أدلجة التشظي الإنساني ونمذجة تيار الوعي والقلق الوجودي في عبثية من منا في رأسي:
من منَّا في رأسي، قل عنها أنموذجاََ لتيار الوعي وشلال هادر من العبثية الوجودية، هَب أنها سيل مناسب من قصص تبحث عن شمس الحقيقة بين الحياة والموت - بل-ما بعد الموت، قُل عنها أنها برهنت على آليات التشظي لكارل يونغ وتقارع الشخصيات الملحمية لشكسبير الذي برع في آليات التداعي الحُر والمونولوج الداخلي، قل عنها الكاشف العبقري السارد الخفي بتضاريسه وإحداثياته الزمكانية وهو ذاك الذي يرتعد خوفا من المجهول، قل عنها توطئة عبقرية لما نوه عنه ديستيوفسكي في الجريمة والعقاب، قل عنها تراجيديا سوداء لواقع كالح قميء للإنسان المعاصر، صحيح أنها ستة عشر قصة قصيرة مكثفة ومنمقة ومتقنة المتن ولكنها جرعة مكثفة من رابط سردي يؤكد بحقيقة لا مرية فيها أن الإنسانية باتت على المحك وتبحث عن الانعتاق والخلاص، بيدَ أن كل محاولات أبطال القصص باءت بالفشل الذريع لأن المخطط الشيطاني والتبلس أصبح مسيطرا على النفس البشرية، قلوب لا تعرف معنى الضمير والتوبة، جوارح أدمنت الرذائل والانحطاط وبراءات لا تعرف سوى لغة الصمت! لا شيء سوى اللعنة! كان لزاماََ عليه أن يكشف المسكوت عنه والتابوهات التي توسدت الأكوان، أدلجةُ إنسان بلا جدوى كحشرة مهملة بين ميازيب القدر أو لاشيء.. حتى ألبيركامو وكافكا سيقفان طويلا أمام هذه القصص لما تحمله من غرائبية وانعدامية في زمن المسخ!
منذ مستهل أول قصة (فياغرا) ذاك الذي يراوغ فكرته ولا يستطيع الهروب من شقاوة الصبا وتعنيف والده، كان مهووسا جنسيا لا يمكنه العزوف عن تلك الأفكار ومطارحة إحداهن الغرام، لم ينسى علاقة والديه لما اختلس النظر ولا معلم الرياضيات النياندرتالي من عصور الهومو الذي يباهي بذكوريته، لم يعد يطيق الانتظار طويلا بمنأى عن العلاقة حتى تلك التي روضها تصرح: (لا تنسى الفياجرا)—أهكذا كانت فكرته (هو) أم (الآخر)؟ أسئلة تبدر للأذهان وتثبت بما لا يدعو مجالا للشك بأنهما وجهان لعملة واحدة (الرواي والبطل)..
ثم تنزاح دسر السرد لمرفأ(مضاجعة لوحة) —يالمأساة هذا العجوز الذي يبكي حاله وانتقاصه الجنسي وعرض التبول اللاإرادي حتى وصل لمعامل موضوعي لنقطة إضاءة لما قال( سأتخلص من كل هذا)، تلك الشمطاء لا تعرف أنه ثور هائج لديه رغبة جامحة، حتى سولت له نفسه أخيلة مضاجعة لوحة لرسام يدعى (راسلي) يتذكر ذاك الجمال الأنثوي في أوجه وصولا إلى لحظة الاكتمال.. كأنه مراهق في سن الحُلم، كأنها أزمة منتصف العُمر أو محاكاة لغياهب المراهقة المتأخرة، لكن الزوجة تلحظ الأمر وتدرك بأنه يشتهي غيرها وليست تلك المذيعة هذه المرّة—كأنه أنسن تلك اللوحة الجميلة ليتحرر من قيود سياطين امرأة ستهيل عليه مغاويراََ من السخرية المُثخنة بالألم..
أما في العنوان بلا عنوان (؟؟ ؟) كأنها حالة من التيه من خلال اعترافات على لسان إنسان يخاطب آخر مكنّى: (سيدي) وصفه بالسيد في دلالة على ثيمة الاستعباد والإذعان والخضوع لسطوة من يملك النفوذ.. كأنها رسالة فارغة يطلقها بل وصلت حد (الاكستازيا) واللوسة.. فلم يعد يعي لغة جسده.. حتى انبرت (الأكذوبة) أو الضبابية الذاتية لما قال السارد المتكلم (كيف للإنسان أن يعرف أنه يكذب حينما يكذب على نفسه).. قلق وجودي ومخاوف ورهاب من مشاهد تعذيب على كراسي مسامير وغيره حتى تعوّد الأمر.. تحدث عن العار وشبه نفسه بأحدب نوتردام المولّه بإزميرالدا وكيف نبذه المجتمع.. والتفاتة أخرى ذكية من القاص المبدع لإيضاح ذاك النبذ المجتمعي والأطياف ostracizing &stereotyping.. لكن الذي غص المشهد التصريح باغتصاب طفلة في مشهدية تستنفر أحاسيس الأبوه.. إنها ابنته وياله من (عار).. لم يعد سوى ملامح جرداء، لربما تخلل المشهد نقاط ثلاث(...) في معظم العبارات حتى يكمل القارئ مردوداََ من الأوجاع والحسرات.. ذكرنا المشهد لما تجرد من المعطف ليشرع بفعلته كأنه وأد الأمان والسكينة.. لم يسلم من عتاب تفضحه تلك البريئة.. بيد أنه يعرف نهايته لما ألهمنا القاص بهذا الهاجس وكأنه تقمص شخصيته لتصل حد الفلسفة والدهشة معا- فصدح مدوياََ (الإنسانية أن تكون شجاعاََ لتقتل نفسك وسط الكم الهائل من القذارة التي نعيشها).. يالها من عبارة وصرخة لتقض هذا الصنم كائنا أمْ كائنة!...
يمخُر الزورق السردي المترنح في (قبل أن أقتل طفلاََ) ذاك الذي يقتل البراءات ويكاد لا يصدقه ابنه عُدي وابنته شادي.. حتى لوحة كرايندايزر الطفولية لم تسلم من فتكه.. لدرجة بوحه من خلالها لابنه فلذته: (لم استطع أن أريحك منه لأنه صديقك الوحيد).. كمدلول رمزي على أنه قاتل الأطفال.
يتخلل المشهد قصة أخرى (قاتل غير مأجور).. وكأنه مفطور على القتل، ليصرح الراوي بإتمام المهمة الخامسة، ليثير تساؤلاََ: أي مهمة؟ لقد كتب على الجدار بجوار قتيل كلمة (العدم) ثم رقم ٥.. وكأنه أقنع ضحاياه بأنهم من عدم إلى عدَم.. ولا شيء يستحق الانتظار؛ إنه الخوف الذي عربش في كيانات المستهدفين من قبَله.. هذا الشخص (السيكوباتي) يعاني في نفس الوقت من (الفصام) أو الشيزوفرينيا.. لقد أصبح القتيل الأخير بعدما نصحه الآخر في لاشعوره بأن يكون الرقم (٦) ويكتب عبارة (أنا) في الختام..
بعدما سبحت مراكبنا في الجسد والجوارح.. استقرت في الجمجمة في قصتين متتاليتين هما (الهروب من الجمجمة) و (قتل مشروع).. عادة مدلولها الرمزي السيميائي Semiotic Allusion هو( التكنيز - القراصنة - الخطر المداهم) حبذا لو دلت على مزيج منها جميعاََ وهذا ما حدث، في الأولى كان الراوي قد قرصن أفكار زوجته الحالمة التي بثت بأنه (نبيّ الله كريم)، كانت تستيقظ وتتبرك به وهو لا يأبه لتلك الترهلات والخزعبلات والغلوّ الذي حذرتنا منه شرائعنا، إنه مس من الدجل والشعبذة والهرطقة، حتى العجوز جارته تستميله وتناديه بذلك، والأدهى من ذلك الصانع الذي يعمل بورشته،كان رده مجحفا بصفعة على الوجه أو استنكار لتلك الادعاءات والأقاويل، لكن النفس الأمارة والآخرة الذي يعيث في بروق طموحاته هيأ له بأنه لابد أن يكون للنبي رسالة في صورة معجزة —وها قد صدق حدسه لما أُذن للصلاة، لم يكن الهروب من هاجس النبوة سهلاََ لما أنتظر هبوط الوحي بغرفة مظلمة تطل على أضواء القمر، حتى بات ليلاه ليصحو على من نسيت أمر النبوة ونادته (حبيبي كريم) ليصفعها جزاء وتنكيلا، وكأنه وجب عليها العقاب أو تركع لجلالته—لقد أسلم نفسه هواها واتبع وساوسه التي ستزج به في الدرك الأسفل من الجحيم لأنه شرك عظيم..
وفي التالية كان ذاك الكاتب الذي يبحث عن قاتل في صورة شخصية بطولية لروايته وأخذ ينقب بين كتبه حتى انبرى مسخ كافكا (سمسا).. لكنه لم يجد فيه بطله المنشود الرسائل لم تصل إلى ميلينا، أو جعله يبدو كأنه شخصية بيكيتية بانتظار (جودو)، لكن عقله الفاشل هيأ له أن يضع الحذاء فوق رأسه ويستحضر شخصية راسكولينكوف الديستيوفسكية بالجريمة والعقاب كقاتل مأجور، ها هو ذا يقتل ثلاث كما وجد ملاذه الأخير كأنه تحرر وتطهر أخيرا من (أنا-عقلي-الحذاء)؛ ينتظر من يرفع الكرسي كي ينجز المهمة..
المرفأ المقبل من أروع القصص التي أعجبتني كعين نقادة (حبَّة سُكر) مشهدية ومسرحة وسينماتوغرافيا وسينوغرافيا لواقع حياة بين شاب عابر يصحب عجوزا بحافلة ونمذجة التداعي الحُر الذهاني، كان يدون مذكراته اليومية وقرر أن يكتب قصة العجوز الماكث بجواره بداية من عمله ومشكلاته وحوارية الدروب حتى يصل لينام إلى جوار زوجته التي تفوح منها رائحة نتنة نتيجة لأعراض مرضها المزمن بداء السكري.. وقد كان يعرج إليها بعد سيل من ذكريات مهلهلة قضت روعه وأفنت شبابه حتى اعتراه المشيب وهو لا يفكر إلا بمطارحة تلك الهزيلة أناهيد الغرام، لتوبخه على نسيانه حبة السكر قبيل أن يقلها إلى حوض الاستحمام، كأنه في صراع بين ثنائيات (شباب - كهولة) (خير - شر) (بقاء-رحيل) وكذا صراعه الداخلي، ما لبث أن خنقها وأغرقها ولم يهدأ حتى فاضت روحها الدامعة.. وهنا توقف القلم عن تتمة الحكاية ليجد الشاب ذاك الراكب اللصيق يخنقه يزعق: (أعرف أنني اقترفت ذنبا.. كفى.. لقد دفنتها في القبو).. يالدهشة المجوجة بالأحزان؟ لقد تفرس الراوي الأحداث التي قد تحدث ولكنها كانت بمحض الصدفة واقعاََ مؤسفا..
استمرت طوافة الدهشة تحلق في (سيناريو) من خلال (روح الله المنقذ) ويبدر لأذهاننا قصص الدجل والخرافات والمخلص وأفلام ماتريكس الهوليودية ولكنها بطابع من دناءة ووقاحة وخسة بشرية وصلت حد الزنا، لقد كانوا يتقربون إليه ليضاجع عقيما عاقرا لتلد.. حتى مع قدوم العرافات بلغ الأمر ذروته من القرابين لبراءات من القاصرات.. لم يتخيل المخرج السينمائي بعد هنيئة أن يرفع الجميع أيديهم للعب دور البطولة.. وكأن شريعة الغاب والشهوة الغرائزية هي سيناريو الحياة!!
نعرج بقطار رحلة السرد إلى (البريد المفاجئ) واقع مأساوي لشخص مذبوح من الاستلاب وآلام الغربة بعيدا عن الحارة القديمة، أخيلة من رسائل تشي بذكريات الاهل والاحباب ومن الأب والأم والاخوة.. وإذا بالقفلة المدهشة ولحظة الاستنارة لما استنكر ساع البريد: (كف عن إرسال الرسائل إلى نفسك.. أبحث عن علاج ألزهايمر).. ربما ستجد رسالاتنا يوماََ ما من يرد عليها!! ما أسمى رسالة الإنسانية!
نغوص في قفار مدينة الموتى ومونولوج داخلي لميت يرى قاتله يقتنصه في (نحن في الموتى).. وتستمر لواعج الصرخات في (مدينة بلا أسماء) كأنه يعيث في تيه وبأنه اللامنتمي ككائن حي بل مجرد عين ترقب ساعة متوقفة.. وأناس أصبحوا أرقاماََ مكتوبة بحبر الخوف..
تطوافنا يلوح ل(المتحول الأخير) في جو من التشويق والإثارة Apprehension نجد الرقم ٣١٧ يُنذر بالتوقف في الحال وإلا فالهلاك بالانتظار بعد خمس.. عدسة النقد تفحصت دلالة الرقم ٣١٧ فوجدت دلالة الصفحة من القرآن الكريم لما نجا الله نبيه موسى عليه السلام وقومه وعبروا البحر وأغرق فرعون وأتباع السامري.. فالبطل يعرف تماماََ (من يعبر لا يعود كما كان).. كأنه تحرر من قيود الاستعمار والهيمنة والاستبداد.. كأنه بات طليقاََ أو أن روحه أصبحت حرة بين فرادس الخلود…
قبيل أن نصل المحطة الأخيرة من الازدواجية الذاتية للنفس البشرية.. (ولكن؟ ) فهي استدراك (رسمية) لزيف الحقيقة.. لا مناص من عنوستها بعدما فاتها القطار ويعايرها الجميع، إنها تتأذى ممن تتزوج ولم ينبت نهديها، أتراه العمّ (فراس) جاد ومقبل على الارتباط ومعجب بمفاتنها، غمرتها السعادة الكونية ولم تكد تصدق ما يحدث، إنه مع الجمع في جلستهم يدعونها للحضور، لربما أفلحت إغواءاتها إزاءه أووو.. لقد ارتدت الفستان الأبيض أمام الجميع وتتأهب للمفاجأة.. إنها نقطة ضعف في تكوينها وإذلال لأنوثتها ولا بأس على أية حال، هول المفاجأة والصدمة لما اتضح بأنه يتقدم للزواج من والدتها!
خيبات ونوبات من الجنون عبر عتبة (مأدبة الدود)ذاك البطل الذي يمني النفس بأن يصبح صرصورا ذي جدوى أو شيئا يذكر.. حتى ولو كان دودة كتلك التي تزحف غير آبهة لآلامه، هو غير ضليع بفلسفة الديدان حتى صار جزءا من الطابور في النهاية.. في دلالة أنه فارق الحياة والتهمه الدود ليبتسم على إثرها؛ لقد صار نافعاََ!
انتهت الحافلة من مشوارها التراجيدي بمسحة من كوميديا بحكاية أخرى لأب لم يحسن تربية فلذته وابنه.. يدعي العفة والتقوى ولكنه غير ذلك، هو من زنيم آباء خير مثال للتلوث الأخلاقي والفضول وإيذاء الجار، الابن كان الراوي السارد الذي تسلل لجارته حمدية الأرملة التي قد تملك إرثا َتدسه في مكان ما، حتى ولو فاز ذاك اللص بدجاجة أو ببيضة، الأهم أن يجد والده وأمه طعام الفطور الشهي المزود ببيضات الجارة مهيضة الجناح… لربما كانت طرفة أرادها القاص العراقي المبدع/ عبدالله جعيلان لنا، لكي نكسر تلك المتوالية السوداوية..
أهنئ القاص بهذا الأسلوب السردي الماتع وكذا لغته المائزة التي مزجت بين الدارجة والفصحى، مما عزز سيميائية الدلالة السوسيولوجية وأتاح الفرصة لنا التعرف عل وجبات (المخلمة والشوربة).. ناهيك عن تبيانه واستعاراته ورمزياته الفائقة.. وكذا التدوير السردي بين سارد متكلم وعليم ليضفي جمالاََ لتحفته.. لمزيد من الإبداع والتحايا العطرة.
الناقد المصري /أحمد فاروق بيضون
من منَّا في رأسي، قل عنها أنموذجاََ لتيار الوعي وشلال هادر من العبثية الوجودية، هَب أنها سيل مناسب من قصص تبحث عن شمس الحقيقة بين الحياة والموت - بل-ما بعد الموت، قُل عنها أنها برهنت على آليات التشظي لكارل يونغ وتقارع الشخصيات الملحمية لشكسبير الذي برع في آليات التداعي الحُر والمونولوج الداخلي، قل عنها الكاشف العبقري السارد الخفي بتضاريسه وإحداثياته الزمكانية وهو ذاك الذي يرتعد خوفا من المجهول، قل عنها توطئة عبقرية لما نوه عنه ديستيوفسكي في الجريمة والعقاب، قل عنها تراجيديا سوداء لواقع كالح قميء للإنسان المعاصر، صحيح أنها ستة عشر قصة قصيرة مكثفة ومنمقة ومتقنة المتن ولكنها جرعة مكثفة من رابط سردي يؤكد بحقيقة لا مرية فيها أن الإنسانية باتت على المحك وتبحث عن الانعتاق والخلاص، بيدَ أن كل محاولات أبطال القصص باءت بالفشل الذريع لأن المخطط الشيطاني والتبلس أصبح مسيطرا على النفس البشرية، قلوب لا تعرف معنى الضمير والتوبة، جوارح أدمنت الرذائل والانحطاط وبراءات لا تعرف سوى لغة الصمت! لا شيء سوى اللعنة! كان لزاماََ عليه أن يكشف المسكوت عنه والتابوهات التي توسدت الأكوان، أدلجةُ إنسان بلا جدوى كحشرة مهملة بين ميازيب القدر أو لاشيء.. حتى ألبيركامو وكافكا سيقفان طويلا أمام هذه القصص لما تحمله من غرائبية وانعدامية في زمن المسخ!
منذ مستهل أول قصة (فياغرا) ذاك الذي يراوغ فكرته ولا يستطيع الهروب من شقاوة الصبا وتعنيف والده، كان مهووسا جنسيا لا يمكنه العزوف عن تلك الأفكار ومطارحة إحداهن الغرام، لم ينسى علاقة والديه لما اختلس النظر ولا معلم الرياضيات النياندرتالي من عصور الهومو الذي يباهي بذكوريته، لم يعد يطيق الانتظار طويلا بمنأى عن العلاقة حتى تلك التي روضها تصرح: (لا تنسى الفياجرا)—أهكذا كانت فكرته (هو) أم (الآخر)؟ أسئلة تبدر للأذهان وتثبت بما لا يدعو مجالا للشك بأنهما وجهان لعملة واحدة (الرواي والبطل)..
ثم تنزاح دسر السرد لمرفأ(مضاجعة لوحة) —يالمأساة هذا العجوز الذي يبكي حاله وانتقاصه الجنسي وعرض التبول اللاإرادي حتى وصل لمعامل موضوعي لنقطة إضاءة لما قال( سأتخلص من كل هذا)، تلك الشمطاء لا تعرف أنه ثور هائج لديه رغبة جامحة، حتى سولت له نفسه أخيلة مضاجعة لوحة لرسام يدعى (راسلي) يتذكر ذاك الجمال الأنثوي في أوجه وصولا إلى لحظة الاكتمال.. كأنه مراهق في سن الحُلم، كأنها أزمة منتصف العُمر أو محاكاة لغياهب المراهقة المتأخرة، لكن الزوجة تلحظ الأمر وتدرك بأنه يشتهي غيرها وليست تلك المذيعة هذه المرّة—كأنه أنسن تلك اللوحة الجميلة ليتحرر من قيود سياطين امرأة ستهيل عليه مغاويراََ من السخرية المُثخنة بالألم..
أما في العنوان بلا عنوان (؟؟ ؟) كأنها حالة من التيه من خلال اعترافات على لسان إنسان يخاطب آخر مكنّى: (سيدي) وصفه بالسيد في دلالة على ثيمة الاستعباد والإذعان والخضوع لسطوة من يملك النفوذ.. كأنها رسالة فارغة يطلقها بل وصلت حد (الاكستازيا) واللوسة.. فلم يعد يعي لغة جسده.. حتى انبرت (الأكذوبة) أو الضبابية الذاتية لما قال السارد المتكلم (كيف للإنسان أن يعرف أنه يكذب حينما يكذب على نفسه).. قلق وجودي ومخاوف ورهاب من مشاهد تعذيب على كراسي مسامير وغيره حتى تعوّد الأمر.. تحدث عن العار وشبه نفسه بأحدب نوتردام المولّه بإزميرالدا وكيف نبذه المجتمع.. والتفاتة أخرى ذكية من القاص المبدع لإيضاح ذاك النبذ المجتمعي والأطياف ostracizing &stereotyping.. لكن الذي غص المشهد التصريح باغتصاب طفلة في مشهدية تستنفر أحاسيس الأبوه.. إنها ابنته وياله من (عار).. لم يعد سوى ملامح جرداء، لربما تخلل المشهد نقاط ثلاث(...) في معظم العبارات حتى يكمل القارئ مردوداََ من الأوجاع والحسرات.. ذكرنا المشهد لما تجرد من المعطف ليشرع بفعلته كأنه وأد الأمان والسكينة.. لم يسلم من عتاب تفضحه تلك البريئة.. بيد أنه يعرف نهايته لما ألهمنا القاص بهذا الهاجس وكأنه تقمص شخصيته لتصل حد الفلسفة والدهشة معا- فصدح مدوياََ (الإنسانية أن تكون شجاعاََ لتقتل نفسك وسط الكم الهائل من القذارة التي نعيشها).. يالها من عبارة وصرخة لتقض هذا الصنم كائنا أمْ كائنة!...
يمخُر الزورق السردي المترنح في (قبل أن أقتل طفلاََ) ذاك الذي يقتل البراءات ويكاد لا يصدقه ابنه عُدي وابنته شادي.. حتى لوحة كرايندايزر الطفولية لم تسلم من فتكه.. لدرجة بوحه من خلالها لابنه فلذته: (لم استطع أن أريحك منه لأنه صديقك الوحيد).. كمدلول رمزي على أنه قاتل الأطفال.
يتخلل المشهد قصة أخرى (قاتل غير مأجور).. وكأنه مفطور على القتل، ليصرح الراوي بإتمام المهمة الخامسة، ليثير تساؤلاََ: أي مهمة؟ لقد كتب على الجدار بجوار قتيل كلمة (العدم) ثم رقم ٥.. وكأنه أقنع ضحاياه بأنهم من عدم إلى عدَم.. ولا شيء يستحق الانتظار؛ إنه الخوف الذي عربش في كيانات المستهدفين من قبَله.. هذا الشخص (السيكوباتي) يعاني في نفس الوقت من (الفصام) أو الشيزوفرينيا.. لقد أصبح القتيل الأخير بعدما نصحه الآخر في لاشعوره بأن يكون الرقم (٦) ويكتب عبارة (أنا) في الختام..
بعدما سبحت مراكبنا في الجسد والجوارح.. استقرت في الجمجمة في قصتين متتاليتين هما (الهروب من الجمجمة) و (قتل مشروع).. عادة مدلولها الرمزي السيميائي Semiotic Allusion هو( التكنيز - القراصنة - الخطر المداهم) حبذا لو دلت على مزيج منها جميعاََ وهذا ما حدث، في الأولى كان الراوي قد قرصن أفكار زوجته الحالمة التي بثت بأنه (نبيّ الله كريم)، كانت تستيقظ وتتبرك به وهو لا يأبه لتلك الترهلات والخزعبلات والغلوّ الذي حذرتنا منه شرائعنا، إنه مس من الدجل والشعبذة والهرطقة، حتى العجوز جارته تستميله وتناديه بذلك، والأدهى من ذلك الصانع الذي يعمل بورشته،كان رده مجحفا بصفعة على الوجه أو استنكار لتلك الادعاءات والأقاويل، لكن النفس الأمارة والآخرة الذي يعيث في بروق طموحاته هيأ له بأنه لابد أن يكون للنبي رسالة في صورة معجزة —وها قد صدق حدسه لما أُذن للصلاة، لم يكن الهروب من هاجس النبوة سهلاََ لما أنتظر هبوط الوحي بغرفة مظلمة تطل على أضواء القمر، حتى بات ليلاه ليصحو على من نسيت أمر النبوة ونادته (حبيبي كريم) ليصفعها جزاء وتنكيلا، وكأنه وجب عليها العقاب أو تركع لجلالته—لقد أسلم نفسه هواها واتبع وساوسه التي ستزج به في الدرك الأسفل من الجحيم لأنه شرك عظيم..
وفي التالية كان ذاك الكاتب الذي يبحث عن قاتل في صورة شخصية بطولية لروايته وأخذ ينقب بين كتبه حتى انبرى مسخ كافكا (سمسا).. لكنه لم يجد فيه بطله المنشود الرسائل لم تصل إلى ميلينا، أو جعله يبدو كأنه شخصية بيكيتية بانتظار (جودو)، لكن عقله الفاشل هيأ له أن يضع الحذاء فوق رأسه ويستحضر شخصية راسكولينكوف الديستيوفسكية بالجريمة والعقاب كقاتل مأجور، ها هو ذا يقتل ثلاث كما وجد ملاذه الأخير كأنه تحرر وتطهر أخيرا من (أنا-عقلي-الحذاء)؛ ينتظر من يرفع الكرسي كي ينجز المهمة..
المرفأ المقبل من أروع القصص التي أعجبتني كعين نقادة (حبَّة سُكر) مشهدية ومسرحة وسينماتوغرافيا وسينوغرافيا لواقع حياة بين شاب عابر يصحب عجوزا بحافلة ونمذجة التداعي الحُر الذهاني، كان يدون مذكراته اليومية وقرر أن يكتب قصة العجوز الماكث بجواره بداية من عمله ومشكلاته وحوارية الدروب حتى يصل لينام إلى جوار زوجته التي تفوح منها رائحة نتنة نتيجة لأعراض مرضها المزمن بداء السكري.. وقد كان يعرج إليها بعد سيل من ذكريات مهلهلة قضت روعه وأفنت شبابه حتى اعتراه المشيب وهو لا يفكر إلا بمطارحة تلك الهزيلة أناهيد الغرام، لتوبخه على نسيانه حبة السكر قبيل أن يقلها إلى حوض الاستحمام، كأنه في صراع بين ثنائيات (شباب - كهولة) (خير - شر) (بقاء-رحيل) وكذا صراعه الداخلي، ما لبث أن خنقها وأغرقها ولم يهدأ حتى فاضت روحها الدامعة.. وهنا توقف القلم عن تتمة الحكاية ليجد الشاب ذاك الراكب اللصيق يخنقه يزعق: (أعرف أنني اقترفت ذنبا.. كفى.. لقد دفنتها في القبو).. يالدهشة المجوجة بالأحزان؟ لقد تفرس الراوي الأحداث التي قد تحدث ولكنها كانت بمحض الصدفة واقعاََ مؤسفا..
استمرت طوافة الدهشة تحلق في (سيناريو) من خلال (روح الله المنقذ) ويبدر لأذهاننا قصص الدجل والخرافات والمخلص وأفلام ماتريكس الهوليودية ولكنها بطابع من دناءة ووقاحة وخسة بشرية وصلت حد الزنا، لقد كانوا يتقربون إليه ليضاجع عقيما عاقرا لتلد.. حتى مع قدوم العرافات بلغ الأمر ذروته من القرابين لبراءات من القاصرات.. لم يتخيل المخرج السينمائي بعد هنيئة أن يرفع الجميع أيديهم للعب دور البطولة.. وكأن شريعة الغاب والشهوة الغرائزية هي سيناريو الحياة!!
نعرج بقطار رحلة السرد إلى (البريد المفاجئ) واقع مأساوي لشخص مذبوح من الاستلاب وآلام الغربة بعيدا عن الحارة القديمة، أخيلة من رسائل تشي بذكريات الاهل والاحباب ومن الأب والأم والاخوة.. وإذا بالقفلة المدهشة ولحظة الاستنارة لما استنكر ساع البريد: (كف عن إرسال الرسائل إلى نفسك.. أبحث عن علاج ألزهايمر).. ربما ستجد رسالاتنا يوماََ ما من يرد عليها!! ما أسمى رسالة الإنسانية!
نغوص في قفار مدينة الموتى ومونولوج داخلي لميت يرى قاتله يقتنصه في (نحن في الموتى).. وتستمر لواعج الصرخات في (مدينة بلا أسماء) كأنه يعيث في تيه وبأنه اللامنتمي ككائن حي بل مجرد عين ترقب ساعة متوقفة.. وأناس أصبحوا أرقاماََ مكتوبة بحبر الخوف..
تطوافنا يلوح ل(المتحول الأخير) في جو من التشويق والإثارة Apprehension نجد الرقم ٣١٧ يُنذر بالتوقف في الحال وإلا فالهلاك بالانتظار بعد خمس.. عدسة النقد تفحصت دلالة الرقم ٣١٧ فوجدت دلالة الصفحة من القرآن الكريم لما نجا الله نبيه موسى عليه السلام وقومه وعبروا البحر وأغرق فرعون وأتباع السامري.. فالبطل يعرف تماماََ (من يعبر لا يعود كما كان).. كأنه تحرر من قيود الاستعمار والهيمنة والاستبداد.. كأنه بات طليقاََ أو أن روحه أصبحت حرة بين فرادس الخلود…
قبيل أن نصل المحطة الأخيرة من الازدواجية الذاتية للنفس البشرية.. (ولكن؟ ) فهي استدراك (رسمية) لزيف الحقيقة.. لا مناص من عنوستها بعدما فاتها القطار ويعايرها الجميع، إنها تتأذى ممن تتزوج ولم ينبت نهديها، أتراه العمّ (فراس) جاد ومقبل على الارتباط ومعجب بمفاتنها، غمرتها السعادة الكونية ولم تكد تصدق ما يحدث، إنه مع الجمع في جلستهم يدعونها للحضور، لربما أفلحت إغواءاتها إزاءه أووو.. لقد ارتدت الفستان الأبيض أمام الجميع وتتأهب للمفاجأة.. إنها نقطة ضعف في تكوينها وإذلال لأنوثتها ولا بأس على أية حال، هول المفاجأة والصدمة لما اتضح بأنه يتقدم للزواج من والدتها!
خيبات ونوبات من الجنون عبر عتبة (مأدبة الدود)ذاك البطل الذي يمني النفس بأن يصبح صرصورا ذي جدوى أو شيئا يذكر.. حتى ولو كان دودة كتلك التي تزحف غير آبهة لآلامه، هو غير ضليع بفلسفة الديدان حتى صار جزءا من الطابور في النهاية.. في دلالة أنه فارق الحياة والتهمه الدود ليبتسم على إثرها؛ لقد صار نافعاََ!
انتهت الحافلة من مشوارها التراجيدي بمسحة من كوميديا بحكاية أخرى لأب لم يحسن تربية فلذته وابنه.. يدعي العفة والتقوى ولكنه غير ذلك، هو من زنيم آباء خير مثال للتلوث الأخلاقي والفضول وإيذاء الجار، الابن كان الراوي السارد الذي تسلل لجارته حمدية الأرملة التي قد تملك إرثا َتدسه في مكان ما، حتى ولو فاز ذاك اللص بدجاجة أو ببيضة، الأهم أن يجد والده وأمه طعام الفطور الشهي المزود ببيضات الجارة مهيضة الجناح… لربما كانت طرفة أرادها القاص العراقي المبدع/ عبدالله جعيلان لنا، لكي نكسر تلك المتوالية السوداوية..
أهنئ القاص بهذا الأسلوب السردي الماتع وكذا لغته المائزة التي مزجت بين الدارجة والفصحى، مما عزز سيميائية الدلالة السوسيولوجية وأتاح الفرصة لنا التعرف عل وجبات (المخلمة والشوربة).. ناهيك عن تبيانه واستعاراته ورمزياته الفائقة.. وكذا التدوير السردي بين سارد متكلم وعليم ليضفي جمالاََ لتحفته.. لمزيد من الإبداع والتحايا العطرة.