجيات.
أما زمن الحكاية أو القصة، فيتشكل من الحاضر الهابط والنازل تدريجيا إلى الماضي، تبدأ بتساؤل عباس عن نفسه، والبحث عن ذاته وشخصيته داخل هذه الأحداث، والتداعيات، والنكبات.
لكن في تقديمه لهذه الأنساق الزمنية الثلاثة، نجد أن هناك اختراقات للأزمنة بعضها لبعض، مما ينتج عنه مفارقات زمنية متمثلة في:
أ)- استرجاع الماضي: وهذا الاسترجاع يشكل نوعا من الذاكرة القصصية التي تربط الحاضر بالماضي.. " هذا الماضي الذي تكتب أحداثه السابقة للنقطة التي تروى فيها القصة الآن. ينصب إجمالا ويتركز حول "أنا" الراوي"أنا" تبرز في عيشها الحاضر والماضي فردية في معاناتها للمشاكل الاجتماعية، والسياسية. فردية في تصوراتها وأحلامها وقناعاتها"[ - د.أبو ناضر،(موريس)،الألسنية والنقد الأدبي(في الممارسة والنظرية)، ص:95].
ب)- استشراف المستقبل: إن الاستشراف يتم من خلال استيحاء أحداث سابقة للنقطة التي وصل إليها السرد. إنه تطلع للغد ورؤية سابقة للحاضر وهذا كله تطلب من الكائن نقوس المهدي اتباع تقنية سردية زمنية تجلت في:
* الخلاصة: وهي شكل من أشكال السرد القصصي، تكمن في تلخيص عدة أيام أو أسابيع، أو سنوات في مقاطع أو سطور قليلة دون ذكر تفاصيلها..
* الوقف: وهو يشكل وقف الأحداث، لإعطاء الفرصة للوصف والتوصيف.
* الحذف: وهو كشكل سردي قصصي، يتكون من إشارات محددة أو غير محددة للفترات زمنية، وهو قليل في كتابة المهدي نقوس، لأن الصورة السائدة للسرد القصصي هي صورة الحدث المتحرك ، والمحرك.
* المشهد: المشهد عكس الخلاصة، ففي الخلاصة مرور سريع على الأحداث. أما في المشهد فالأحداث تتوالى بكل تفاصيلها وأبعادها، ويتضمن كذلك الحوار، أو المشاهد الحوارية.
الرؤيا القصصية
إن للقصة راويا يستعمل وسائل وتقنيات للتواصل مع القارئ/المتلقي، ووسائله وأدواته التواصلية، تبين حضوره أو غيابه طوال سرد القصة. وهذا يجلي مسألتين هامتين في بناء القصة القصيرة، هما: كيف تكتب القصة ؟ ولمن نكتبها؟
عندما نقف إلى عملي نقوس المهدي يتبادرنا سؤال: من هو الراوي في (صنائع من نوبة عراق العجب) و (...إلخ)؟ وهو سؤال نريد منه تحديد هوية الراوي أو الرواة، وموقع كل واحد منهم...
- أنا الراوي: إن عباس في (صنائع من نوبة عراق العجب) هو الراوي الأول الذي تحمل حكاية هذه الصنائع لنا. لكن علينا أن لا نخلط بين الراوي عباس والراوي الأول الذي هو الكاتب نقوس المهدي، رغم أنه يتقمص شخصيته.. لأن الأثر الفني هو إسقاط لنفسية الكاتب وسيرته، ومجتمعه وزمانه[ - د. موريس أبو ناضر، المرجع نفسه، ص:114]..
إن عباس كراو يطل علينا منذ الصفحة الأولى، وهو يحدثنا عن هواجسه، وأحاسيسه ورؤيته لمجتمع منخور، وذلك باعتماد البوح والمناجاة، والتداعي... إنه توظيف للمونولوج الداخلي، وتوظيف مباشر لتيار الوعي..
وهو يطل علينا محددا اسمه، مستعملا كاف الخطاب، ليتبين للقارئ أنه يخاطب ذاته، يخاطب ذاته ، يخاطب في نفسه عباس الذي يسكنه ويراه..
إنها لحظة مناجاة، لحظة محاسبة ونقد الذات.. " تدمع عيناك يا عباس حزنا وتفرح، لأن الباعة يدافعون وبأشكال عشوائية عن حق من حقوقهم من أجل العيش الكريم. وتبقى أنت خارج اللعبة قابعا تحت الجدران يمتصك الظل، ويزملك الصمت"(ص:13).
لكنه تحول من الخطاب إلى الحضور، حيث يثبت حضوره الكلي باستعمال ياء المتكلم أو تاء المتحركة... " هذا الصباح فقط وصلت ونزلت من الحافلة في محطة هذه المدينة.. لم أكن أرغب بزيارتها لكني أتيتها مكرها، مخلفا ورائي قريتي الملغاة من تخطيطات الخرائط تسوقني قطعان أحلامي الندية، وأحمل فوزي المبين بعد أن ودعت إخوتي وهم يرددون صبرهم"(ص:25).
إن هذه الياء الموظفة رغم أنها ياء جمالية، هي علامة بوح الكاتب، واعترافه. وهنا يمتزج القصصي بالسيري، والخيال بالواقع.. كما يمكن أن نرى في هذه الياء (ياء المتكلم)، ياء الراوي الثاني الذي كلفه الكاتب بتحمل السرد في (صنائع من نوبة عراق العجب).. يتحدث عن نفسه.. " همست بطرق الباب.. رفعت يدي بتثاقل.. أفردت سبابتي وعقفتها.. كان قلبي يدق بعنف"(ص:28).
أو يتحدث عن أبيه.. "وأبي ما فتئ يردد على مسامعي ضرورة الاحتراس من مقالب اللصوص والنشالين حتى وهو يلوح للحافلة بعمامته"(ص:25).. أو يتحدث عن أمه.. "وأمي وقد علقت بعنقي تميمة من صوف الأنعام"..
أو يتحدث عن (عباس)، عن شخصه جاعلا من نفسه راويا آخر يروي بصيغة الغائب عندما يتوقف عن التكلم بصيغة المتكلم..
" آوى عباس إلى فراشه مبكرا، بعد أن قرأ سورة من كتاب رأس المال. كان يختزن مشاعر مضيئة جدا، لم يكن يرتسم على عينيه غير النعاس، لم يأكل شيئا. ود فقط أن يستريح ليمارس هجرته الأسبوعية"(ص:89).
- أنا الراوي الحاضر:
إن هوية البطل معروفة، تتمظهر في شخصية عباس عبر سبع صور أو قصص.." ومن خلال هذه الصور يتشخصن الراوي فيها.. فعندما يكون هذا البطل حاضرا في هذه الصور أو القصص أو الصنائع أو المتتاليات القصصية- كما يسميها نقوس المهدي- تستعمل صفة المتكلم بكل علاماتها.. وهذا الحضور يكون إما م عن طريق تلخيصه كراو لبعض الأحداث دون التفصيل فيها.. " تذكرت كل هذه الأشياء، وتعجبت كيف تدخل هذه المعلومات دماغي وفي هذا المكان المتمترس بالخراب"...
أو عن طريق المشهد، وذلك ببسطه كراو لأحداث القصة بكل تفاصيلها عن طريق السرد أو الحوار.." سألته عن وجهة الحافلة. قال: لا أعرف...
سألني عن وجهتي . قلت له: لا أعرف..
لتكن وجهتنا جزيرة الواق واق، المهم هو الخروج من هذه المنطقة.. تحركت الحافلة نحو الجنوب" (ص:41).
وهذا الراوي الذي يسرد أحداث القصة عن طريق التلخيص أو المشهد.. عندما يتحدث عن نفسه فهو "يقول" ، وعندما ينقل الأحداث فهو "يرى"...
" كان الفقيه يتكلم ويطقطق أنامله على حبات شبيهة بجنزيرة العجلة. كنت أقرأ الخواطر على محيا الحاضرين جملا غير موقعة بالنطق، ولكنها ممهورة بإيمان عميق بالأرض والإنسان، والأشياء الحميمة والصداقات القديمة"(ص:65).
- أنا الراوي الغائب:
أحيانا تحضر "أنا" الراوي الغائب في قصص (صنائع من نوبة عراق العجب)، حيث يختفي الراوي وراء الأحداث التي يعرفها... " الحياة لا تؤخذ إلا عنوة يا أبناء الحرام، هكذا يقول دوما، لهذا يحلم دوما بالزواج من فتاة شقراء، فارعة الطول، ممتشقة القوام، حسنة المنظر، بيضاء اللون، وسيارة كاديلاك، لكن الحلم لا يتحقق أبدا كما يعلم جيدا، لأن فقر بلاده يمنعه من ذلك"(ص:92).
ويؤكد تودوروف: أن "أنا" الراوي في القصص ليست هي نقيض "هو" الراوي. فالفرق بين الاثنين فرق نوعي لا كمي[ - Todorov,(T)
إن الرواية في بعض قصص (صنائع من نوبة عراق العجب) أو (...إلخ) تتجلى علاقته في الموقف الذي يتخذه من أحداث قصته وشخوصها، ومن ثمة - كما يرى هنري جيمس- فإن الراوي في المواقف الموضوعية يكون عاكسا للأحداث والأفعال التي يقوم بها أشخاص القصة.. وهذا الدور الذي يلعبه الراوي، يبين ابتعاده عن أحداث قصته،وإمساكه لها من الوراء[ - Wayns,(C.Booth)
" رافقته الفكرة فبدأ يدندن بمقطع من أغنية ريفية أفلحت الجدران الأربعة وكثافة البخار بتفخيم نبراتها وترديد صداها، وأسلمته لأحضان غفوة لم يوقظه منها سوى حلم رهيب" (ص:9- ...إلخ).
وهذا الابتعاد عن أحداث قصته، وإمساكها لها من الوراء، تبين أنه ليس هو بطل القصة، ولكنه ناقل لها.
هكذا نجد في المجموعتين القصصيتين لنقوس المهدي ، الراوي المتكلم الذي يقوم بصنع القصة، والذي يقف وراءها.. ومن ثمة يحضر في قصص نقوس المهدي تارة من خلال "أنا"، وتارة من خلال "هو".
الانشطار والتشظي والانقسام
تجريبية نقوس المهدي وحداثته تدفعانه إلى التجديد والبحث عن الجديد. وكتابته القصصية تنوعت وتعددت أشكالها من كتابة إلى أخرى. فنجدها تتحول من إضاءة خافتة إلى قصيدة نثر إلى حكاية، إلى قصة دائرية، إلى قصة افتراضية، إلى قصة سوداء، إلى قصة تعاكسية، إلى قصة إحصائية، إلى قصة ساخرة.. وهذه كلها توالدات وتعاقبات ناتجة عن قلق يعيشه الكاتب.. كما تبين الهم الكتابي أو التفكير الدائم في كتابة قصة متجددة وجديدة.
وفي مجموعتيه القصصيتين، نجده قد وظف الانشطار والتشظي والانقسام. مما يجعل من بعض نصوصه القصصية: قصة شذرية.
وعملية الانشطار تتأسس على الاختراق، والانعكاس، والتكثيف، ومن ثمة، يمكن اعتبار هذا الانشطار، والتشذير انشطارا كاشفا Révélateur. ويرتبط بمحكي صغير ينجز ثلاثة أدوار:
- وظيفة التكرار.
- وظيفة التكثيف، حيث يكثف المحكي الإطار بإعادة قولة بطريقة مغايرة.
- وظيفة التوقع من خلال تشكيله أحداثا صغرى تكشف مسبقا عن الأحداث الكبرى.
والانشطار الذي وظفه الأستاذ نقوس المهدي بكثرة في قصصه، هو الانشطار التضادي.. وهو الانشطار الذي ينازع وحدة وتماسك المحكي الدامج له، حيث يتشظى النص إلى مجموعة من المحكيات الصغرى[ - د. الضويو،(عبد العزيز)،التجريب في الرواية العربية المعاصرة، عالم الكتب الحديث، للنشر والتوزيع،إربد،الأردن، ط1، 2014، ص:33]..
فالنص الأول الافتتاحي جاء معنونا بـ (البحث عن عباس)، لتأتي بعده صور لعباس، هذا الذي يتم البحث عنه. فنقف إلى صورة تغريبة عباس الثاني، ومخامرات عباس الثالث، وكيفية تكلم عباس الرابع، والوقوف إلى هواجس عباس الخامس، والتعرف إلى رحلة عباس السادس والسابع.. وهذه كلها انشطارات نتجت عن القصة الأولى الإطار، التي نتعرف فيها إلى الشخصية المحورية عباس، والوقوف على رؤياه من الإنسان، والمجتمع، وقضاياه.
كما تجلى الانقسام والتشطير المكاني من خلال تقسيم القصة إلى فقرات (قصص صغيرة). لكل قسم عنوانه الخاص.. كما في قصة (من هموم امرئ القيس الدائرية) بالمجموعة القصصية (...إلخ)، حيث قسمت إلى تسع قطع أو تسعة مقاطع.. كل مقطع عنون بعنوان:
ويمكن أن نضع جدولا تفصيليا وتوضيحيا كالتالي:
الجدول رقم:6 جدول الانشطارات
المجموعة القصصية القصة الصفحة عدد مقاطعها نوعية التقسيم
صنائع من نوبة عراق العجب البحث عن عباس 9 18 مرقمة
هكذا تكلم عباس الرابع 53 03 مختلطة(العنونة والترقيم)
تراجيديا بزمن الحزن 89 07 مرقمة
...إلخ العقيد 08 08 البياض
من هموم امرئ القيس الدائرية 14 09 مختلطة (العنونة والترقيم)
آمان يا لا لا لي 25 6 معنونة
3 مقدمة بحروف
1 مسبوق ببياض
مواقف ومخاطبات لا تلزم النفري 36 10 مختلطة(العنونة والترقيم)
جئت لأزف إليكم بشرى موتي 44 4 البياض
الحمرية 63 3 العنونة
كما جاءت بعض القصص مقسمة إلى مقاطع، واعتمد في تقطيعها على البياض. وكل مقطع لا يفصله عن الموالي إلا بياض ، يدرك من خلاله القارئ انتهاء المقطع، وتوالي مقطع جديد.
ونقوس المهدي، يهدف من شكلية هذه الكتابة الإشكالية إلى:
- تقديم تصوره الجديد والتجريبي للكتابة القصصية.
- إرباك المتلقي، والدفع به إلى تبني استراتيجية قرائية جديدة.
- الدفع بالمتلقي إلى سلك منهج تأويلي للوصول إلى المعنى، والدفع به إلى أن يكون قارئا فعالا.
- هدم الرؤية التقليدية لفن القصة والابتعاد عن النمطية.
- كسر شكلانية السرد وخطيته.
- تقديم للمتلقي/ القارئ أسلوبا وتركيبا جديدين، أي كتابة غير مألوفة.
النص الغائب ومرجعية القصة
تفاعل النصوص فيما بينها وتداخلها أدى إلى ظهور مفهوم جديد في الدرس النقدي الحديث، وهو التناص.
والكتابة القصصية عند المهدي نقوس من خلال مجموعتيه القصصيتين (صنائع من نوبة عراق العجب)، و (...إلخ)، لا تخلوان من تناص. وهو يتمثل عند نقوس المهدي في أربعة أقسام:
- التراث ، أو (الموروث التراثي).
- الموروث الأدبي، والفني.
- الموروث الصوفي والفلسفي.
- الموروث الديني.
وهذه الأقسام تشكل مرجعيات الكتابة القصصية عند نقوس المهدي، والتي تشكل الخلفية التي تسند كتابته القصصية وتشكل إطارها المرجعي والفني.. وهذه المرجعيات التي تظهر جلية في كتابته القصصية هي:
1- المرجعية التراثية: (الليالي (ألف ليلة وليلة - السيرة الشعبية (سيرة سيف بن ذي يزن) - مأثورات عبد الرحمان المجذوب- الأمثال الشعبية والحكم). مثل (توفر الفلس الأبيض ليومك الأسود - لا يقيم دجاجة عن بيضها- ليس لي ما أخسره في الجيب ليأتيني ما في الغيب- أربع في الدنيا ليس فيها أمان: البحر والنار والسلطة والزمان - يقولون إن الحسن إذا زال تبقى حروفه - في البحر بوجد ما لا يوجد في البر- قبر غريب خير من جيوب خاوية - لفي رأس الجمل في رأس الجمال).
2- المرجعية الدينية: وتتمثل في التناصات القرآنية، والحديث النبوي الشريف، وأقوال الصحابة الكرام. مثل (كذب المنجمون ولو صدقوا - كاد الكفر أن يكون كفرا- سبع سماوات طباقا - وخفضت له جناح الذل من المسكنة- واللذين كانوا يكنزون الذهب والفضة - هناك كلاب بعضها باسط ذراعية بالوصيد- يكيدون كيدا).
3- المرجعية الأدبية: تتمثل في توظيف بعض من شعر محمود درويش، ومحمد الماغوط، وامرئ القيس. وأبي تمام ، مثل ( الحجارة أصدق أنباء من الكتب).
4- المرجعية الفلسفية: توظيف لبعض الإشارات الفلسفية،والفلاسفة.
5- المرجعية الفنية: توظيف لبعض أغاني ناس الغيوان، وبعض كلمات العيطة المغربية، وتوظيف أخبار صحفية وبلاغات، وتقارير.. وتوظيف لمصطلحات الطرب الأندلسي (الصنائع والنوبة).
6- المرجعية الصوفية: توظيف لنمنمات النفري، وأزجال عبد الرحمان المجذوب، وحكم المعري...
7- المرجعية التاريخية: وتتمثل في استحضار بعض الشخصيات التاريخية، وبعض التواريخ و الأحداث التاريخية، وتوظيف – كذلك- بعض الوقائع المعاصرة.
والملاحظ أن نقوس المهدي في تناصاته يوظف الجملة القرآنية في نصوصه القصصية دون أن يخلق في كتابته نشازا، أو تنافرا.. بل يأتي هذا التوظيف متسقا ومنسجما، ومؤديا وظيفته البيانية والدلالية...
الخاتمة
إنها رحلة في عالم القاص المغربي الأستاذ نقوس المهدي.. اكتشفنا فيها غرائبية الكتابة القصصية عنده، وجماليتها وفنيتها.. غنه مهووس بالخرق وكسر المألوف.. وعدم السير وراء المعتاد.. إنه مجدد وباحث عن الجديد.. ولذا نجزم بأنه كاتب تجريبي استطاع أن يخلق عوالم جديدة في الكتابة القصصية ويحلق فيها بعيدا...
إن لكتابته القصصية لذتها، ونكهتها الخاصة التي تميزه عن كثير من القصاصين المغاربة والعرب... وهذا ما جعله يتميز ببصمته الخاصة التي تخصه هو وحده، ولو أن فيها شبها عند احمد بوزفور وأنيس الرافعي.. وهو يشكل حلقة من حلقة التجديد في القصة القصيرة المغربية أو حلقة الحساسية الجديدة في القصة القصيرة...
نقوس المهدي استطاع أن يقدم للمتلقي كتابة متفردة، نوعية... جديدة .. تجعل منه قارئا نموذجيا.. قارئا فعالا ملزم عليه باستحضار جميع أدواته لركوب نص المهدي نقوس والسباحة في لجته.. وقد استطاع أن يقدم عالمه من خلال رؤيته الخاصة في الكتابة ومن خلال شخوصه وبنية خطابه القصصي وتشكله..
المحتوى
مدخل........................................................5
الشخصية والزمن.........................................15
الخطاب القصصي وتنوعه..............................20
العنونة......................................................38
التصدير....................................................41
الملمح اللغوي في بناء القصة...........................46
الزمن واتجاهاته...........................................68
الرؤيا القصصية...........................................74
الانشطار والتشظي والانقسام...........................80
النص الغائب ومرجعية القصة..........................85