معزة غرامشي.. موضة المثقفين المزيّفين

******

- في كل عصر يطفو على السطح جيل من الكتّاب والشعراء الطفيليين الذين يتوهمون أنّ طريق المجد الأدبي والفكري يمرّ عبر ترديد المصطلحات الثقيلة القادمة من قواميس الفلسفة والسياسة دون فهم أو وعي. هؤلاء يظنون أن ذكر اسم " أنطونيو غرامشي" أو استحضار مفاهيم مثل "الهيمنة الثقافية" و"المثقف العضوي" كافٍ ليمنحهم صكّ العظمة الفكرية، فيتراقصون حول المصطلحات كما تتقافز الماعز الجبلية على الحواف الصخرية، دون أن يدركوا عمق الفلسفة ولا جدوى الممارسة النقدية التي أرادها غرامشي.
إنها ظاهرة ليست جديدة، بل تتكرر كلما تحوّل الفكر إلى موضة، والقراءة إلى قناع يتزيّن به المتشدّقون. لكن الخطورة تكمن في أن هذا "التطفل الثقافي" يسيء للفكر أكثر مما يخدمه، ويشوّه صورة الإبداع الحقيقي الذي لا يُبنى على الاستعراض اللفظي بل على الفهم والتحليل والإضافة. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى فضح هذا الادعاء، والتفريق بين "من يفكّر بعُمق "،وبين من "يُثرثر بمصطلحات جاهزة".
- يخيَّل إليك أحيانًا أنّ بعض الكتّاب والشعراء في ساحتنا الثقافية قد عثروا على «عكّاز» لغوي جديد، اسمه أنطونيو غرامشي، يتكئون عليه في كل نصّ أو مقال أو محاضرة. وما أن يذكروا مصطلحاته عن "الهيمنة الثقافية" أو "المثقف العضوي" حتى تنتفخ صدورهم كأنهم فتحوا مغاليق التاريخ والفلسفة، مع أنّ كثيرًا منهم لا يحسن كتابة جملة عربية سليمة خالية من الركاكة.
- لقد تحوّل غرامشي، في مخيّلات هؤلاء، إلى «نهر مقدّس» ينحدرون نحوه كما تنحدر المعزة العطشى إلى مورد ماء بعيد. يعاودون ترديد اسمه ومصطلحاته في كل مقام، وكأنّ التكرار يغني عن الفهم العميق. وما المؤلم في الأمر أنّهم يحسبون أنفسهم عظماء في عالم الفكر، بينما لا يزيدون عن كونهم متطفلين على مائدة لا يعرفون حتى أصول الجلوس حولها.
غرامشي، بلا شك، مفكر مركسي، عاش تجربة فكرية ونضالية مريرة، ودفع حياته ثمنًا لمواقفه ضد الفاشية الإيطالية. غير أنّ تحويله إلى «صنم» ثقافي من طرف الأدعياء يسيء إليه أكثر مما ينفعه. فالرجل كتب في "دفاتر السجن" بروح الباحث الحرّ الذي لا يخشى النقد ولا يُؤَسطر ذاته، بينما يقلّده هؤلاء بنوع من "القداسة الفارغة"التي تعكس خواءهم المعرفي.
إنّ المثقف الحقيقي لا يقاس بعدد المصطلحات المستوردة التي يحفظها، ولا بعدد المرات التي يلوّح فيها باسم غرامشي أو فوكو أو غيرهما. المثقف يُقاس بقدرته على فهم واقعه، وتحليل قضاياه، وصياغة مشروع فكري أو إبداعي أصيل ينطلق من تربة مجتمعه، لا من قواميس الآخرين فحسب.
- لقد آن لنا أن نقول بوضوح: إنّ التطفل الثقافي داء عضال، فكم من شاعر يظن أنّه بلغ القمم لأنه حشر "المثقف العضوي" في بيت شعر، وكم من كاتب يتوهم أنه بات مفكرًا عالميًا لأنه ردد مصطلح "الهيمنة الثقافية" في محاضرة! والحقيقة أنّ هذا الاستخدام السطحي لا يزيد عن كونه "زينة لفظية" أشبه بصرير المعز في الجبال، كثير الضجيج قليل النفع.
إنّ احترام غرامشي يقتضي فهم فكره في سياقه التاريخي والسياسي، ثم توظيفه في قراءة واقعنا بعقل نقدي متبصر، لا عبر جعله موضة رنانة لتزيين النصوص. فالمعرفة مسؤولية، لا زخرفة، والإبداع وعي، لا ادعاء.
- إنّ الذين يلهثون وراء مصطلحات غرامشي من دون وعي، إنّما يشبهون المعزة التي تلهث خلف السراب. أمّا المثقف الحقّ، فهو من يحوّل الفكرة إلى رؤية، والمصطلح إلى ممارسة، والمعرفة إلى مشروع ينهض بالإنسان والمجتمع.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...