يحيى بركات - المثقف الفلسطيني: يتيمٌ تحت القصف… وحيّ في الذاكرة

في غزة، لا يعود الموت خبرًا، بل إيقاعًا يوميًا. لا تأتي الكارثة فجأة، بل تعيشها، نفسًا نفسًا، تحت سقف خيمة مثقوبة، أو بين أنقاض بيت غادره الدفء. ومع كل ضربة جوية، هناك كاميرا ترتجف لكنها لا تنكسر. هناك شاعر يطوي قصيدته ليحمي بها طفلًا من البرد. هناك مخرج يغمس عدسته في دمه كي لا يفوّت مشهدًا من مشاهد الجحيم. وهناك، بين كل هؤلاء، المثقف الذي أصبح يتيمًا.
في مقالة نازفة كتبها المخرج مصطفى النبيه من تحت الركام، اختصر مشهدًا لا تلتقطه نشرات الأخبار: ذاكرة غزة الثقافية تُقصف كما تُقصف البيوت، وتُهجَّر كما يُهجَّر أهلها، وتُجوَّع كما يُجوَّع الأطفال. المثقف الذي ظلّ يُؤمن أن الكلمة جدار مقاومة، لم يعد يجد من يقف خلفه أو حتى إلى جانبه. أصبح هو ذاته الجدار، وهدفًا آخر للقصف.
حي الرمال ليس حيًا فقط
عندما كتب مصطفى عن حي الرمال لم يكتب عن شارع، بل عن ذاكرة. كتب عن مقهى الكروان، عن أمسيات جمعت مبدعين قبل أن تفرقهم الطائرات. عن زمن كانت فيه "القصيدة" تُعلّق على الحيطان كإعلان مقاومة، وكان المثقف منفيًا داخل وطنه، لا في خيام الخارج، بل في وجع الداخل.
لم يكن حي الرمال فقط موطنًا، بل كان خزانًا للأمل، ومساحة للهوية، وفسيفساء للجدل الثقافي الفلسطيني. واليوم، كل ذلك تحت الركام. وما تبقى من ذاك الفضاء، لا تحفظه إلا ذاكرة مصطفى وكاميراته المرتجفة.
المثقف اليتيم: من العزلة إلى الصرخة
"المثقف اليتيم" ليس توصيفًا أدبيًا، بل واقعًا مريرًا. فحين تصمت الاتحادات، وتغيب النقابات، ويتحول كثير من "أصحاب المناصب" إلى تماثيل صامتة، يصبح المثقف مجرد "لاجئ ثقافي"، لا وطن له في هذا العالم إلا الذاكرة.
رسالة الروائي عبد الله تايه، هي صرخة من الداخل، من رجل لم يتخلَّ عن موقعه الأخلاقي، يقول فيها ما يخجل كثيرون من النطق به: أين أنتم؟ أين الهاتف؟ أين الخبز؟ أين التضامن؟ سؤالٌ خجول، لكنه أقوى من كل بيانات الشجب والإدانة. سؤال يكشف انهيار البنية الأخلاقية لبعض الوسط الثقافي العربي والفلسطيني.
السينمائيون الذين يصوّرون بالموت
في هذه الحرب، ليس المقاتل وحده من يخوض المعركة. هناك جيشٌ آخر، لا يحمل بندقية، بل كاميرا. لا يرتدي خوذة، بل قلبًا. السينمائيون في غزة لا يصوّرون "مشاهد"، بل يصوّرون موتهم وهم أحياء. يسجّلون لحظة النهاية، أملًا بأن يراها العالم.
بعضهم نُكّل به، بعضهم استُشهد، وبعضهم لا زال يُنقل من بيت إلى خيمة، ومن خيمة إلى ركام. ولا أحد من النقابات أو المؤسسات يطرق الباب أو يرسل دواء أو خبزًا أو حتى رسالة تقدير.
فهل أصبحت "الثقافة" حفل توقيعٍ فقط؟ هل غدت المهرجانات بديلاً عن الخنادق الثقافية؟ هل بات التضامن ترفًا موسميًا يُقاس بعدد اللايكات والهاشتاغات؟
حين لا يُستعبد المنصب صاحبه
ورغم هذا السواد، تومض بعض المواقف كشعلة في العتمة. لقد رأينا نماذج نادرة بقيت وفيّة لمعنى الثقافة كمسؤولية أخلاقية، لا كمهنة. نماذج لم تتعامل مع المنصب كدرع ضد الناس، بل كجسر للعبور إليهم. لم تختبئ خلف المكاتب، بل نزلت إلى الحقل الثقافي، شاركت، دعمت، واحتضنت.
مبادرات لدعم الكتّاب غير الموظفين، رعاية فعاليات تشكيلية، واحتضان نصوص أدبية في لحظات الحرب. كلها لم تكن صدفة، بل خيارًا أخلاقيًا ممن بقي إنسانًا قبل أن يكون مسؤولًا.
الكلمة لا تموت
أكتب هذا المقال لأنني أعرف هؤلاء. لأنني كنت واحدًا منهم، وما زلت. لأنني أرى المثقف الفلسطيني اليوم لا يطلب مديحًا، ولا عرسًا تكريميًا، بل قطعة خبز، وزيارة، ووقفة وفاء. لأنه، ببساطة، يُسجّل بدمه ما لا يجرؤ الآخرون على تسجيله بأقلامهم.
غزة، تحت الحرب، لم تطلب شفقة، بل تضامنًا. لم تطلب التصفيق، بل الشراكة. والمثقف فيها، لا يحتاج إلى خطاب، بل إلى كتف. فإن عجزتم عن حمل الكاميرا، فلا تعجزوا عن حمل صاحبها الذي لم يمت بعد.
فإن سقط المثقف، سقطنا جميعًا.
---
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
22 آب 2025
#غزة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...