عبدالله عوبل - الواقع اليمني والنظرية الخلدونية

"المغلوب مولع أبدًا بتقليد الغالب ، في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده ، والسبب أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها" !
"المقدمة"


في "العبر" لإبن خلدون، واستخلاصاته في المقدمة، يظهر العلامة إبن خلدون إن القبائل دائما تتربص بالمدينة، في كل مرة تهجم القبائل على المدن وتنهبها، ويطلق القبليون على سكان المدن (وهم عادة من التجار والحرفيين والمهنيين، وهم يميلون إلى الدعة حسب ابن خلدون). أي إلى الاستقرار والتمدن. ويطلق القبائل على سكان المدن وصف "المستضعفين"، ويذكرنا هذا بالفتوى الهمجية بجواز قتل المستضعفين، في حرب ١٩٩٤ التي قامت بها العصبيات الأقوى وحققت الغلبة. ويذكر إبن خلدون العلاقة بين القبيلة ذو العصبية الكبرى ومظاهريها أي حلفائها من القبائل الأخرى وبين السلطان علاقة ولاء بقدر ما يستطيع السلطان ان يشتري ولاء القبائل تكون قدرته على الحكم أكبر واذا لم يؤمن المال اللازم للقبائل المظاهرة تنقلب عليه.
كان لدينا مشروع أنا والفقيد العزيز محفوظ هادي محفوظ الله يرحمه في بداية التسعينات إن نشتغل على إبن خلدون ، لكي نبين إن نظرية الدولة العربية الإسلامية وحكم العصبيات تنطبق على الواقع اليمني، الذي جزء كبير منه لم يقترب منه الاستعمار. بما في ذلك بعض المحميات التي لم تشهد نظام التعليم الحديث إلا في خمسينيات القرن العشرين وبعضها مع بداية السبعينيات.
ما جعلني أتذكر هذا الأمر إن الممارسات السياسية في المدينة عدن الآن ومن خلال ما يجري يوميا من غرائب السلوك الهمجي الذي لا يعرفه ابناء المدينة يدل على اننا لم ندرس النظرية الخلدونية كما يحب ، إن كل ما يخص العصبية واستضعاف سكان المدينة اليوم. وآخرها منع الفرق الرياضية بالسلاح والسطو الشرس على الأراضي والمتنفسات والآثار وكل ماله علاقة بتاريخ المدينة العتيقة، هو تطبيق لما لا حظه ابن خلدون قبل ثمانمأئة عام وأكثر .
يتذكر اليوم العدنيون وهم يرون ما يجري ليس لمدينتهم فحسب بل وإقصاءهم بالكامل من الوظيفة العامة والمناصب العليا وعدم توظيف ابناءهم. وتولي غير المتعلمين للشؤون الإدارية والمالية التي لابناء عدن فيها خبرات لا يخطأها عين ويتحسرون على وضع كانوا هم في قمة الهرم الإداري والمالي ويوم كانت لعدن حكومة من أبنائها . إن تسييد أشباه المتعلمين على المؤسسات الإيرادية وتجريفها هو هذا السلوك الذي حدده ابن خلدون. في باب " الجاه مولد للمال" بمعنى المنصب هو الذي يحقق الثراء وليس العمل المنتج . إن قرى بكاملها زحفت على الوظيفة العامة ، حيث ضرب بالقانون عرض الحائط وصار الولاء وابن القبيلة هو الأحق بالوظيفة العامة. ما يجري من الصعب معالجته بالمواعظ والخطب، فهذا السلوك هو من طبيعة العصبية القبلية، ومادام قد اندثرت كل مظاهر القانون والنظام وحلت محله العصبية فمن الصعب ازاحة هذا الوضع، إلا بإستعادة القانون وإبعاد أشباه المتعلمين والعصبيات بتضامن وطني مدني يعلي من شأن المهنة والكفاءة والخبرة تقوده الطبقة الوسطى رغم ضعفها وإفقارها. الأمر فيه خطر على المستقبل، فهذه العصبيات تضعف مع الثراء وتميل للدعة كما يذكر العلامة إبن خلدون ، في الوقت الذي تستعد فيه عصبيات أخرى للإنقضاض على العصبية الحاكمة. وهذا يعني لا تداول سلس للسلطة بين العصبيات ،، بل دم وقتال وأحقاد وانتقام.
وهكذا لن تتوقف العصبيات عن الطموح للمال عبر الجاه حتى ندخل عصر الصناعة البعيد عنا بالف سنة ضوئية.
لا حظ ان العصبيات قد اعادت التعليم إلى الوراء ، وتفاقمت حالة الفقر ، والابتعاد تماما عن ما انجز من تاريخ التعليم والصحة والخدمات ، والسفر بعيدا عن العصر ألى عصور التخلف والظلام والجهل والمرض .
لم نقرأ يوما في التاريخ إن القبيلة قد أقامت دولة، بمعنى الدولة المدنية الحديث والمعاصر .وفي بعض الدول العربية حيث ضعفت العصبيات أو تلاشت كما يرى محمد عابد الجابري تحل البطانة محل العصبية .اليمن اليوم بشمالي وجنوبه يقبع تحت سيطرت العصبيات القبيلية وقد أدت هذه السيطرة إلى فقدان مكاسب الدولة والمؤسسات والقانون التي كانت قد تحققت منذ أكثر من نصف قرن . رغم ضعفها ورغم ما تخللها من منظومة الأعراف القبلية وبقاء مؤسسات القبيلة وأعرافها التي أخترقت النظام المؤسسي لكنها لم تدمره، كما يحدث الآن.
وأختم بالعودة إلى فقرة المقدمة ، يجب إلا نستغرب من سلوك القبائل السلطوية في الجنوب الآن، فهي مولعة بتقليد معلميها من العصبيات النافذة في شمال الوطن. بل للأمانة فقد تفوقت العصبيات الجنوبية على معلميها في السطو والنهب والفوضى والاعتداء على حقوق مستضعفي المدن ومصادرة موارد الدولة والبناء فوق معالم المدينة وآثارها وكل ما لا يخطر على بال
د. عبدالله عوبل
عدن 15/9/2024

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...