في مجتمعاتنا العربية، نردد كثيرًا أن "البيت هو الحِصن"، وأن "الأب هو السند"، وأن "الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع"، لكن، ماذا لو انهار هذا الحصن من داخله؟ ماذا لو تحوَّل السند إلى سَوط؟ وماذا لو خرج الذئب من قلب الدار، لا من أطراف الغابة؟
قصة "آية" ليست قصة فردية، بل صفعة لضمير أمة تُعاني من تناقضات صادمة: مجتمعات تُجيد الحديث عن القيم، لكنها تعجز أحيانًا عن حمايتها حيث يجب. قصة طفلة انتهكها والدها، ليست مجرد قضية أخلاقية أو قانونية، بل زلزالٌ إنساني يهزّ أعماقنا، ويفرض علينا أن نعيد النظر في مفاهيم التربية، الحماية، والسكوت القاتل.
أن يتحرش رجلٌ غريب بطفلة، فذلك جُرم؛ لكن أن يكون الفاعل والدها، فالجريمة تتحول إلى خيانة كبرى.
في النصوص الشرعية، تُعلو الأبوة منزلة عظيمة، لأنها تقوم على معنى "الرحمة والرعاية"، والنبي ﷺ يقول: "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته." فماذا عن الذي يُحوّل الرعاية إلى افتراس؟ وماذا عن الذي يخلع ثوبه الإنساني في خفاء الجدران، ويعيش بين أهله كمن لا يعرف الحرام من الحلال؟
إن مثل هذه الأفعال لا تُهين فقط الضحية، بل تُمزّق نسيج المجتمع كله، لأنها تهدم الفطرة، وتخلق جيلًا يحمل بداخله تشوهًا قد لا يُشفى بالزمن، ولا يُرمَم بالقانون وحده.
نُكثر من الوعظ، ونملأ منابرنا بالخطب، ونُعلّق لافتات الأخلاق في المدارس والطرق... لكننا حين تقع الكارثة، كثيرًا ما نصمت... صمت الخوف، والعار، والحياء المَشُوب بالتواطؤ.
كأننا لا نريد أن نُواجه القبح، بل نُخفيه تحت السجاد، ظنًا أن "السكوت ستر"، وأن "الفضيحة أكبر من الجريمة".
لكن ماذا عن الطفلة؟ من يُرمِّم وجدانها؟ مَن يُعيد لها الشعور بالأمان؟ هل يُمكن أن تُشفى طفلة اغتُصِبت ثقتها في أقرب الناس إليها، بينما الناس من حولها يتعاملون معها كوصمة، لا كضحية؟
السكوت، هنا، ليس حياءً... بل خيانة ثانية. ليس والدها وحده من يجب أن يُدان. بل نحتاج أن نسأل: أين كان المحيط القريب من هذه الطفلة؟ لماذا خافت أن تتكلم؟ لماذا لم تُفتح لها نوافذ آمنة للكلام قبل أن تقع الواقعة الثالثة؟ وأين دور الإعلام والمدرسة والخطاب الديني في توعية الأبناء والبنات بحقوقهم الجسدية والإنسانية؟
جريمة كهذه لا تولد فجأة، بل تنمو في الظلال: في ظل الثقافة التي تربي البنات على الصمت، وفي ظل خطاب يُحرج الحديث عن أجساد الأطفال، وفي ظل مجتمع يُعلي قيمة "الستر" فوق قيمة "العدل".
لا شك أن القوانين العقابية في مصر وغيرها تُدين هذا النوع من الجرائم بقسوة – كما حدث حين أصدرت محكمة الجنايات حكمها بالسجن المشدد – لكن القانون لا يُغني عن بناء الإنسان.
نحتاج إلى ثورة وعي، تجعل من كل بيت مدرسة للقيم، لا مساحة للقمع. نحتاج إلى فهم ديني أصيل، يُعلّم أن الحياء لا يعني التستر على الجريمة، بل مواجهتها بحزم. نحتاج إلى مجتمع يزرع في أبنائه أن الجسد أمانة، لا مِلكًا لأحد، ولا حتى للأب.
سؤال قد يبدو غريبًا، لكنه جوهري: من يُربّي الآباء؟ من يُذكّرهم أن السلطة ليست حقًا، بل مسؤولية؟ وأن الرجولة لا تُقاس بالهيمنة، بل بالحماية؟ وأن الأبوة لا تمنح تصريحًا، بل تفرض التزامًا؟
قصة آية ليست مجرد قضية، بل مرآة لنا جميعًا. فإما أن نكسر هذه المرآة ونكذب على أنفسنا، وإما أن نحدّق جيدًا، ونسأل بصدق: هل ما زال بيتنا آمنًا... أم أننا في حاجة إلى بناء البيت من جديد؟
قصة "آية" ليست قصة فردية، بل صفعة لضمير أمة تُعاني من تناقضات صادمة: مجتمعات تُجيد الحديث عن القيم، لكنها تعجز أحيانًا عن حمايتها حيث يجب. قصة طفلة انتهكها والدها، ليست مجرد قضية أخلاقية أو قانونية، بل زلزالٌ إنساني يهزّ أعماقنا، ويفرض علينا أن نعيد النظر في مفاهيم التربية، الحماية، والسكوت القاتل.
أن يتحرش رجلٌ غريب بطفلة، فذلك جُرم؛ لكن أن يكون الفاعل والدها، فالجريمة تتحول إلى خيانة كبرى.
في النصوص الشرعية، تُعلو الأبوة منزلة عظيمة، لأنها تقوم على معنى "الرحمة والرعاية"، والنبي ﷺ يقول: "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته." فماذا عن الذي يُحوّل الرعاية إلى افتراس؟ وماذا عن الذي يخلع ثوبه الإنساني في خفاء الجدران، ويعيش بين أهله كمن لا يعرف الحرام من الحلال؟
إن مثل هذه الأفعال لا تُهين فقط الضحية، بل تُمزّق نسيج المجتمع كله، لأنها تهدم الفطرة، وتخلق جيلًا يحمل بداخله تشوهًا قد لا يُشفى بالزمن، ولا يُرمَم بالقانون وحده.
نُكثر من الوعظ، ونملأ منابرنا بالخطب، ونُعلّق لافتات الأخلاق في المدارس والطرق... لكننا حين تقع الكارثة، كثيرًا ما نصمت... صمت الخوف، والعار، والحياء المَشُوب بالتواطؤ.
كأننا لا نريد أن نُواجه القبح، بل نُخفيه تحت السجاد، ظنًا أن "السكوت ستر"، وأن "الفضيحة أكبر من الجريمة".
لكن ماذا عن الطفلة؟ من يُرمِّم وجدانها؟ مَن يُعيد لها الشعور بالأمان؟ هل يُمكن أن تُشفى طفلة اغتُصِبت ثقتها في أقرب الناس إليها، بينما الناس من حولها يتعاملون معها كوصمة، لا كضحية؟
السكوت، هنا، ليس حياءً... بل خيانة ثانية. ليس والدها وحده من يجب أن يُدان. بل نحتاج أن نسأل: أين كان المحيط القريب من هذه الطفلة؟ لماذا خافت أن تتكلم؟ لماذا لم تُفتح لها نوافذ آمنة للكلام قبل أن تقع الواقعة الثالثة؟ وأين دور الإعلام والمدرسة والخطاب الديني في توعية الأبناء والبنات بحقوقهم الجسدية والإنسانية؟
جريمة كهذه لا تولد فجأة، بل تنمو في الظلال: في ظل الثقافة التي تربي البنات على الصمت، وفي ظل خطاب يُحرج الحديث عن أجساد الأطفال، وفي ظل مجتمع يُعلي قيمة "الستر" فوق قيمة "العدل".
لا شك أن القوانين العقابية في مصر وغيرها تُدين هذا النوع من الجرائم بقسوة – كما حدث حين أصدرت محكمة الجنايات حكمها بالسجن المشدد – لكن القانون لا يُغني عن بناء الإنسان.
نحتاج إلى ثورة وعي، تجعل من كل بيت مدرسة للقيم، لا مساحة للقمع. نحتاج إلى فهم ديني أصيل، يُعلّم أن الحياء لا يعني التستر على الجريمة، بل مواجهتها بحزم. نحتاج إلى مجتمع يزرع في أبنائه أن الجسد أمانة، لا مِلكًا لأحد، ولا حتى للأب.
سؤال قد يبدو غريبًا، لكنه جوهري: من يُربّي الآباء؟ من يُذكّرهم أن السلطة ليست حقًا، بل مسؤولية؟ وأن الرجولة لا تُقاس بالهيمنة، بل بالحماية؟ وأن الأبوة لا تمنح تصريحًا، بل تفرض التزامًا؟
قصة آية ليست مجرد قضية، بل مرآة لنا جميعًا. فإما أن نكسر هذه المرآة ونكذب على أنفسنا، وإما أن نحدّق جيدًا، ونسأل بصدق: هل ما زال بيتنا آمنًا... أم أننا في حاجة إلى بناء البيت من جديد؟