د. أحمد الحطاب - الغيب المطلق والغيب النسبي حسب القرآن الكريم

منطِقِياً، إذا ميَّزَ الله، سبحانه وتعالى، الإنسانَ بالعقل، على سائر مخلوقاته الحية، على الخصوص، وأعطاه العقلَ ليكون واعيا بوجودِه وبوجود الأشياء المُحيطة به، وللتمييز بين الطيب والخبيث وبين الحق والباطل وبين ما هو خيرٌ وما نو شرٌّ، أي ليكونَ مسؤولاً عن تصرُّفاتِه الدنيوبة…، فهل يُعقَلُ أن يوجدَ في القرآن الكريم شيءٌ لا يمكن للعقل البشري أن يدرِكَه، إلا، بالطبع، كل ما له علاقة بالغيب.

إذن، منطقيا، لا يوجد في القرآن الكريم شيءٌ يخالف إدراكَ العقل البشري، إلا الغيب. وهنا، يتبادر للذهن سؤالان، من الأهمية بمكان.. أولهما هو: ما هو الغيب؟ وثانيهما هو : وهل وضعنا على أنفسنا سؤالاً يُبيِّن لنا ما بقوله القرآن الكريمُ في هذا السأن؟

جواباً على السؤال الأول، الغيب هو كل ما لا تستطيع الحواس البشرية والعقلُ البشري إدراكَه أو الإحساس بوجودِه. وبعبارة أخرى، الغيب هو المجهول l'inconnu أو غير المرئي l'invisible أو إن شئنا ماليس للعقل البشري خلفيةٌ فكرية لإدراكِه أو لرؤيتِه بالعين المُجرَّدة le voir à l'œil nu.

ولهذا، فإذا تمعَّنا في آيات القرآن الكريم، التي لها علاقة بالغيب، وأخذنا بعين الاعتبار ما حققه العقلُ البشري من تقدُّم في مختلف مجالات التنمية، بجميع مظاهِرِها، سيتبيَّن لنا أن الغيبَ نوعان. هناك الغيبُ المطلق l'inconnu absolu ou l'invisible absolu الذي لا يعلمُه إلا الله، سبحانه وتعالى، وهناك الغيب النسبي l'inconnu relatif الذي بإمكان الإنسان أن يتعرَّفَ عليه، في فترة معينة من الزمان. ونِسبيةُ relativité الغيب تعني أن هذه النسبية مؤقتة. حينها، يكون الباب مفتوحاً أمام العقول البشرية، أينما وُجِدت، لإنتاج المعارف التي تناسب ما كان مجهولاً. فما هو الغيب المطلق وما هو الغيب النسبي؟

الغيب المُطلق، كما سبق الذكرُ، لا يعلمه إلا الله، كقِيام الساعة وما هي الجنة وما هي النار وانتهاء أجل الإنسان… علماً أن الإنسانَ، كما سبق الذكر، لا يمكن أن يُدرِكَ إلا ما تستطيع حواسُّه وعقله إدراكَه. وبعبارة أخرى، الغيب المُطلق هو ما أخبرنا به القرآن الكريم. فمثلا، عندما يقول القرآنُ الكريمُ، على لسان آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص) أن الإيمانَ يتطلَّبُ من المؤمِنَ أن يؤمنَ بوجود الله وملائكتِه وكتُبه ورُسُله واليوم الآخِرِ والقدر خيره وشره، فهذه أشياء لا يمكن إدراكها بالعقل البشري ولا يمكِن رؤيتُها لا بالعين المجرَّدة ولا بأية وسيلة من الوسائل التي يستعملُها الإنسانُ لاستكشاف pour explorer الأشياء المُحيطة به. إذن، الغيب المطلق يتطلَّبُ من المؤمِن أن يُصدِّقَ أشياءً لا تراها عينُه ولا يُدرِكها عقلُه.

وآيات القرآن الكريم التي لها علاقة بالغيب المطلق، كثيرة، أذكر من بينها، على سبيل المثال، ما يلي :

1."وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (النحل، 77).

2."يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (الأعراف، 187).

3."قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (الأعراف، 188).

4."قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ" (النمل، 65)

في هذه الآيات الثلاثة (الأعراف 187 و 188 والنمل 65)، الله، يُخاطبُ الرسول (ص)، قائلاً له : إذا سألك الكفار والمُشرِكون عن موعد قيام الساعة، قل لهم لا أنا (الأعراف، 187 و 188) ولا مَن يوجد في الكون من مخلوقات بشرية وملائكة (النمل، 65) لا نعلَمُ وقثَها.

والغيبُ النسبي له علاقة بالزمان والمكان. بمعنى أن ما خفِيَ عن حواس الإنسان، في فترة سابقة معينة من الزمان، قد تتمُّ معرفتُه في زمانٍ ومكانٍ معيَّنين لاحقين. وهذا هو ما عرفته البشرية منذ نشأتِها. حيث العقل البشري خطأ خطوات، متتالية وبالتَّدريج، نحو كشفِ ما يختبئ وراء الغيب النسبي.

غير أن الغيبَ النسبي مرتبطٌ بالإرادة الإلهية. بمعنى أن ما وصل إليه العقل البشري من علمٍ ومعرفةٍ، هو هِبةٌ من الله، أي إتاحة، سبحانه وتعالى، للبشر أجمعين. يقول، عزَّ وجلَّ، في هذا الصدد، في الآية رقم 255 من سورة البقرة : "...وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ…". ليس هذا إلا جزءٌ من آية الكرسي، لكنه واضحٌ وضوحَ الشمس.

بمعنى أن كل ما وصل إليه العقلُ البشري من توسُّع في العلم والمعرفة، هو من فضل الله، سبحانه وتعالى. وأقول العقل البشري، أينما وُجِدَ ويوجد. لماذا؟

لأن الله، عزَّ وجلَّ، لم يحدِّدْ في هذا الجزء من إية الكرسي مَن هي العقول البشرية التي ستحظى باالإحاطة بشيءٍ مز علمِ الله. بل قال "...وَلَا يُحِيطُونَ…"، أي الإنس والجِن. بل ما يجب الانتباهُ له، هو أن فعلَ "...يُحِيطُونَ…"، مُصاغٌ في المضارع. وكما أشرتُ إلى ذلك، في عدة مقالات، الفعل المضارِع يُستَعمل للدلالة على شيءٍ يحدث في الحاضر وسيحدث في المستقبل. وهذا يعني أن البابَ مفتوحُ أمام العقول البشرية لاستكشافِ ما وراء الغيب النسبي.

وهذا هو ما لاحظناه ونلاحِظُه وسنلاحِظه في الآتي من الزمان. بمعنى أن الرصيد المعرفي البشري le patrimoine cognitif humain لم يتوقَّف، في يومٍ من الأيام، عن التراكُم l'accumulation، أي كلما حلَّت بالأرض حضارةٌ بشرية، في زمانٍ مُعبَّن، إلا وأتَت بالجديد في مجال العِلم والمعرفة. وهذا الجديد يُضافُ إلى الرصيد المعرفي البشري.

غير أن هذا الجديد، إن كان محدوداً في الزمان، فهو غير محدود في المكان. بمعنى أن الجديد قد تُنتِِجه عقولٌ بشرية في أية بُقعة من الأرض. لكن، كيفما كان حجمٌ الرصيد المعرفي البشري. فإنه يبقى محدوداً بالنسبة لعِلم الله، سبحانه وتعالى، مصداقا لقوله، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 255 من سورة البقرة" : "…وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ …"، وكذلك، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" (الإسراء، 85).

فإذا قربنا بين هاتين الآيتين، سيتبيَّن لنا أن ما وصل إليه العقلُ البشري من تراكُمٍ في المرفة، هو مرتبطٌ بمشيئة الله la volonté divine, وفي نفس الوقت، قليلُ بالمقارنة مع العلم الإلهي la science divine.

وللإشارة، إن جل ما حصل من تقدُّم في إغراء الرصيد المعرفي البشري، تم إنتاجُه من طرف عقولٍ بشريةٍ انتمت وتنتمي للقرون الثلاثة الماضية، أي القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرون.

أما الجديد المعرفي بالنسبة لعصرنا الحاضر، هو ظهور ما سمَّاه العقل البشري المُعاصِر "الذكاء الاصطناعي" l'intelligence artificielle، علما أن هذا الأخير، هو طفرةٌ ستُغيِّر، إن لم نقل، ستُلغي البرادكمات les paradigmes أو النماذج التي اتبعها الإنسانُ، حاليا، للتعامل مع مُكوِّنات الأرض والكون.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...