المستشار بهاء المري - شاهد لا ينطق...

كانت الشقة ساكنة كصفحة ماء تُخفي تحتها حَجرًا. بابٌ ‏بلا كسر، نافذة مغلقة، مصباح في المطبخ ظلَّ مشتعلًا كعينٍ لا تنام. ‏على الأرض رجل في الأربعين، على صدره زهرة سوداء اسمها ‏الطعنة. لا صراخ سُجِّل، لا كاميرا تُراجَع، لا جار أقسَم أنه رأى. ‏بدا وكأن القاتل جاء من بين الجدران وعاد إليها.‏
في الدقيقة الأولى من وصول الشرطة والنيابة، طوَّقوا ‏المكان. الأقدام التي دخلت، دخلت بأغطية، والأيدي لامسَت ‏بقفازات. كُلّف فردٌ واحد فقط بفتح الأبواب وملامسة المفاتيح. ‏صُوِّر المشهد في لقطات شاملة ثم قريبة؛ وُضعت دلائل مرقَّمة ‏قُرب كل أثر محتمل: كوب زجاجي على الرخام، محفظة جلدية ‏سوداء على الطاولة، نقطة بُنِّية على مقبض الباب الداخلي، خدشٌ ‏خفيف تحت ظفر اليد اليسرى للقتيل. كُلّ كيسٍ شفاف أُغلق ‏بشريط لاصق ممهور برقم الدعوى.‏
الطب الشرعي جاء بثقل خبرته: طعنة نافذة بالقلب، ‏زاويتها حادة، اتجاهها من اليمين إلى اليسار قليلًا، قوة يدٍ تعرف ‏أين تذهب. لا آثار بعثرة، لا مقاومة صريحة، لكن تحت أظافر اليد ‏اليسرى كشطٌ ميكروسكوبي كأنه احتكاك خاطف. درج النقود ‏مغلق، المفاتيح في الجيب، الهاتف على الشاحن. لم يأتِ أحد ‏ليسرق؛ جاء شخصٌ يعرف الرجل ويعرف الشقة.‏
المحفظة بدت وحيدة بين الأشياء. حين فُتحت بحضور ‏النيابة، ليس بها سوى إيصالات أمانة على بياض، التوقيع عليها ‏ليس للقتيل، قالها تقرير أبحاث التزييف. كانت أوراقًا نظيفة ‏كفخ: ما تزال تؤدي وظيفتها حتى قبل أن تُكتب.‏
أخَذ فريق الأدلة القطن المعقم ومسَح حواف الكوب، ‏فم الكوب، منطقة المقبض الداخلي. وُضعت المسحات في أنابيب ‏محكمة، وأُرسلت إلى المعمل. أُخذت قصاصات دقيقة من تحت ‏أظافر القتيل. كل شيء بموعدٍ وتوقيع.‏
الجيران قالوا جملة واحدة بأشكال مختلفة: “لم نسمع ‏شيئًا.” وأحدهم حَلف أنَّ الرجل يعيش وحيدًا، وآخَر ذكرَ أن ‏ضيوفه نادرون، وثالث استرجع صوت جِدال قبل أسبوعين ‏توقف عند الدرج. ‏
التحريات فتّشت في الديون، في الاتصالات الأخيرة، في ‏الرسائل المحذوفة التي عاد بها المختص من ذاكرة الهاتف. دائرة ‏الاشتباه اتسعت ثم ضاقت إلى أربعة: صديقٌ قديم، شريكٌ في ‏مشروع صغير لم يكتمل، سمسار تعثرت بينهما صفقة، وجارٌ في ‏البناية لم يُعرَف عنه سوى كثرة السؤال عن الرجل.‏
بأمر النيابة، أُخذت عينات مرجعية من الأربعة: ‏مسحات فموية، وُضعت في مغلفات مستقلة، أُغلقت وخُتمت ‏كأي حرز. في المعمل، أُجريت مضاعفة للحمض النووي، رُسمت ‏بصمة وراثية لكل عينة، ثم جاء الجدول الذي لا يحب أحد أن ‏يُقارَن به: تطابقت عينة واحدٍ منهم - ذلك الصديق القديم - مع ‏الحمض النووي الموجود على مقبض الباب، ومع اللعاب على حافة ‏الكوب، ومع أثرٍ جلدي تحت ظفر الضحية. ثلاث نقاط تشير إلى ‏اسم واحد كأنها سهام تُساقط الأقنعة.‏
استُدعي. جلس قبالة المحقق، حاول أن يضع ابتسامة ‏مُتعَبة. سأله عن آخر زيارة، ادَّعى أنها قبل شهر. ذُكرَت له آثار ‏لعابه على الكوب، قال: "شربتُ معه قهوة قديمة". ذُكر له أثر ‏الجلد تحت ظِفر الضحية، صمَت. ذُكرت إيصالات الأمانة التي ‏كانت تُطارده بها الرسائل، ارتفع صدره وهبَط. حين قيل له إن ‏الدَّين كبير، وأن الضحية طالبَه به قبل يومين، قال الجملة التي تُغيِّر ‏كل شيء: "كنت سأعيدها… لكنه هو مَن استفزني". ‏
اعترف. قال إنه جاء ليرضي الرجل ولو بأجل، انتهى ‏الحديث حادًا، دفعه، سقطا لحظة، امتدت اليد إلى السكين المعلّقة ‏على الحائط، طعنة واحدة، “لم تكن نية قتل” - هكذا قال - ثم فرّ. ‏أما الثلاثة الآخرون فقد سماهم شركاءَه. في بيتٍ آخر من ‏الأكاذيب: قال إنهم يعرفون، وإنهم ساعدوه من بعيد. لم يجد العلم ‏أثرًا لهم في الشقة، لكن التحريات حملت أسماءهم إلى الملف ‏كظلال.‏
جلسنا على المنصة بملفٍ ثقيل. في القفص أربعة: واحدٌ ‏رأسه مُنكَّس، ثلاثة يتطلعون إلى المنصة وكأنهم يُجدفون بعيدًا عن ‏تيار لا يرحم. القاعة مكتومة الصوت إلا من حفيف الورق. ‏فتحتُ حرز المحفظة في مواجهتهم، وضعتها أمامي. لم تكن ‏الأوراق في نظري مجرد أوراق؛ كانت خيطًا يربط الدافع بالمشهد.‏
سألتهم عن العلاقات، عن المواعيد، عن الرسائل، عن ‏الأصوات في الليل. سألتُ الثلاثة الذين لا دليل عليهم سوى ‏التحريات. أجابوا أنهم لا يعرفون إلا صداقة عابرة أو جيرةٍ ‏سلامها على السلم. كان سؤالي بلا انفعال. أشرتُ لهم بالعودة إلى ‏القفص، ولكني أطرقتُ لأفكر في أي شيء، وإذا بعبارة ينطق بها ‏لساني دون تفكير أو إعداد مسبق، قلت وأنا أشيعهم بنظري إلى ‏القفص: "صاحب المحفظة يأتي ليتسلمها". ‏
وفي لحظةٍ لا يحكمها ميزان المنطق، عاد "الصديق" خُطوة ‏إلى الخلف، حركة غريزية تفضح أكثر مما تُخفي. أدرك ما فعل، ‏فتسمَّرت قدمه في الأرض، حدَّق في المنصة بعينين تريدان أن تبتلعا ‏مكانهما. ارتجَّت القاعة بلفظٍ واحدٍ من فمٍٍ واحد: "الله أكبر". ‏طرقتُ بالمطرقة مرتين، صمتٌ سريع بعد عاصفة قصيرة.‏
رُفعَت الجلسة للمداولة. في الغرفة الخلفية، قبل أن ‏نجلس نحن القضاة، سألني أحد الزملاء متهللا: "ما الذي دعاك ‏إلى هذه العبارة؟" قلتُ: "لا أدري… لساني قالها قبل أن أفكر". ‏ربما لأن العدالة، حين تكتمل الخيوط، لا تحتاج إلا إلى دفعة صغيرة ‏تُسقط آخر ورقة توت.‏
لكنني بَعدها تَذكرتُ، وقصَصتُ لهم القصة، وكيف ‏تجودُ الذاكرة على الإنسان بما اختزنته في ظرف ما، مع حلول مثله ‏دون أن يَمَد إلى استدعائها: كنا في العام 1988 وكنتُ وقتها ‏معاونا للنيابة العامة بنيابة منوف بمحافظ المنوفية، ذات يوم ‏انتُدبت لتمثيل النيابة العامة بمحكمة جنايات شبين الكوم.
كان ‏رئيس الجلسة المستشار عبد الرحمن الفيل - رحمه الله - وكانت ‏قضية قتل، المتهمون فيها كُثر، وجيء بحرز الفأس على المنصة، ‏وعندما غادروا من أمامه في طريقهم إلى القفص، قال: صاحب ‏الفأس يرجع ليأخذها، فارتدَّ للخلف أحدهم لا إراديا. ولكنها لم ‏تحضرني البتَّة قبل نظر قضيتنا. ‏
عدنا إلى القاعة، نطقتُ القرار: إحالة أوراق الدعوى إلى ‏فضيلة مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي... القرار صريح، لا ‏يقفل الباب بل يفتحه على إجراءٍ تتطلبه العدالة حين توقف إنسانًا ‏على الحافة. الصمت الذي بدأ مع أول قطرة دم عاد إلى القاعة، لكنه ‏هذه المرة كان صمتًا يليق بالجُمل الكبرى.‏
في مذكراتي بعد الحكم، كتبتُ: "حين يصمت الشهود ‏خوفًا… تتكلم الجثث عِلمًا". وأضفت جملة أهدأ: "والعلم لا ‏يصدق إلا إذا حُفِظ طريقه من باب الشَقة إلى باب المعمل".‏
أما الثلاثة الآخرون فقد ظلوا هناك، في منطقة بين الظل ‏والنور. التحريات - بكل قوتها على الورق -لم تجد لها توأمًا في أثرٍ ‏مادي. لم نخرج عن عادتنا: الكلام بلا سندٍ يظل كلامًا. لم ندِنهم ‏بدليل لا يقف على قدميه.‏
لم تكن العدالة أسرع من الريح، لكنها لا تنام. وإذا ‏صمَت البشر، وإذا اختبأ الخوف في زوايا القلوب، وإذا بدت ‏الجدران أعلى من أن تُختَرق، يظل هناك شاهدٌ لا ينطق، يطلب فقط ‏أن يُحمَل كما ينبغي، وأن يُحكى كما وقع، ليقول بصمته ما لا يَقدر ‏عليه صوت.‏
‏ بعدها جلستُ أتدبر ما حدث، لم تكن الجملة التي قُلتها ‏مخططًا لها، ولم أضعها كملاحظة في هامش الرول، ولكن الله أنطق ‏لساني بها قبل أن تستوي فكرة ما حولها، في رأسي. ‏
إنه تسخير إلهي، حين لا يجد القاضي كلامًا بعد أن يُتم ‏مناقشته المهنية للمتهمين، وحين يُطرق بُرهة فتنبع من لسانه عبارة ‏لم يُخطّط لها في أوراقه، ولم يُعدُّها في ذهنه. عندئذٍ، ليس لأحدٍ أن ‏يجزم بشيء، إلا أن يقول: إن الله كان معنا فوق المنصة.‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الله فوق المنصة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...