ليلى تباني -قراءة فلسفية تحليلية في رواية "النبي الإفريقي" للروائي الجزائري الفلسفي " فيصل الأحمر"

سردية تشظّي الهوية والبحث عن الخلاص

النبي الإفريقي... رواية للروائي الجزائري "فيصل الأحمر" تحمل في عنوانها وشكل طبعتها الأولى أبعادا دلالية ورمزية عميقة . إذ يقوم العنوان في حد ذاته على مفارقة قويّة ، كونه يجمع بين لفظة "النبي" بما تحمله من قداسة ووحي ورسالة خلاص، وبين لفظة "الإفريقي" التي ترتبط جغرافيا بالهامش والمستعمَر في المخيال الاستعماري . هذا المزج يعيد الاعتبار للإفريقي بوصفه حامل رسالة ووعي جديد، ويحوّله من موقع التابع إلى موقع المُبشِّر برؤية أخرى للعالم . كما أنّ العنوان يستبطن البعد الذاتي لشخصية البطل "محند تازروت " الذي وصفته أمّه في طفولته بـ"النبي الصغير"، فيحمل في داخله تمزق الهوية بين البربرية والإسلام والفرنسية، ويعيش اغترابا عميقا جعله أقرب إلى نبي يبحث عن أتباع أو رسالة يبلّغها.

أما الغلاف، فجاء هادئا، غير متكلّف ، يتصدّره العنوان بخطّ واضح دون بهرجة لونية مفرطة، وهو ما يعكس طبيعة العمل الفكرية والرسالية . وهو بذلك يوحي بأنّ النص نفسه هو الواجهة وأن الرواية تتوجه إلى قارئ جاد تجذبه الفكرة أكثر ممّا يتأثر بالزخارف والألوان . وإذا ما استعملت ألوان كالأحمر أو البني أو الأسود فهي تحيل إلى الدم والأرض والذاكرة والمقاومة، وهي رموز جوهرية في ثنايا النص .

الكتاب في طبعته الأولى ، صدر مؤخرا من السنة الجارية 2025 ، عن دار العين للنشر بالقاهرة ، وهي دار معروفة بإصداراتها ذات الطابع الفكري والجرأة الأدبية، ما ينسجم مع طبيعة النص الذي يتجاوز السرد الروائي التقليدي ليصبح أشبه بمشروع فكري وتأمّلي . صدور الرواية في زمننا المعاصر، زمن البهرج والبدائل التكنولوجية يجعلها تحدّ كبير ، وجرأة من كاتبنا المثقّف ، يبدو النص كدعوة إلى إعادة قراءة قرن كامل من التجارب الاستعمارية والتحرّرية، وإلى مساءلة التاريخ من جديد من زاوية الذات الإفريقية التي لم يُسمح لها طويلا بأن تكون صاحبة خطابها ومالكة زمامها . الأمر الذي يعزّز من حضور الرواية بوصفها عملا مؤهّلا لأن تكون مرجعا فكريا وأدبيا لا مجرد رواية سردية للمتعة .

يشكل العنوان والغلاف والطبعة معا عتبة نصّية كثيفة تضع القارئ مباشرة أمام الرهان الرمزي للرواية، رهان استعادة الصوت الإفريقي في خطاب عالمي، وفتح النقاش حول الهوية والذاكرة والفكر والرسالة في زمن ما بعد الكلونيالية .

رواية النبي الإفريقي لفيصل الأحمر ليست سردا تقليديا للأحداث بقدر ما هي نسيج من الاعترافات والرسائل والذكريات المتقاطعة ، تروي حياة رجل أمازيغي "محند تازروت" من قرية صغيرة في جبال القبائل، وُلد في بيت علم بالقرآن، وحمل منذ طفولته وصية أم رأته "نبيا صغيرا"، لكنه سيكبر في قلب القرن العشرين المثقل بالاستعمار والحروب والفكر المتصارع . تبدأ الرواية من القرية " آغريب" دوار آيت أوشن، حيث الطفولة المجبولة على الحفظ والحرمان والانتظار، ثم تندفع الحكاية نحو العاصمة فالمدرسة العليا ببوزريعة، حيث يكتشف البطل عالماً جديداً يفتحه أمامه المعلمون الفرنسيون والكتب. غير أن هذه البدايات التعليمية سرعان ما تتحول إلى تجربة اغتراب، إذ يجد نفسه غربيا بين زملائه وفي مواجهة قوانين التفرقة، فيستقيل من التعليم مبكرا، باحثا عن أفق آخر. تأتي الحرب الكبرى لتقلب مساره ، يتورّط في التجنيد الإجباري، ويشارك كجندي في صفوف فرنسا، ثم أسيرا في معسكرات ألمانيا، وهناك يكتشف لغات جديدة، ويدخل عوالم الفكر والفلسفة، ويلتقي بامرأة فرنسية (آنجيل) التي ستصبح رفيقة حياته ، زواجه بها وارتباطه بفرنسا سيزيدان من غربته، إذ يُتهم بالخيانة بين أبناء بلده الذين رأوا فيه من باع دينه وجنسيته، بينما يعيش تمزّقا بين وفائه لذاكرة قريته وأمّه، وبين اندماجه في مجتمع لا يقبله تماما .

تتوالى الأحداث متنقلة بين باريس وستراسبورغ وسويسرا، حيث يدرس ويترجم ويخوض في الفلسفة الألمانية، ويصبح من أبرز المترجمين "لأسوالد شبنغلر". ينخرط في حلقات سياسية مع مصالي الحاج وبورقيبة والماطري، ويرى مبكّرا ملامح حركات التحرر القادمة، لكنه يبقى مشتّتا بين موقعه كمثقف افريقي فرنسي الأوراق، وجزائري المنبت، وأمازيغي الذاكرة .

تنسج الرواية عبر رسائل البطل إلى صديقه "مومو" اعترافات مسهبة عميقة بتمزقات الهوية وضريبة الاغتراب ، فهو الذي يلهث وراء العلم والفكر، يظلّ ملاحقا بوجه أمه وبتلك القرية التي لم يعد إليها . في النهاية يتّضح أنّ حياته كلّها كانت بحثا عن معنى ، عن مصالحة بين الانتماء الإفريقي والإرث الإسلامي والمعرفة الغربية، لكنّه يرحل إلى طنجة سنة 1973 دون أن يحسم صراعه الداخلي، تاركا خلفه سيرة أشبه بوصية فكرية لأجيال تبحث عن خلاصها ...ليغدوَ النص رحلة وجودية مثقلة بالأسئلة الفلسفية ؛ سؤال الهوية :من أنا؟ سؤال الانتماء : إلى أين أنتمي؟ سؤال الغائية والذرائعية : وما جدوى الفكر إذا لم يشفَ جرح الهوية؟ إنها رواية لمثقف عن مثقف رأوه نبيا في زمن الاستعمار، فصار غريبا في وطنين، ومقيما أبديا في المنفى الذي اختاره مضطرّا . لكنّه يتجاوز فكرة ان يكون بطل رواية عادي ، يموت مع استهلاك الرواية ، إلى أن يكون استعارة عن المثقف العربي في القرن العشرين، ذلك الذي حاول أن يحمل رسالة كبرى في عالم يمزّقه الاستعمار والحروب والأيديولوجيات. لذلك يظلّ حاضرا في ذهن القارئ لا كصورة جامدة، بل كصوت قلق، نبيّ متردد بين النبوة والخذلان .




ومضات فلسفية :

رواية النبي الإفريقي في جوهرها نص فلسفي قبل أن تكون مجرّد حكاية سردية، إذ تتقاطع فيها الاعترافات والرسائل والذكريات لتنتج خطابا يتأرجح بين الفكر والوجود . يظهر البطل ممزقا بين أصوله الأمازيغية وانتمائه الإسلامي من جهة، وبين حمله للجنسية الفرنسية وانغماسه في الفلسفة الألمانية من جهة أخرى . يقول في إحدى لحظات الاعتراف : "تعلم فيمَ أفكر أحيانا؟ أقول بأنّني زنجي مركب رغم نصاعة بشرتي... قلبي زنجي لأنني أحمل تاريخا من الشعور بالشبحية... واسمي الأمازيغي محند هو تورية لمحمد الرسول العربي الذي اجتهد كي يمحو الفوارق اللونية، ولكن التاريخ أقوى من الرسائل السماوية"ص 74

في هذا المقطع تتجلّى بوضوح فلسفة الهوية، حيث لا يحددها الاسم ولا العقيدة بل يثقلها تاريخ الاستعمار والتمييز.

كما نلمس أثر التحليل النفسي في بناء السرد، حيث الاغتراب ليس فقط موقفا اجتماعيا، بل هو مرض نفسي يجعل الذات غريبة حتى عن جسدها . فلا يكتفي النص بتصوير الغربة الاجتماعية، بل ينفذ إلى أعماق النفس ليلتقط لحظة التمزق الداخلي التي تعكس حالة المستعمَر في صراعه مع ذاته، فيقول الراوي : "خلاصة الأمر أيها الملك الإفريقي أنك تعاني ما يمكن أن نسميه اضطرابات تبدد الشخصية... حالة كلاسيكية حيث يبدو الجسد غريبا أو خارجا عن السيطرة" ص 108

تتصاعد وتيرة النزعة الفكرية عبر لقاءات البطل مع الفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر، عبر حوار يعلن فيه عن سؤال فلسفي عميق ، عمّا إذا كان الفكر قادرا على إنقاذ أمّة في طور الانكسار إن لم نقل منكسرة، أم أنّه مجرد شاهد على سقوطها؟

فيقول على لسان شيتغلر مخاطبا محند :"سقوط الحضارات الشرقية... سيكون ذلك هو الهدف الأسمى لك في الحياة أيها الإفريقي المتنور... عقلك أيها الملك الإفريقي أفضل من عقلي" ص 50

لا يغيب عن الرواية النقاش حول الديني والجنسي ،وفكر فرويد في التحليل النفسي الغربي على شاكلة " إرفين يالوم في رائعته "عندما بكى نتشة" ، كأنّه يستعرض فلسفة الوسطية لدى الفيلسوف " محند تازروت " بطل الرواية ، هذا الاعتراض يضع الرواية في قلب السجال بين الغرب والشرق، بين فكر يريد أن يحصر الإنسان في غرائزه، وتجربة روحية ترى في الدين قوة رمزية أساسية لا يمكن تجاوزها.

إذ يصرّح البطل : "شعوري بالأهمية الرمزية للدافع الديني الذي أقصاه فرويد من التحليل النفسي، ووسع أكثر مما يجب دائرة الدافع الجنسي" ص 111

وسط كل هذه التيارات الفكرية، يظلّ البطل وفيا لقناعته بأن الثقافة ليست عدوّا مهما كان مصدرها،وهو عليه صقلها بما يناسب عقيدته وعاداته ، في لحظة مصالحة بين الذات والآخر، بين الإفريقي والفرنسي، بين الشرق والغرب، وهي اللّحظة التي تجعل من المثقف نبيا رمزيا لا يحمل وحيا سماويا بل رسالة إنسانية تسعى إلى تجاوز الخراب ، والحؤول دون البؤس ،فيقول بوضوح : " لم أكن خائنا قط... الثقافة يا مومو ليست العدو. ولا يمكنها أن تكون كذلك. الحرب هي العدو"ص 152

بهذا المعنى تشكل الرواية ذروة مشروع فيصل الأحمر الروائي ، والتي أجزم يقينا بأنّها امتداد لمشروعه الفلسفي الفكري وتكملة له ، ذلك المشروع الذي بدأه مع رواياته السابقة ، والتي عالج فيها قضايا انقسام الذات "النوافذ الداخلية" ، ورواية " ساعة حرب ساعة حب" التي عالج فيها فكرة الحرية بين توترات الحب والحرب ، ويتطوّر السرد الفلسفي لديه في رواية "العشاء الأخير لكارل ماركس" حيث يعدّ الفكر نفسه موضوعا روائيا ومادة للسرد . ثم تلتقي كلّ تلك الأستقصات في روايته الأخيرة " النبي الافريقي ،فتتجسد الهوية الممزقة، والاغتراب النفسي، وجدلية الفكر والتاريخ، والبعد الديني والإنساني، في شخصية واحدة هي محند، ذلك "النبي الصغير" الذي عاش حياته باحثا عن معنى ورحل، تاركا خلفه وصية فكرية لأجيال تبحث عن خلاصها .

هدهدة و أمنيات

هنيئا للعرب ميلاد سارد متفلسف، سارد يجعل من الرواية مختبرا للأسئلة الكبرى ومن الحكاية جسدا للفكر، لكنّه في الوقت نفسه لا يتخلى عن تلك الروح المرحة واللّاعبة التي تومض بين الفينة والأخرى فتخفّف من ثقل الفلسفة وتضفي على النص نكهة إنسانية دافئة. وحتى اسم الكاتب "فيصل الأحمر" يتناغم مع روح النبي الإفريقي لأنه يستحضر رمزية الدم والجرح والثورة والاغتراب، وهي عناصر جوهرية في مسار البطل. قد يبدو الاسم مباشرا أو سياسيا، لكنّه في الحقيقة يعمّق المعنى الفلسفي للنص، إذ يربط بين الأفكار الكبرى للرواية ( الهوية الممزقة، الاغتراب، جدوى الفكر، والنبوة الرمزية ) وبين لون الدم كضريبة للحرية والمعرفة. بهذا يصبح الاسم جزءا من هوية النص، وملتحما بمشروع السارد الذي أعلن في هذه الرواية عن ولادة كتابة جديدة، كتابة تُفلسف الواقع بجدّية، لكنّها تحتفظ في الوقت نفسه بخفة الظل وبسمة المفارقة، وكأنّها تقول : حتىّ أكثر الأفكار عمقا تحتاج إلى نفحة دعابة كي تتغلّب على بؤس الحياة .



ليلى تبّاني ــــ الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...