محمد بشكار - زارني محمد الشركي..!

بعض الصداقات أشبه بالنَّبْتة التي تينع في الظل، تكبر في الزمن، فلا يصيبها من السنين تَلَفٌ يُجَعِّدُ أوراقها لتشيخ في الذاكرة؛ ومن هذه الصداقات التي نبتت في نفسي خارج كل الطقوس التي نَصِفُها بالاجتماعية رغم أن أغلبها يعتبر لافحا ويُذَبِّلُ النبتة وهي ما زالت جذرا، اسم أدبي مغربي يصعب تجنيسه بالشعري أو النثري، بسبب إقامته الرمزية في العتبة التي تجعله مفتوحا من بوَّابَة الفكر المنيعة، على كل الآداب العالمية؛ وكأنه يكتب إبداعا بتوقيت الفكر دونما زيادة دقيقة قد تجُرُّ عليه بقية النهار، الذي ليس سوى شمس لها كالإنسان عُمُرٌ محسوب برتابة الأيام؛ قد أجهل اسم النبتة التي تورق نديَّة في الظل، لكنني لن أتيه ببوصلة القلب عن اسم محمد الشركي، الذي إنما يقترب من أرواحنا بلغة كالصلاة، كلما اعتقده بعض من ينشرون كل شيء حتى أنفسهم في السطوح، ليجِفُّوا سريعاً مع الثياب، أنه أعمق في أغواره بلا معنى؛ ألم أقل إن الصخب الحقيقي الذي لا يسمعه أحد، يحتاج إلى كائنات من العيار الرهيف والمُشرع الحواس لمحمد الشركي، تتقن النهوض باكراً في الشعر حتى لا أقول الفجر؟؛ لذلك آثر الشركي أن ينبت في ظله، ليستمد من اللحظة للغته البَكر حياة مضاعفة بأكثف الجماليات، من الأسطورة والفلسفة والآداب والعلوم الإنسانية، لا يريد أن يبْرح ظلَّه المكين وينساق مع ما يتبلور بعد الفجر من ساعات تُكرّرنا في عوْدها البدئي بابتذال، لتصبح هذه الساعات شمساً خذلت نيتشه حين بلغت بفكره على لسان زارا، إلى ذروة الرأس، ثم نزلت لتهجع في غروب لا نعلم اليوم هل نوهم أنفسنا بالرومانسية لنستمتع بجماله على شفا البحر، أم نكون واقعيين بالحجر الكافي، لندرك أننا نعيش زمن النهايات..؟!



زارني محمد الشركي صباح الجمعة الماضي في مكتبي بمقر الجريدة، ومعه «نداء الأغوار»، وهو كتاب أطلقه باحثون في كلية آداب مكناس، ضمن سلسلة «يوم مع كاتب»، فأضافت زيارة الشركي ليومي عمراً رمزياً آخر في نفسي، عِلْماً أن هذا الشاعر والناثر والمترجم الخَلاَّق، لن تستوفي تجربته الإبداعية الأبلغ في اختلافيتها من أعمق الخلاسيات حتى عِرْقاً، كُلُّ الأيام ولو انبسطت سِجلاًّ بِسِعَة السماء، لأن الكتابةالتي توثر الإقامة في فجر الفلسفة، منذورة لقراءة لا تتحدد بأعمار الشمس الثلاثة، لتقترن الظهيرة مثلا بالبزوغ الواضح للأفكار وذروتها، إنما هي قراءة تبقى دائماً تقول أشياء أخرى إلى الأبد..!
حدثني محمد الشركي صباحئذ غزيراً عن الحياة، ولكنني ما سمعت في كل ما حدثني، إلا نداء الأغوار الذي أعلم أن كاتبنا يخشى عليه حين يتحول إلى صوت أو قراءة بأقلامنا، حتى من الهواء؛ أليس بعض الهواء ما قد يُحرّف اللحن في موسيقى الناي، ونحن نعتقد أنَّا نَبُثُّه أنفاسنا..؟!
شكراً للأصدقاء في مكناس، لأنهم جمعوا شملنا بمحمد الشركي في كتاب من حيث لا تدري كل المواعيد..!

* (افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 23 أبريل 2015)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...