محمد بشكار - سَبقْنَا بالشِّعْر الرَّبيعَ إلى فاسْ.. !

غافل الشعراء الربيع من حيث لا يدري فَصْلٌ، فَسَبقُوه بنعال من ريح أو روح إلى فاس، ليُورقوا إلى جوار زهورها التي شرعت في الكشف عن معجم مفاتنها المُتفتِّقة دون حساب، بقصائد جرت في أسماعنا تواً ونهراً إلى الفؤاد، كما لو كان ماءُ فاس السلسبيل يُلَحِّنُها بكمان غُزِلَتْ أوتاره من ضفائر نساء أندلسيات؛ أكاد أسمع صهيلَهُنَّ جامحاً ينادي، فأرسم أو أَقُدُّ في خاطري الذي ليس من جدار، باباً لقصيدة لا يَسَعُهَا أن تكتفي من غَزَلٍ بفاس التي زَيَّن لي الشعراء، سامحهم الله، غوايتها، فوقعت كآدم ليس من جَنّةٍ، بل في جنَّة هي أرض بَطْحَاء يُظلِّلُها الشِّعرُ بأكثر من سماء.. !
كان القاص الوديع عبد الحق اصويطط صاحب» كهف الرماد«، يُكلِّمني من قلب فاس بِأَنْ أجيءَ لأقرأ شعراً في مهرجانها المتوسطي للكتاب، الذي أُقيم ما بين 14 و18 مارس 2015 بدعم من مجلس مدينة فاس مشكوراً؛ وما كنت لِأُخْلِفَ موعدي مع الربيع الذي يزيده الشِّعر فصولا من الجمال، فلا يَذْوي بِعُمْرٍ معدود بالأيام، ما دام مبثوثاً في قصيدة اختارت فاس ديواناً..!



هكذا جِئتُ فاس سبتاً وأحداً ماضيين، ولأن الشِّعْرَ أبَدٌ، فقد ضيَّعْتُ باقي أيام الأسبوع حين ذُبْتُ في حرارة اللقاء بشعراء أحفظ أسماءهم عن ظهر حُب، ولكن لابأس أن ألمس في الأسماء بعض الشمس، لأذكر شاعر نشيد البجع الذي تمنّى أن يكون أعمى ليرانا جميعاً بِطَرْفِ قصيدة ؛ إنه الشاعر محمد بنطلحة الذي اغْتبَطْنَا بغِبْطته حين تُوِّج عريساً في المهرجان، بجائزة فاس العالمية للكتاب، فَوَفَد على الخشبة مساء الافتتاح، بَدَلَ الجائزة موكبٌ من الهدايا تزدانها الدروع وباقات الورد وتمثال حَدبَت على الإشراف على نحت ملامحه الأشبه كثيراً ببنطلحة ، الشاعرة والمطربة الفلسطينية شادية حامد؛ وهذه الهبات وإنْ اكتنفت في رمزيتها البليغة ما لقيمة تكريم الشاعر في الحياة، مِنْ وقْعٍ أثير على الأنفس ذي دلالةٍ راسخة، فإن الشاعر الحقيقي والأصيل، يبقى في ذاته هو الجائزة الكبرى للبشرية جمعاء، لأنه يصون ذاكرتها بما يُؤَرّخه من سِيَرٍ ذاتية وثيقة الروح بحياة الناس.. !
الشاعر إذاً أكبر من الجائزة، ومحمد بنطلحة أحد أمراء شِعْرنا المغربي الحديث، ومازالت قصيدته أحوج من أنفسنا لكل صفاء لا يشوبها بتشويش يُخِلُّ بالإيقاع والمعنى، فقط نتمنى أن يطول به العُمْر لتطول معه هذه القصيدة بنهرها في زمن صار إنسانه حَجَراً !..
شكراً لفاس أتيناك نسبِقُ بالشِّعر الربيع، وعدنا أسطع نضارة بأكثر من ربيع وبألف شِعر.. !

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي"، ليومه الخميس 19 مارس 2015)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...