محمد بشكار - أيها المواطن، لا تمنح صوتك إلا للقصيدة..!

أقول دونما حرج في انتظار الفرج، إن أصعب اختراع إنساني يمكن أن يبتكره خيال المجتمع، هو: الشاعر..!

أجل أقولها ملء الفم والقلب أيضاً الذي يعتبر أبلغ لسان موصول بالفؤاد وليس الحلقوم فقط ؛ أقولها للذين استسهلوا هذه الأيام كتابة الشعر، حتى فاضوا في بعض مجاري النشر فايسبوكياً أو حتى ورقياً، بإسهال لا تضمده كل حفاظات الأطفال؛ أقول للذين يكتبون صباح مساء قبل الأكل أو بعده، شعراً ما لم تسقط عن الكلمة العين لتصبح شراً، إن الشعر ـ كما أردد دائماً على لسان هنري ميشو ـ ليس شغلا، وإن مجرد التفكير في كتابة قصيدة، يكفي لقتلها؛ فأي زمن صار يعيشنا دون أن نريد العيش في رداءته يوماً واحداً، بعد أن أصبحنا نسمع تعابير من مثل «تظاهرة 100 ألف شاعر من أجل التغيير»، والمرشحة للوصول إلى سقف المليون شاعر..؟



هل يعقل أن فن الشعر صار بخساً، حتى صار يُباع بالجملة والكيلوغرام، مثل ساعات اليد الإلكترونية الصينية الرخيصة..؟
أي تظاهرة هذه التي تُجيِّشُ مائة ألف شاعر؟؛ يكاد العقل يفقد صوابه أمام هذا العدد الذي لا يلملمه فم ولو كان ممطوطاً بدون أسنان؛ أما القصيدة ، فهي براء، وما فتئت عبارتها تضيق في عزلتها القاسية، بعد أن اتسعت رقعة المدعين شعراً وما هم بشعراء أو أسماء استثنائية تصنع التميز والاختلاف، بدل الاكتفاء بالنمو الديمغرافي في أنطولوجيات وهمية؛ ولقد صدق محمود درويش حين صاح وهو يرى الزبد يغمر اللؤلؤ: أيها الشعراء لا تتكاثروا؛ لأنه كان يعلم ربما، أن زمنا سيأتي، يعلو فيه اللغط على الغناء، كما سيعلو الإنسان إلى السطح خوفاً من الأعماق، عاري الرأس من كل المَلَكات والأفكار، فيرضى على نفسه التي فقدها في الجهل، أن يقرأ أي شيء قابلا للأكل، مادامت العلبة تحمل اسم المنتوج؛ سواء كان شعراً أو شوكولاطة، أو حتى برسيماً، المهم أن ينتهي بكلمة: حلال..!
كنا نتوق أن يتحسن شعرنا من شاعر إلى أشعر، ولكن يبدو أن تظاهرة من مثل «مائة ألف شاعر»، لا تشي إلا باستعداد قبل الأوان للانتخابات؛ فيا أيها المواطن لا تمنح صوتك إلا للقصيدة..!

(افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" 9أكتوبر 2014)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...