محمد أبو اليزيد صالح - الإنشاصية جميلة الجميلات.. مع الشاعر العروبى الكبير فايز أبو جيش. مع اللاعنوان الفصيح والاجتزاء البليغ - نظرة ذاتية -

" أحيانا يكون اللاشيئ هو كل شيئ . "
" لا بد من رؤى جديدة لتجديد الفكر العربى ."
" إننا أحوج ما نكون الآن إلى مدارسات وأطروحات أخرى
مغايرة فى الأدب وقضاياه من أجل التغيير المنشود . "
ابن المحروسة .


كل الكلاب على أشلائنا رقصت
وندَّعي الفخرَ والأمجادَ في النسَبِ .
لو كانَ في العُربِ نسغُ الثائرين لما
نامَ الطغاةُ على عرشٍ من الذهبِ .
سحقاً لقومٍ تباهوا في أصولهمو
كما تباهى حمارُ القومِ بالذنبِ .
ناموا عن الفعل لمّا حان فعلهمو
وما أجادوا سوى التكبير في الخُطبِ .
الله أكبر يا أعرابَ امتنا
لا العُربُ منكمْ ولاكنتمْ من العَرَبِ .

من أشعار / فايز أبو جيش .


( 1. )
ما عن من بعض معنى .
إن الشاعر العروبى القدير / فايز أبو جيش يستعرض مشخصا فى هذه الأبيات وجع الأمة و داءاتها المؤرقة لكل لبيب . فكل الكلاب ترقص على أشلائنا وندعى برغم ذلك الفخر و كرم المحتد . ولو يكون فى العرب روح الثائرين لما تربع الطغاة هكذا على عروشهم ؛ تلك الوثيرة المقدودة من الذهب. إنه يصب جام غضبه على القوم ( قومه ) الذين يتباهون بأصولهم وهم فى هذا كمثل الحمار الذى يتباهى بذنبه !!! إنهم ينكصون عن الفعل لما يحين وقت الفعل ؛الفعل الذى لصالحهم ، ويكتفون بالتكبير بحناجرهم فقط فى خطبهم !! ويتبرأ الشاعر من أعراب الأمة لأنهم ليسوا من العرب الخلص فى شيئ ، ولا العرب الخلص منهم فى شيئ .
( 2. )
الهوينى !!!
الهوينى ، يا أبا جيش ، فجيش إبداعك لجب !! . اتئد ! فقد أوحيت لنا بالكثير بلا عنوانك الفصيح هذا واجتزائك البليغ ذاك .الهوينى ! اتئد ! حتى نقدح زند القلب ، و نشخذ نصل العقل ، لنقنص هاتيك المفاتن .
ظننا - وبعض الظن إثم - إن أبياتك تلك بلا عنوان وفيها اجتزاء . لكن قد يكون لها عنوان ، و ربما هى خلو من اجتزاء . إنها اقتحمت فهمنا هكذا ، او ربما تخيلناها على هذا ؛بلا عنوان وفيها اجتزاء ، فأخذتنا العزة بالإثم وقلنا : إنها فى وضعها الأمثل إن تك على ذاك ؛ بلا عنوان و بها اجتزاء ، وسنبنى ما سنبنيه على هذا . فلتماشينا شاعرنا و إن يك على مضض ،فلعل وعسى ، ولتتحملنا أيها المتلقى ، فربما يكون هناك بعض جديد . فاللاعنوان أحيانا يكون هو العنوان كله ، والاجتزاء ساعات يكون هو الشمول عينه فى رأينا المتواضع .
إننا سنذهب فيما سنذهب إليه لسببين : أولا ،لأن الناس فيما يسلكون مذاهب ، و هذا مسلكنا الذى ارتضينا ، وثانيا ، لأننا نؤمن بأن كل ما يعطينا الأديب فى النص الأدبى هو فى حكم الحقيقة ولأى راصد أن ينظر إليه فى إطار الأنطباع بأى عين يشاء طالما هو على التزام إنسانى وأخلاقى عام ، وطالما رؤاه لا تتعدى حدود الحرية إلى التفلت .
إن كل ما يرد ( نكرر : كما نرى ) فى النص الأدبى يتم بعقل الأديب الواعى أو عقله اللاواعى ، وهما على نفس الدرجة من الأهمية والفاعلية . و نعم ، فكل سلوك إنسانى مقصود حادث لأنه لا يأتى من فراغ ، حتى زلفات اللسان التى نعتبرها غير مقصودة لها ما لها من معان بمنطق التحليل النفسى . . وعلى هذا فإن كل ما نرصد لعلى صحة ، ولذا يمكننا القول فى شيئ من اطمئنان ذاتى : ، يا له من لاعنوان !!! يا له من اجتزاء !! ففيهما المستراح والسرح الجميل ، -بحسبنا أيضا - .
( 3 )
فتوحات
أيجدر ( بهؤلاء !!! ) عنوان ؟؟!!! . إنما العناوين لأعيان كائنة حية متشيئة فاعلة . دعهم هكذا بلا عنوان ، فاللاعناوين أليق بهم .
إن اللاعنوان هنا له عندنا من الفصاحة الكثير ، لأنه يمثل اللاتشيؤ ؛ العدم على نحو من الأنحاء . ولذا فليس من المستغرب أن ينكب على فضح عدمية هؤلاء الموتى معنويا ، اللامتشيئين ففصيلهما واحد ، ويجد فى السخرية اللاذعة المتسائلة منهم وهو فى تضافره ذاك الرائع مع الأبيات . إن الأمر على هذا هو عدم يصف عدما لأنه أدرى به ، وهذا فيه بلاغة وجدة تحسب للشاعر عند كل منصف .
و الأبيات - على قلتها العددية - ثرية جامعة جامحة فاضحة مشخصة معالجة فى آن واحد . يستعين الشاعر على إنجاز بغيته فيها بملكاته التى نجزم بصوابها و بموسوعية قل نظيرها !!!
فاللاعنوان علاوة على ما ذكرنا قبلا من فضحيته الجزئية لهؤلاء الموتى معنويا غير المتشئيين ، يفضح ويسخر أكثر بعد تضافره مع الأبيات - كما أسلفنا - ، هؤلاء الذين يجنون على أنفسهم طواعية فيتخطفهم الموت لترقص على أشلائهم الكلاب ، إلى آخر مافى الأبيات من مثالب فتاكة أتينا عليها قدر المستطاع عند شرحنا للأبيات . و الأمر على مجموعه كما يصوره الشاعر فيه اتساق وتناقض !!! إتساق بين اللاعنوان ومحتوى الأبيات العام الناقم الذى يصور الشاعر فيه مثالب أولئك الموتى فيغدو الأمر هكذا :
لا عنوان لميت أو فاقد لأسباب الحياة ؛ إتساق . وأما التناقض فمنبعه تيه هؤلاء وفخرهم برغم خطاياهم و جناياتهم التى تناولتها الأبيات . إن الاتساق والتناقض لهما وجه بلاغى باهر إذ إنهما يعضدان رؤى الشاعر فى زخم عظيم ويلفتان نظر المتلقى فى تنبيه حصيف .
ثم إن هناك اجتزاء دال يجب الالتفات إليه جيدا حملته المفردة . فهو ؛ أى الشاعر ، إن يشمل نفسه مع هؤلاء الموتى ( معنوىا ) عند الحديث عنهم فى البيت الأول باستخدام مفردة. "أشلاءنا " أى هم و إياه ، ومفردة "ندعى" أى هم وإياه أيضا ، فإنه يعود. ليتبرأ من تبعيته لهم فى الأبيات التالية . و بصفته الموقظ المنبه المحذر الناصح لهم كما تحمل روح الأبيات ، فإنه على حياة عاقلة واعية . إذن ، هو ضمنيا يريد القول لنا إنه ليس مثل هؤلاء ولا يتساوى بهم ، وهذا اجتزاء استثناء شخصى يصنعه الشاعر لنفسه بعقله الواعى أو عقله اللاواعى قد يخفى على كثيرين إلا المتلقى اليقظ . ومما يدعم وجهتنا أنه عنداسخدامه لتعبيرات ومفردات سلبية عن هؤلاء فإنه يستثنى نفسه منهم و من هذه : لو كان فى العرب ؛ أى فيهم هم وليس هو ، و تباهوا ؛ أى هم تباهوا وليس هو ، و ناموا هم وليس هو..... إلخ . إن الاجتزاء على هذا غرضه بلاغى أيضا ، يؤكد تبرؤ وعدم رضا الشاعر عن أفاعيل هؤلاء ، كما ويدل فى معانيه الضمنية العميقة على إحساسه بالمسئولية تجاههم فهو لا يرىد الانفتال عنهم بالكلية ، و الدليل على ذلك أنه يواصل توصيف حالهم البائس بغية استنهاضهم لتغييره ، أى أنه يخاف عليهم لا يزال لأنهم من بنى جلدته برغم كل ذلك . إنه جتزاء اسثناء شخصى ، ولكن عروبى إنسانى رحيم !!! أليس فى هذا وجه بلاغة غير تقليدى بالمرة ، وهو تكريس ما تريد تكريسه بمثل هذه المعادلة الإنسانية الدقيقة بالغة السهولة ، بالغة التكثيف ، بالغة الدلالة ؟؟!!!
وهناك اجتزاء فريد يرد فى فى البيت الأخير :
الله أكبر يا أعراب أمتنا
لا العرب منكم ولا كنتم من العرب .
إن الإجتزاء هنا مغاير لأن الشاعر يريده اجتزاء جماعى هذه المرة . إن الأعراب فى القرآن الكريم ، و الاصطلاح المعجمى ، و عقل أهل الفكر الجمعى ، لا بل فى الوجدان الشعبى العادى ذاته لعلى جلافة وغلظة وقساوة وجهالة . ويبدو مما يرد فى البيت الأخير أن بيد هؤلاء الأعراب ، الذين أتينا على أحوالهم ، يبدو أن بيدهم مقادير أمور مصيرية تخص الأمة ، يفرطون فيها كل التفريط كما نرى من ممارساتهم و آثارها المقيتة التى تؤكدها الأبيات . . ويبدو أيضا أنهم فى جماعة ؛ قد تكون قليلة ولكن متغلبة ؛ المهم أنهم فى جماعة . ومعنى تكبير الشاعر فى مفتتح البيت أنه يريد القول بأن الله أكبر منكم أيها الأعراب وأنه - تعالى جل شأنه - له الغلبة عليكم ، فلستم بالأصلاء ، أى أنكم الدخلاء ، فلا العرب الأقحاح منكم فى شيئ ، ولا أنتم منهم فى شيئ . إن الاجتزاء هنا جمعى غرضه التبرؤ من جماعة الأعراب بالكلية ؛ قضا وقضيضا . وهو ليس كالاجتزاء الشخصى المستنهض الذى يحمل سمات تعاطفية تشاركية انسانية من الشاعر تجاه أمته فى الاخير برغم التبرؤ مما هم عليه الآن . إن الاجتزاء الجمعى هنا باختصار اجتزاء مستبعد فى ديمومة ، محرض فى اطلاق ، مجتث فى نقمة ، مقوض فى لا إنسانية تليق بأولئك الأعراب .
( 4. )
ولا تخدعنك
ولا تخدعنك الأبيات فإنها من الأدب المؤمل ، رغم نبرة الحزن - وربما - التشاؤم البادية . إنها تنتمى للأدب المستنهض ، وما الحزن والتشاؤم إلا قشرة واهية لا تثبت أمام عناصر التأميل الطاغية الجارفة . نعم ،الشاعر يستخدم ميكانيزماته من لاعنوان واجتزاء وغيرهما ليتبرأ من أفعال أبناء أمته ، لكنه يبث مواصلا تشخيصه لداءاتهم على مدار الأبيات . إذن فمن يواصل التشخيص لعلى حب لأبناء أمته وعلى أمل وقناعة إنه ماتزال هناك حياة ؛ حشاشة من روح فاعلة فيهم ، و بذا فإن لديهم القابلية للاستنهاض . وهذا فى مجمله يحيلنا إلى تساؤل : أتبرؤ الشاعر حقيقى من هؤلاء وأفعالهم ؟؟!! ونجيب فنقول إننا يجب علينا التفرقة بين تبرؤ وتبرؤ . إن تبرؤ الشاعر من أهل أمته كجماعة هو تبرؤ غير حقيقى ،إنه من قبيل إظهار الغضب والحنق ليس إلا ، من أجل حثهم على تدارك ما فات خاصة وأنه يرشدهم ضمنيا إلى وسائل التغيير . إنه يحبهم وهو يتبرأ فقط من أفعالهم . وأما تبرؤه من الأعراب الذين - بحسبه - دخلاء على الأمة ، فهو تبرؤ منهم كجماعة ومن أفعالهم على السواء كما أشرنا .
( 5 )
مدارسة
الأبيات من أدب المدارسة المحاورة أو أدب وماذا بعد ، كما نسميه . . وأدب المدارسة هو نمط من الأدب الذى يفجر الأفكار والتساؤلات فى ذهن المتلقى ؛ أى أنك لا تطوى العمل الأدبى بعد قراءته وتنساه - هذا إن أكملت قراءته من الأساس - فليس له من أثر فى نفسك ولا محمدة .
إن تلك الأبيات تضع يدنا على معضلاتنا الفكرية القديمة الحديثة وداءاتنا التى عطلت الأمة وأوردتها موارد التهلكة جميعا . فها هو الاستبداد السياسى القديم لا يزال قائما . والخنوع هو ذاته . والتباهى والتفاخر بالتوافه من الأمور على حالهما . والنكوص حين الفعل والاكتفاء بالكلام والثرثرة والدعاء فى الخطب فى أوج . وكما قلنا فإن الأبيات توصف الحالة البائسة التى نحن عليها ، لتدفعنا دفعا إلى مدارسة تلك الحالة المزرية لأجل إيجاد الحلول . والشاعر فى لباقة ملفتة ضمنية غير مباشرة يسهم معنا فى إيجاد حل ، هذا للمتأمل . إننا نخاله ولسان حاله يساؤلهم : لقد شخصت الحال ، ماذا لو اجتهدتم ونفذتم عكس ما رصدت من مثالب ؛ أى تقاوموا الاستبداد ولا تحتفوا بالتوافه ، وتتملكوا أسباب القوة الحقيقية بدلا عن الإكتفاء بالدعاء على الظالمين ... إلخ ؟!ثم إنه يترك الباب مفتوحا لكل مجتهد .
هذا قليل من كثير فى الأبيات ، وأما قلنا :
الهوينى يا أبا جيش ، فجيش إبداعك لجب !!!
تحياتنا للشاعر العروبى الكبير / فايز أبو جيش ، وإلى لقاء .

ابن المحروسة
محمد أبو اليزيد صالح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...