د/محمد عباس محمد عرابي - وصف التفاصيل الدقيقة للحياة الريفية في قصة -لمبة جاز... للكاتبة رانية المهدي من منظور اجتماعي

عرض /محمد عباس محمد عرابي






أحرص على قراءة ما ينشره موقعة أنطولوجيا السرد العربي من أعمال إبداعية (قصة – شعر) وأعمال نقدية، ومن القصص التي اطلعت عليها قصص القاصة رانية المهدي وهي تعالج في مجمل أحداثها الريف وصفه. طبيعة الحياة فيه، والطقوس، والعادات الاجتماعية.
وقد برعت القاصة في وصف الواقع بدقة متنهية، مما يشعر المتلقي والقارئ-ممن عاش في الريف -أنه أحد شخصيات القصة – بالإضافة إلى ما يضيف واقعية الأحداث مجيء اللغة باللهجة العامية الحقيقة التي يتم النطق بها في مختلف الأحداث الحقيقية لأهلنا في الريف لغة الحياة المُعاشة
فقد استطاعت القاصة رانية المهدي بعدسة فنان من التقاط أدق التفاصيل للحياة اليومية في الريف وبيان العادات والتقاليد الشائعة في الريف، وفيما يلي عرض لنماذح لها من خلال ما تنشره في موقع الأنطولوجيا
ففي قصة -لمبة جاز... استطاعت القاصة عرض وصف التفاصل الدقيقة للحياة الريفية والتي تمثلت في:
عتبة العنوان لمبة جاز الذي يدل دلالة مباشرة على القرية المصرية قديما حيث انتشار لمبات الجاز بكثرة قبل دخول الكهرباء بعض المنازل القروية النائية
بساطة البيوت والمساكن
وفي ذلك تقول القاصة "
لم يكن مجرد منزل ريفي بسيط، لكنه كان المكان السحري الذي يجعل الوقت ينقضي في هذه القرية التي تفتقر لأبسط وسائل الترفيه."
حيث استطاعت القاصة بيان بساطة البيوت والمساكن كما نلمسه في قوله (في هذه القرية التي تفتقر لأبسط وسائل الترفيه) وعلى الجانب الآخر وفي ظل التطورات العصرية تطورت الحياة الريفية خاصة في تطور بناء كثير من بيوتها.
*زي وتلبية طلبات وشكر:
حيث عرضت القاصة صورة لبعض أطفال القرية الذين يحرصون على تلبية طلبات الأم وخاصة المساعدة في تبادل الهدايا من الأطعمة بين أهالي القرية، وتوصية هؤلاء الأطفال بالمحافظة على هذه الأطعمة، تقول القاصة "
أتذكر ذلك جيدًا، كأني عُدت لذلك الجسد الطفولي الذي يسعى في الجلباب الأزرق القصير المرقع، وهذه الأقدام الرفيعة الحافية المتشققة التي تتحرك دائما ولا تستكين، عُدت لصوت أمي الذي ينطلق بأجمل الكلمات فأطير من السعادة:
_خد يا ولا، ودي الصحن ده لخالتك صابرة، اوعى يقع من إيدك المفلوتة دي خلي بالك يا واد.
وقبل أن تكمل جملتها أكون قد خرجت من الدار، أسابق الرياح وأنا أحلم بهذه الضحكة الشهية التي تنطلق من خالتي صابرة، وأنتظر لمسة يدها عندما تمسك وجهي وتضغط عليه بقوة:
_والنبي خدودك دي أحلى من بسيسة المولد يا واد يا مصطفی سلم لي على أمك يا ولا."
ونلمح ردة فعل المُهدى إليهم بكلمات الشكر والسلام والتعزيز الإيجابي لهؤلاء الأطفال الخدومين المتأصلة في نفوسهم وبالفطرة منذ الصغر قضاء حاجات الناس
*أصالة القرويات :
حيث كشفت القاصة جانبا آخر في القرية يتمثل في بناتها ونسائها الأصيلات المتأصل في دمهم صلة الرحم وأن الأقربين أولى بالمعروف ،والوقوف بجوار الأهل وقت الشدة ،وهو ما رأيناه في صابرة ورضاها بالزواج من ابن عمها فتحي المصري، بالرغم من ضيق ذات يده وإعالته لأمه وأخواته البنات واحترافها لمهنة ريفية قديمة
صابرة الفتاة الصغيرة الجميلة، حلم كل شباب القرية، الكل يقدم فروض الولاء ويطلب الرضا، لكنها اختارته هو؛ عم فتحي المصري، شاب رقيق الحال ضعيف البنية توفى والده وترك له خمس بنات وأما ، لم يكن يحتكم على شيء إلا فدان أرض بور، وبعض حزم من الخوص يصنع منها الحصير الملون الذي يُفرش في الجامع وفي دوار العمدة فقط.

فتحي المصري، ابن خالتها تربى معها وأحبته رغم أنه فقير وفي رقبته كوم لحم هكذا كانت تقول أمي، وتحكي أيضًا أنها قالت لوالدها الحاج علي الدسوقي الرجل الثري المقتدر عندما احتدم بينهما النقاش:

_فتحي المصري ده لحمي ودمي، يعني أخصه حتى لو أنا في رقبة راجل تاني، إن مكنتش أضلل عليه. مين هيعمل كده ؟ والنبي واللي نبى النبي نبي.. لو موافقتوش.. لأرمي روحي في الرياح، وذنبي يبقى في رجبتكم كلكم.
تزوجته وعاشت معه في دار صغيرة من الطوب اللبن المتهدم؛ هذه الدار التي اختارها العم فتحي لتجاور دار أمه وأخواته حتى يكُن تحت عينه ورعايته.
" ونلمس في هذا النص أيضًا بساطة البيوت الريفية ،والحرص على السكنى بجوار الأهل

كل هذه الذكريات التي تندفع وتتزاحم في عقلي. لا أعلم لما تتجسد أمامي هذا المساء ؟! ربما لأن هذه الطالبة الإنجليزية المشاغبة لها نفس ضحكتها، نفس النظرة المتلاعبة بالأقدار، كيف خطفتني هذه الصغيرة وأنا الأستاذ الجامعي المرموق الذي لا تؤرقه النساء؟!
*تبادل احتياجات المنزل بين الأقارب والجيران المتقاربين في الجوار:
أشارت الكاتبة إلى ظاهرة ريفية أصيلة ألا وهي تبادل احتياجات المنزل بين الأقارب والجيران المتقاربين في الجوار(كيف جعلتني أتعرق أمامها وهي تتحدث وتتمايل بكل هذا الدلع والثقة في أنوثتها؟ كيف جعلتني أتمناها وأسرح معها إلى أبعد مما كنت أتخيل؟ كيف جعلتني أعدها بمقابلة أخرى وحديث آخر؟ ما السحر الذي يميزها عنهن جميعًا؟
كل هذه التساؤلات أعادتني إلى هناك إلى وجه خالتي صابرة، إلى وجه المرأة كما يجب أن تكون.. أعادتني إلى تلك الليلة، إلى ثقب الجدار الذي كان بينها وبين أمي لتبادل احتياجات المنزل، هذا الثقب السحري الذي كان يغلق ليلا فتغلق كل أبواب السعادة أمام عيني.)
*بساطة وسائل المواصلات، وزفة أهالي القرية للمخالف:
عرضت القاصة لبساطة وسائل المواصلات، وزفة أهالي القرية للمخالف في عرف الرجال كما حدث مع فتحي الذي اسم بالنصب والاحتيال
أتذكر جيدًا يوم أغلق نهائيًا عندما غادرت خالتي صابرة وزوجها العزبة، أتذكر جلستها على العربة الكارو، وهي تخفي دموعها بطرف طرحتها السوداء التي تحيط وجهها الجميل، وبجانبها بناتها الصغار وبعض الحاجيات المنزلية البسيطة، وأهل القرية يطلقون الشتائم والسباب ليرحل عم فتحي النصاب كما كانوا يقولون، وتلك الدعوات من النساء لخالتي صابرة أن تتركه يرحل بمفرده، وتعود بيناتها لدار أبيها الغنى، وتنجو من هذا النصاب المديون لطوب الأرض ، ولكنها لم تستمع لهم أو تعطي أي إشارةٍ أنها تهتم حتى بما يقولون.
*الحزن لفراق الأهل:
وهو ما بينته القاصة فيما فعله (مصطفى)وبيان مدى حزنه حينما فارقت صابرة وزوجها العزية .
عندما انطلقت العربة أخذت أجري خلفها بكل قوتي، وأتمنى أن تحدث معجزة تمنعها من الرحيل، أخذت أجري وأجري حتى انقطعت نفاسي فسقطت على الأرض وشُجت رأسي وسالت الدماء على وجهي لتختلط بدموعي التي لم تتوقف حتى اختفت العربة عن الأعين.
*عادة تزغيط البط وترديد الأغاني الشعبية أثناء العمل
أخذت أتحسس موضع قدمي حتى لا أصطدم بهم أو أصيبهم بالأذى، ونجح المسعى ووصلت للقُلة وقبل أن أشرب سمعت صوتها وهي تغني كأنه يأتي من عالم الأحلام، اقتربت من الثقب الأستمع أكثر فأنساني صوتها الرقيق كل مشاعر الخوف والعطش، لأجدني أقترب أكثر من ذلك الثقب السحري وأخفف من سدته ولا أبالي بكل المحاذير التي تطلقها أمي دائمًا عن أبو مكحلة الذي يدب أصابعه في عين مَن يتلصص على الناس؛ فأنا أريد أن أنظر كيف أكتفى بالسمع ومن الممكن أن أراها؟ رفعت السدة وبدأ كل شيءٍ؛ ها هي هذه الساحرة التى تجلس وتضع الإوزة الضخمة تحت فخذها الأبيض الممثلئ، ونقوم بتزغيطه وهي تغني:
_ع الزراعية يا رب أقابل حبيبي.. ع الزراعية الواد ده من نصيبي.
خلاصة :
نخلص من ذلك إلى مهارة القاصة رانية المهدي في عرض أدق التفاصيل للحياة اليومية في الريف وبيان العادات والتقاليد الشائعة في الريف ومن هذه التفاصيل التي وردت في قصة "لمبة جاز "يمكن إجمالها فيما يلي :
بساطة البيوت الريفية ،والحرص على السكنى بجوار الأهل
*كشفت القاصة جانبا آخر في القرية يتمثل في بناتها ونسائها الأصيلات المتأصل في دمهم صلة الرحم وأن الأقربين أولى بالمعروف ،والوقوف بجوار الأهل وقت الشدة.
* تبادل احتياجات المنزل بين الأقارب والجيران المتقاربين في الجوار
*عرضت القاصة صورة لبعض أطفال القرية الذين يحرصون على تلبية طلبات الأم وخاصة المساعدة في تبادل الهدايا من الأطعمة بين أهالي القرية، وتوصية هؤلاء الأطفال بالمحافظة على هذه الأطعمة
عادة تزغيط البط وترديد الأغاني الشعبية أثناء العمل
وقد تميزت القصة بالبساطة ومناسبة اللغة للشخصيات ،ونجحت القاصة في بيان أثر المكان على الشخصية .

المراجع :
رانية المهدي:المجموعة القصصية تُمن شاي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...