لا أحسبُ رؤوساً تَشْعُر في قرارة دماغها حديداً، إلا أن مِسْمارها قد آعْوَجَّ وتدلى ثقيلا بين الكتفين، من فرط ما انهالت المطارق على شوكته هذه الأيام، منذ المعرض الدولي الواحد والعشرين للكتاب بالدارالبيضاء، وما تلاه من حجب لزينة البنات عروسة الشعرالمغربي، التي صرفت عائلتها المحافظة جداً، وذات القاع والباع، كل من تقدم ليخطب ودَّها، بسبب عدم استيفائه لشروط الوشاية التي تليق بجاسوس وليس بجمال القصيدة..!
وما كدنا نستفيق دون بصل أو رشّ ماء، من هذه الإغماءة التي استدرّتْ رَدّاً تلو رَدٍّ ماهو إلا قيءٌ في دارجنا المغربي، حتى أعلن خمسة عشرة مثقفاً في اتحاد كتاب المغرب، عن تعليق عضويتهم بعيداً عن دولاب الإتحاد، بعد أن تحوَّل الاشتغال الثقافي المُسَوّس بتُهم الرِّيع والاحتكار في بلدنا، إلى مجرد ربطة عنق لا تُفيد إلا في استعجال الموت شنقاً؛ وطبعاً مازال الرَّدُّ تلو الرَّدّ لا يجد إلى اليوم لغثيانه ضماداً؛ لم أكذب إذاً حين قلت إن بعض الرؤوس صارت أشبه بمسمار، وهي لعمري آفة قد تتسرب لبعض الطبائع البشرية، فتُفقِد بعض الإنسان آدميته فَيُسَمّى مسماراً، ليس لتوفره على خصائل تُفيد الحذق والمضاء والرشاقة والذكاء، أو لِتحلِّيه ببعض الشِّيم المنسوجة على طراز جُبَّة الأخلاق، بل هو مسمار لأنه مدقوق حَدَّ الصدأ في كل ما له علاقة بلغة الخشب ولا يخطر على مائدة، حتى لتخشى أن تمزق ثوبا من جلدكَ إذا عبرت بجواره هو المسمار الأنكى..!
فهل هذا هو نموذج المثقف المغربي الأجدر باقتداء مسماريته كي نكون جميعا في مستوى المرحلة أو المطرقة التي ستنهال على رؤوسنا جميعا؛ أعترف أني مهما بلغت في الفهم المسماري شأواً بعيداً، ما عدت أفهم شيئاً، لذا يجدر مهما انتشرت في المناخ بُرادة الحديد وأعمت بوبائها العيون، واستفحلت في بعض من نعتبرهم مثقفينا، آفة المسمار، أن يقفزوا ولو مسافة سطر أبعد من الخشب، لشرح الصدور الظمآنة بما استعصى أو تيسَّر من ماء، لنعلم جميعاً أي ثقافة نريد لبلدنا، ونحن نعيش عصراً في بُعده العالمي، أحوج لأفكار راسخة ترمم العقول مما يتوزعها من تطرُّف فكري وانحراف سياسي؛ لسنا نريد من الثقافة كرسيا يرفعنا قليلا عن الأرض التي ستكون ذات قبر، أمنا الى الأبد، أو سفرا نؤرخه بصور باسمة نطلقها من كل جغرافيات العالم، عبر رشاشة الفايسبوك، على الأنفس التي تقتلها صورنا غيرة وغيظاً..!
لانريد من الثقافة استثارة جدل عقيم لا ينوبنا من وطيس غباره إلا النقيع؛ إنما نحلم من الثقافة، في زمننا الأعمى، أن نجد سبيلا أو قلما إلى زرّ يوقد مصباحا في عقل انطفأ بشدة النفخ؛ نحلم من الثقافة ليس بوسادة وثيرة تزيدنا غطًّا في النوم، بل تحثنا على كتابة قصيدة أجمل قد تُفضي إذا اجتمعت مع أخرى، إلى ديوان كلما ضاقت بجماله بعض الصدور، أستعير غلافيه من رحابة الحقول؛ لا أحلم من الثقافة أن أصبح واصلا، لأقضي حوائجي وحَوَائِجَ مَنْ يقضي حوائجي، بل يكفي أن أرعى بالقلم حتى الفواصل والنُّقط التي ما أكثر ما تتحول بين يدي، قطيع غزلان وسِرب حمام يُذَكِّرُني هديله بكل يد صافحتني سلاماً لما قد كتبت وما سأكتب مستقبلا؛ أحلم من الثقافة بأفق أفكار أوسع، يجعلني أرفع رأسي عالياً، دون أن أخشى اصطدامه بسقف وطيء، يُزَيِّنُ للناس وهم أنه سماء..!
لا نريد للثقافة المغربية أن تصبح بسبب طيش يستند على أوهن البيوت، إلى مجرد مسامير تنكأ كل من يجلس إلى موائدها، إنما نريدها زينة كل المجالس في العالم، وكلما ذُكِرَ المغرب بحِلِيِّها الأثيرة التي لاتُشعُّ في المعاصم فقط بل في العقول، زِدنا بهذا الذكر كعباً وفَخَاراً..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي"، ليومه الخميس 12 مارس 2015)
وما كدنا نستفيق دون بصل أو رشّ ماء، من هذه الإغماءة التي استدرّتْ رَدّاً تلو رَدٍّ ماهو إلا قيءٌ في دارجنا المغربي، حتى أعلن خمسة عشرة مثقفاً في اتحاد كتاب المغرب، عن تعليق عضويتهم بعيداً عن دولاب الإتحاد، بعد أن تحوَّل الاشتغال الثقافي المُسَوّس بتُهم الرِّيع والاحتكار في بلدنا، إلى مجرد ربطة عنق لا تُفيد إلا في استعجال الموت شنقاً؛ وطبعاً مازال الرَّدُّ تلو الرَّدّ لا يجد إلى اليوم لغثيانه ضماداً؛ لم أكذب إذاً حين قلت إن بعض الرؤوس صارت أشبه بمسمار، وهي لعمري آفة قد تتسرب لبعض الطبائع البشرية، فتُفقِد بعض الإنسان آدميته فَيُسَمّى مسماراً، ليس لتوفره على خصائل تُفيد الحذق والمضاء والرشاقة والذكاء، أو لِتحلِّيه ببعض الشِّيم المنسوجة على طراز جُبَّة الأخلاق، بل هو مسمار لأنه مدقوق حَدَّ الصدأ في كل ما له علاقة بلغة الخشب ولا يخطر على مائدة، حتى لتخشى أن تمزق ثوبا من جلدكَ إذا عبرت بجواره هو المسمار الأنكى..!
فهل هذا هو نموذج المثقف المغربي الأجدر باقتداء مسماريته كي نكون جميعا في مستوى المرحلة أو المطرقة التي ستنهال على رؤوسنا جميعا؛ أعترف أني مهما بلغت في الفهم المسماري شأواً بعيداً، ما عدت أفهم شيئاً، لذا يجدر مهما انتشرت في المناخ بُرادة الحديد وأعمت بوبائها العيون، واستفحلت في بعض من نعتبرهم مثقفينا، آفة المسمار، أن يقفزوا ولو مسافة سطر أبعد من الخشب، لشرح الصدور الظمآنة بما استعصى أو تيسَّر من ماء، لنعلم جميعاً أي ثقافة نريد لبلدنا، ونحن نعيش عصراً في بُعده العالمي، أحوج لأفكار راسخة ترمم العقول مما يتوزعها من تطرُّف فكري وانحراف سياسي؛ لسنا نريد من الثقافة كرسيا يرفعنا قليلا عن الأرض التي ستكون ذات قبر، أمنا الى الأبد، أو سفرا نؤرخه بصور باسمة نطلقها من كل جغرافيات العالم، عبر رشاشة الفايسبوك، على الأنفس التي تقتلها صورنا غيرة وغيظاً..!
لانريد من الثقافة استثارة جدل عقيم لا ينوبنا من وطيس غباره إلا النقيع؛ إنما نحلم من الثقافة، في زمننا الأعمى، أن نجد سبيلا أو قلما إلى زرّ يوقد مصباحا في عقل انطفأ بشدة النفخ؛ نحلم من الثقافة ليس بوسادة وثيرة تزيدنا غطًّا في النوم، بل تحثنا على كتابة قصيدة أجمل قد تُفضي إذا اجتمعت مع أخرى، إلى ديوان كلما ضاقت بجماله بعض الصدور، أستعير غلافيه من رحابة الحقول؛ لا أحلم من الثقافة أن أصبح واصلا، لأقضي حوائجي وحَوَائِجَ مَنْ يقضي حوائجي، بل يكفي أن أرعى بالقلم حتى الفواصل والنُّقط التي ما أكثر ما تتحول بين يدي، قطيع غزلان وسِرب حمام يُذَكِّرُني هديله بكل يد صافحتني سلاماً لما قد كتبت وما سأكتب مستقبلا؛ أحلم من الثقافة بأفق أفكار أوسع، يجعلني أرفع رأسي عالياً، دون أن أخشى اصطدامه بسقف وطيء، يُزَيِّنُ للناس وهم أنه سماء..!
لا نريد للثقافة المغربية أن تصبح بسبب طيش يستند على أوهن البيوت، إلى مجرد مسامير تنكأ كل من يجلس إلى موائدها، إنما نريدها زينة كل المجالس في العالم، وكلما ذُكِرَ المغرب بحِلِيِّها الأثيرة التي لاتُشعُّ في المعاصم فقط بل في العقول، زِدنا بهذا الذكر كعباً وفَخَاراً..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي"، ليومه الخميس 12 مارس 2015)