د. نور الدين السد - سكر الرمز وصحو المعنى... قراءة أسلوبية تأويلية في قصيدة: "على مشارف المولد النبوي"، شعر: إبراهيم صديقي.

...- مدخل إلى الأسلوبية التأويلية وفضاء النص الصوفي:
تقتضي القراءة الأسلوبية التأويلية الانطلاق من الجهاز المفاهيمي الذي يميزها عن غيرها من المناهج النقدية، إذ لا تكتفي بوصف السمات اللغوية للنص الشعري، بل تتجاوزها نحو استكشاف أفق المعنى المتواري خلف البنية الإيقاعية والرمزية والبلاغية.
فالأسلوبية التأويلية كما تتأسس هنا هي مقاربة تُعنى برصد ترددات العلامة واقتصاد الرمز وهندسة الزمن وجدلية الأصوات داخل النص، بغية النفاذ إلى ما يمكن أن نسميه بـ"مغزى الشعرية العميقة"، وانطلاقًا من هذا الإطار، نجد أن قصيدة إبراهيم صديقي: "على مشارف المولد النبوي" تشكل مجالًا خصبًا لتطبيق هذه الآليات، لما تنطوي عليه من كثافة رمزية، وإحالات صوفية، وتناصّات متشابكة مع التراث العرفاني الجزائري والعربي.
إن قصيدة الشاعر إبراهيم صديقي "على مشارف المولد النبوي" تنفتح من مطلعها على صورة مثيرة للدهشة:
«ما للسكارى أضاعوا كل ما كسبوا
في الكأس ثم استزادوا كلما شربوا»
إنّها صورة تتجاوز مدلول السكر المادي نحو أفق تأويلي أرحب، حيث يُعاد بناء مفهوم "السكر" كإشارة إلى الانخطاف الروحي والانغماس في تجربة وجدانية تتجاوز حدود الوعي العادي، هنا يتدخل مفهوم التناوب الدلالي البنائي، إذ يتناوب المعنى بين ظاهر (سكر الخمر) وباطن (سكر المحبة الإلهية)، في حركة جدلية تؤسس لمستوى أول من مستويات القراءة التأويلية، هذا ما يذكّرنا بما قاله ابن الفارض في تائيته الشهيرة:
«سكروا بذكركمُ حتى كأنهمُ
من شدة السكر لا سكر ولا طربُ»
بهذا يظهر أن الشاعر يفتتح نصه من داخل فضاء صوفي أصيل، لكنه يحمّله برؤية شعرية جديدة تستمد قوتها من الحساسية المعاصرة.
كما أنّ إدخال الذات الشاعرة في هذا السياق الصوفي لم يأتِ عرضًا، بل انبنى على خلفية خطابية واضحة، إذ يعترف الشاعر في قوله:
«مهرّبًا جئت من أشجاني ومن أزمنتي
وشاردًا من ليالٍ كلها غضبُ»
إنّ هذا البيت يكشف عن تجربة "ذاتية" تعاني من قلق الوجود، لكنها لا تبحث عن خلاصها إلا في فضاء البوح الصوفي، حيث يتحول الغضب إلى نشوة، والليل إلى نور، والغياب إلى حضور، وهنا تتجلى بوضوح آلية التوجيه الدلالي المزدوج، حيث تقرأ العلامة (الليل، الغضب، الشجن) في أفقين: أفق التجربة الإنسانية الضيقة، وأفق الانفتاح على البعد النبوي الذي يشكل الغاية القصوى للقصيدة.
إن السياق الذي تنكتب فيه هذه التجربة لا ينفصل عن البنية العامة للشعر الصوفي العربي، الذي عُرف بقدرته على الجمع بين حرارة البوح العرفاني وعمق الرمز الشعري، فقد نجد صدى لهذا الخطاب عند سلطان العاشقين عمر بن الفارض حين يقول:
«شربنا على ذكر الحبيب مدامة
سكِرنا بها من قبل أن يُخلق الكرمُ
وقد وَقَعَ التفريقُ والكُلّ واحد
فأرواحُنا خَمْرٌ وأشباحُنا كَرْم»
هنا يظهر بجلاء أن إبراهيم صديقي يعيد تفعيل هذا الإرث عبر بناء صور جديدة، لكنه في الوقت نفسه يظل وفيًا لتجربة "السكر المعرفي" التي تميّز شعرية المتصوفة.
-- جدلية السكر والصحو: انخطاف الإيقاع وانفتاح المعنى:
تتبدى في نص إبراهيم صديقي جدلية ثنائية تقوم على التوتر بين السكر والصحو، وهما قطبان رئيسيان في التجربة الصوفية، فالمتصوفة يرون أن السكر هو مقام الانخطاف، حيث يذوب العارف في المحبة الإلهية، بينما الصحو هو مقام العودة إلى العالم لإبلاغ المعنى، والقصيدة تحاكي هذه الجدلية من خلال تنويع الإيقاعات وتوزيع الصور الشعرية بحيث يتنقل القارئ بين حالتين: فقدان التوازن في البنية الأولى، واستعادة الرؤية في البنية الثانية.
ففي قوله:
« مِن نبضهم عصروها كلما سكبوا
قدْرا رأوا دمعَهم في الكاس ينسكبُ
تعهَّدوها عصورا منذ مطلعها
ومنذ كان يربي ماءَه العنبُ»
نجد صورة مركبة توحي بانسكاب الدموع في الكأس، وكأن الخمر قد تحوّلت إلى دموع، والدموع إلى شراب، إنّ هذا الانزياح الدلالي يؤسس لما يمكن تسميته بـالتردد الإيقاعي التأويلي، حيث يتحرك النص بين دلالتين متباينتين لكنهما متكاملتان: الحزن المادي (الدموع)، والنشوة الروحية (الشراب)، وهذا التردد لا يقتصر على المعنى، بل يمتد إلى الإيقاع الداخلي للبيت الذي يتأرجح بين الشدة واللين، بين الانسكاب والارتشاف.
على هذا النحو يصبح "السكر" هنا رمزًا للامتلاء الروحي، بينما يتحول "الصحو" في المقاطع اللاحقة إلى وعي بالغاية النهائية من التجربة، أي الارتباط بالمولد النبوي الشريف، ففي البيت:
«والليل كان طويلا قبل مبعثه
حتى أتى فإذا الأضواء تصطخبُ»
نرى تحوّل الليل/سكر الظلمة إلى نهار/صحو النبوة، وهو تحوّل يعبّر عن نقلة نوعية في مسار القصيدة من الانخطاف إلى الوعي، ومن الغياب إلى الحضور.
ولا يخفى أن هذا البناء يعكس رؤية متجذرة في الشعر الصوفي الكوني، إذ نجد نظيرًا لها عند الشيخ محيي الدين بن عربي الذي ميّز بين "سكر المحبة" و"صحو الحكمة"، مؤكدًا أن اكتمال التجربة لا يتحقق إلا عبر الجمع بينهما، ومن ثم يمكن القول إن إبراهيم صديقي قد أعاد بناء هذه الجدلية بلغة معاصرة، موظفًا صورًا جديدة (الكأس، الدموع، الليل، الضوء) لكنها تحافظ على بعدها الرمزي الأصيل.
-- الإيقاع كآلية تأويلية: من التكرار البنائي إلى الانخطاف الصوتي:
إذا كان المعنى الصوفي يتأسس على الانخطاف الروحي، فإن البنية الإيقاعية للنص هي التي تمنح هذا الانخطاف صيغته الجمالية، ومن يقرأ قصيدة إبراهيم صديقي يلحظ بوضوح كيف يعتمد الشاعر على التكرار البنائي باعتباره أداة لإنتاج الدلالة، إذ أن تكرار الأفعال (أضاعوا، استزادوا، سكبوا، أنفقوا) لا يؤدي وظيفة موسيقية فقط، بل يخلق إيقاعًا دائريًا يوحي بالدوران الأبدي لحالة السكر.
إن هذا التكرار يجعل القارئ يعيش حالة من "الدوار" اللفظي تشبه الدوار الصوفي الذي وصفه مولانا "جلال الدين الرومي" في رقص الدراويش، ومن ثم يمكن القول إن النص يحقق نوعًا من الانخطاف الصوتي الذي يوازي الانخطاف الروحي الموصوف في المعنى، هنا تتجسد بوضوح آلية اقتصاد العلامة، حيث يتكرر اللفظ ذاته لكن بدلالات جديدة تتراكم مع كل استعمال.
كما أن اعتماد الشاعر على القافية الموحدة (بالختم بـ"بُ") يسهم في تكثيف هذا الإيقاع الدائري، إذ تتحول القافية إلى نغمة متكررة توحد أجزاء القصيدة وتعيد شحنها بالمعنى، ولا يخفى أن هذا النمط من التكرار نجده في قصائد سلطان العاشقين "عمر بن الفارض" التي تعيد لازمة "شربنا" أو "سكِرنا" لتكريس الأثر الطقوسي للقصيدة، وهكذا فإن إبراهيم صديقي يواصل هذا الإرث العرفاني، لكنه يطوره بإدخال صوت معاصر يتناغم مع أفق التلقي الحديث.
-- جدلية السكر والصحو: ثنائية الانخطاف والعودة:
في المستوى التأويلي الأعمق، لا يظل السكر مجرد رمز للنشوة الروحية، بل يتحوّل إلى علامة على الغياب المؤقت الذي يتيح للذات أن تنفلت من أسر الوعي الضيق، فالقصيدة تعكس هذا المعنى حين يقول الشاعر:
« وأشرق الوصلُ وانسابت مباهجُه
وأقبل الرحموتُ الصاخبُ اللجبُ»
إن الصورة هنا لا تنبني على معجم الهدوء والسكينة المعتاد في وصف السكر الصوفي، بل تستحضر معجم الصخب والانفعال (الصاخب، اللجب)، وهذا يدل على أن الشاعر يعيد بناء الرؤية العرفانية بلغة معاصرة، تتسم بالحركية والانفجار الدلالي، مما يجعل النص يتأرجح بين الانخطاف العرفاني وبين عودة الوعي عبر مفردات مكثفة، هنا تبرز آلية التوجيه الدلالي المزدوج من جديد: إذ يظل السكر متأرجحًا بين نشوة صاخبة وانكشاف روحي.
وفي مقابل هذه الحال، يقدّم النص صورًا للعودة إلى الوعي، أي الصحو، كما في قوله:
«فاصفحْ عليك صلاة الله يا وطنا
كل المعالي إلى دنياه تنتسبُ»
هذا البيت يمثل ذروة الصحو في النص، حيث يترسّخ الوعي بالرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره محورًا جامعًا للمعنى، وموطنًا تتقاطع عنده كل الدلالات، وهنا يظهر السارد المهيمن في القصيدة: فهو ليس مجرد صوت شعري متكلم، بل مركز دلالي يوجه كل العلامات نحو الرسول الكريم الذي يحوّل السكر إلى صحو، والغياب إلى حضور، وبهذا يثبت أن النص يعمل وفق منطق جدلي بين الانخطاف والوعي، بين السكر والصحو، بما يجعله يعكس بنية التجربة الصوفية في كليتها.
-- التردد الإيقاعي التأويلي: بين الدموع والشراب:
تتبدى قوة الشعرية عند إبراهيم صديقي في قدرة النص على تحويل العلامة البسيطة إلى فضاء متعدد الدلالات، ومن أبرز الأمثلة في قصيدة إبراهيم صديقي قوله:
« مِن نبضهم عصروها كلما سكبوا
قدْرا رأوا دمعَهم في الكأس ينسكبُ»
هنا نواجه صورة إشكالية، إذ كيف يتحوّل الدمع إلى شراب؟ إن هذا التحول يكشف عن تردد إيقاعي دلالي: فالكأس في ظاهرها وعاء للشراب، لكنها في باطنها وعاء للحزن والدموع، إن هذا التردد يمنح العلامة طاقة انفتاحية تسمح للقارئ بتأويل النص في اتجاهين متوازيين: اتجاه الحزن البشري، واتجاه النشوة الروحية.
وليس هذا التردد غريبًا عن الشعر الصوفي، فقد سبق أن عبّر سلطان العاشقين عمر بن الفارض عن الفكرة ذاتها بقوله:
«شربنا على ذكر الحبيب مدامةً
سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرمُ»
هنا يتحول الشراب إلى رمز للذكر، والذكر إلى شراب للروح، ما يقوم به إبراهيم صديقي هو إعادة إنتاج هذا التناوب الدلالي ضمن حساسية جديدة، حيث يستبدل الخمر بالدموع، فيدفع القارئ إلى إعادة التفكير في علاقة الحزن بالسكر، وفي علاقة الألم بالوجد.
وبهذا المعنى، فإن النص يفتح أمامنا مجالًا تأويليًا واسعًا يتجاوز الثنائية المألوفة بين البهجة والألم، ليرينا أن السكر الصوفي ليس سوى حالة تمازج بين النقيضين، وأن المعنى لا يتولد إلا من خلال هذا التداخل الإيقاعي والتأويلي في آن واحد.
-- التناوب الدلالي البنائي: بين الغياب والحضور:
يبرز في القصيدة أيضًا مستوى آخر من البناء الدلالي، يتمثل في التناوب بين الغياب والحضور، ففي البداية يصف الشاعر حالة التيه والغياب:
« مهرّبًا جئت من أشجاني ومن أزمنتي
وشاردًا من ليالٍ كلها غضبُ »
هذا المقطع يمثل مرحلة الغياب، حيث الذات مفصولة عن مرجعها الروحي، وتعيش في فضاء الغضب والاغتراب، لكن النص لا يتوقف عند هذه الحال، بل ينتقل تدريجيًا إلى الحضور عبر استحضار الرسول صلى الله عليه وسلم كقطب للمعنى:
« والليل كان طويلا قبل مبعثه
حتى أتى فإذا الأضواء تصطخبُ»
يتحوّل الليل هنا إلى رمز للغياب، بينما يصبح المبعث النبوي رمزًا للحضور، وهذا التناوب ليس خطيًا، بل يتجلى عبر إيقاع متصاعد يضاعف من أثر التجربة، وهكذا يمكن القول إن النص يشتغل بآلية التناوب الدلالي البنائي التي تعكس هندسة الزمن الصوفي: زمن الغياب يفضي إلى زمن الحضور، وزمن السكر يقود إلى زمن الصحو.
وإذا قارنا هذه الرؤية بما جاء عند العفيف التلمساني في قوله:
« إلى الرَّاحِ هُبَّوا حِينَ تَدْعُو المَثَالِثُ
فَمَا الرَّاحُ لِلأَرْوَاحِ إِلاَّ بَوَاعِثُ
هِيَ الجَوْهَرُ الصَّرْفُ القَدِيمُ فَإِنَ بَدا
لَهَا حَبَبٌ نِيْطَتْ بهِ فَهْوَ حَادِثُ
تَمَزَّزْتُهَا صِرْفاً فَلَمَّا تَصَرَّفَتْ
تَحَكَّمَ سُكْرٌ بِالتَّرَائِبِ عَابِثُ
وَفَاحَ شَذَا أَنْفَاسِهَا فَتَضَرَّرَتْ
نُفُوسٌ عَلَيْهَا الجَهْلُ عَاتٍ وَعَائِثُ
لي فيك يا وقتي سُكر وصحو
والروح من وجدي ذابت وباحت»
ندرك أن إبراهيم صديقي ينتمي إلى تقليد صوفي عريق، لكنه يعيد تشكيله من خلال لغة معاصرة تستثمر الصور الكونية (الليل، الضوء، الغضب، الأمل) لخلق شبكة رمزية جديدة.
وبذلك تتضح أن القصيدة ليست مجرد ترديد للموروث الصوفي، بل هي إعادة ابتكار لتلك الجدلية بلغة وأفق معاصرين.
-- التناص الصوفي: استدعاء الإرث العرفاني:
التناص وأسميه في كتاب: "الأسلوبية وتحليل الخطاب" وفي كتاب: "الأسلوبية التأويلية وتحليل الخطاب"، ب "تداخل الخطابات" وأبقي على مصطلح التناص هنا لشيوعه ورواجه بين الدارسين..
إن من أبرز سمات قصيدة إبراهيم صديقي أنها لا تنغلق على تجربتها الخاصة، بل تنفتح على الذاكرة الشعرية الصوفية، لتعيد استحضار إرث المتصوفة ضمن رؤية معاصرة، يظهر هذا بوضوح في البيت:
«فجئتهم أمتطي الموروثَ أسألهم
بحقه أن يمدوني وأن يهبوا»
إنّ عبارة "أمتطي الموروث" تحمل شحنة رمزية عالية، إذ توحي بأن الشاعر لا ينطلق من فراغ، بل يتكئ على تراث صوفي ممتد عبر القرون، فهو يمتطيه لا ليكرره، بل ليحوّله إلى أداة تعبيرية جديدة، في تواصلٍ حيّ بين الماضي والحاضر، هنا يتبدى مفهوم اقتصاد العلامة، إذ تُختزل الذاكرة الصوفية كلّها في لفظة واحدة: "الموروث"، لكنها مشحونة بطبقات من المعنى والدلالة، وفي هذا السياق، يمكن مقارنة موقف الشاعر بموقف العفيف التلمساني الذي قال:
"تركتُ المدامة للندمان
واصطفيتُ خمرة المعاني"
فكلاهما يستدعي الموروث، لكن ليعيد صوغه على نحو يوافق تجربته الفردية، غير أن إبراهيم صديقي يتميز بجرأة لافتة في إعلان توظيفه للموروث، ما يجعله شاعرًا واعيًا بموقعه في السلسلة العرفانية، وساعيًا لتأصيل صوته داخلها، كما أن طلبه من "السادة" أن يمدّوه ويهبوا له من فيضهم العرفاني يكشف عن حضور السارد المهيمن في صورة الجماعة الصوفية، حيث يتحول الخطاب من فردي إلى جماعي، ومن تجربة ذاتية إلى تجربة كونية تستند إلى وحدة الطريق العرفاني.
-- البوح العرفاني: الذات بين الندم والتضرع:
لا يقف التناص أو كما أسميه تداخل الخطابات عند حدود استدعاء الموروث، بل يتجسد أيضًا في لغة البوح التي تحاكي خطابات العارفين بالله، يقول الشاعر:
« يا سادةَ البوح اجثو في مواطنكم
أبكي على ما مضى مني وأنتحبُ»
إنّ الخطاب هنا يذكّرنا بوضوح بلغة المناجاة الصوفية التي نجدها عند ابن الفارض أو ابن عربي، حيث يتخذ العارف موقع التلميذ أمام "السادة"، ويظهر في هذا المقطع بعدان متكاملان:
1-- بعد شخصي ذاتي (البكاء على الماضي والندم على العمر الضائع).
2-- بعد عرفاني كوني (التضرع إلى السادة كي يفيضوا من أسرارهم).
وهذا يبرز آلية التوجيه الدلالي المزدوج مرة أخرى: فالبكاء يمكن أن يُقرأ في بعده النفسي البشري، لكنه في الآن ذاته يرمز إلى توبة عرفانية وانكسار روحي أمام عظمة المحبوب.
ويلاحظ أن هذا النمط من البوح يقارب ما قاله الحسين بن منصور الحلاج:
«أباحت دمي إذ باح قلبي بحبها
وحل لها في حكمها ما استحلت
وما كنتُ ممن يُظهر السر إنما
عروس هواها في ضميري تجلت
فألقت على سرَّي أشعةَ نورها
فلاحت لجُلَّاسِي خفايا طويتي
فإن كنت في سكري شطحت فإنني
حكمتُ بتمزيق الفؤاد المفتَّت
ومن عجبٍ أن الذين أحبهم
وقد أعلقوا أيدي الهوى بأعنة
سقوني وقالوا لا تفني ولو
سقوا جبال حُنين ما سقوني لفنت»
وهذا النمط أيضا يضاهي بوح الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في مناجاته الشهيرة: "يا ربّ إنّي عبدك، ومنك سؤالي، وإليك ابتهالي"، لكن إبراهيم صديقي يضفي على هذه المناجاة بعدًا شعريًا محليًا، حيث يجعلها تنبثق من تجربة الندم على الزمن الضائع، ومن التوق العميق إلى الوصل، وهنا تتجلى قوة الأسلوبية التأويلية في رصد هذه التداخلات التي تمنح النص طابعه المركب.
-- حضور الموروث الصوفي العربي في القصيدة:
يكتسب النص بعدًا خاصًا حين يُقرأ في ضوء الشعر الصوفي العربي، الذي يشكل رافدًا أساسيًا للتجربة، فابن الفارض على سبيل المثال كان يقول:
«شربنا على ذكر الحبيب مدامةً
سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرمُ»
وهذا البيت يحضر في خلفية قول إبراهيم صديقي:
« والحب كان يتيمَ الوالدين إلى
أن جاءه من يتيمٍ في الحجاز أبُ»
فالخمرة الرمزية عند ابن الفارض تتقاطع هنا مع صورة "اليتم" عند صديقي، وكلاهما يعبّران عن حاجة الوجود إلى اكتمال لا يتحقق إلا بحضور النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الفرق أن إبراهيم صديقي يضيف بعدًا جديدًا حين يجعل "اليتم" علامة على نقص الوجود قبل البعثة، وعلى امتلائه بعد ظهور الرسول الكريم، وهذا يمثل تفعيلًا معاصرًا لرموز قديمة.
أما عفيف التلمساني والغوث أبو مدين شعيب التلمساني وأحمد بن مخلوف وسواهم من الشعراء الجزائريين؛ فقد عُرفوا باستعمالهم المكثف للرموز الكونية (الليل، القمر، النجم) في وصف النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما نجده عند صديقي في قوله:
« فوق السماوات لا يدنو له قمرٌ
ولا نجومٌ ولا طيرٌ ولا سحبُ»
إنها صورة تتقاطع مع المخيال الصوفي الجزائري والعربي عامة، لكنها تنفرد بإعلاء مقام النبي صلى الله عليه وسلم، فوق كل الرموز الكونية، وهنا يتبدى التناوب الدلالي البنائي مرة أخرى:
إذ تتحول العلامات الكونية (قمر، نجوم، سحب) من رموز عليا إلى مجرد مؤشرات على عجزها أمام عظمة الرسول الكريم.
وبهذا يبرهن النص على أن الشاعر لا يكتفي باستدعاء الإرث الصوفي، بل يمارس عليه فعلاً تأويليًا يعيد تشكيله وفق منظوره الخاص، جامعًا بين الوفاء للموروث والابتكار المعاصر.
إنّ ما يميز هذه القراءة الأسلوبية التأويلية لقصيدة إبراهيم صديقي ليس فقط اكتشاف البنية العميقة للنص الشعري، وإنما إعادة صياغة العلاقة بين المعنى والمبنى في وحدة جدلية تؤكد أن النص الشعري ليس مجرد وعاء لمضامين مسبقة، بل هو حقل لغوي ودلالي متفجر يُنتج دلالاته باستمرار من خلال آلياته الداخلية، هنا تتجلى أهمية الأسلوبية التأويلية، إذ لم تكتف بتتبع الصور والرموز أو الإيقاعات والأنساق التعبيرية، بل تنخرط في عملية تفكيك بنيوي تأويلي يجعل النص يتحدث بلغته الخاصة، ويكشف عن طبقاته المتراكبة التي تتراوح بين البنية الدلالية الظاهرة والعمق التأويلي المستتر.
ومن هنا فقد وجدنا قصيدة على مشارف المولد النبوي للشاعر إبراهيم صديقي تتحرك بين مستويات متعددة: المستوى الرمزي الذي يُحيل إلى ذاكرة صوفية غنية بالصور والإشارات، والمستوى الإيقاعي الذي يخلق جدلاً بين التكرار والاختلاف، والمستوى التداولي الذي يوجّه خطابها نحو القارئ المستبصر، هذا التعدد البنيوي يمنح النص دينامية متجددة، بحيث لا يمكن القبض على معناه النهائي، بل يظل مفتوحًا على إمكانات قراءة متباينة.
ولذلك فإن التحليل الأسلوبي هنا كشف عن وظيفة السارد المهيمن في القصيدة، وهو ليس مجرد صوت شعري فردي، بل هو صوت كلي يتجاوز الذات الفردية للشاعر ليتحول إلى لسان جماعي يحمل قلق الوجود وأسئلة المصير والبحث عن المطلق، وهذا السارد المهيمن يُعيد توزيع الأدوار داخل النص، حيث يذوب الشاعر في صوته، وتتحول الصورة الشعرية إلى كيان مستقل له سلطته الخاصة.
كما أن الدراسة أبرزت البعد الحواري في النص، ليس بمعنى الحوار الخارجي، بل بمعنى تعدد الأصوات الذي يتجلى في تداخل نبرات الخطاب: خطاب الذات، خطاب الآخر، والخطاب الكوني، في حركة جدلية تكشف أن الشعر هنا لا يعكس فقط تجربة فردية، وإنما يُجسد جدلية الخفاء والتجلي بين الحضور والغياب، بين الانفتاح على المطلق والانغماس في التجربة الإنسانية المحدودة.
ولعل أهم ما يجعل التحليل وفق الأسلوبية التأويلية مهما هنا هو اعتماده على آليات إجرائية منتجة واهمها: مفهوم "التردد الإيقاعي التأويلي" الذي لا يُنظر فيه إلى التكرار على أنه إعادة ميكانيكية للفظ أو التركيب، بل باعتباره حركة دلالية متنامية تتطور مع كل عودة، بحيث يصبح التكرار نفسه آلية لإنتاج المعنى الجديد، لا لاستنفاده، وهذا ما يفتح النص على اقتصاد العلامة، حيث كل مفردة أو صورة تُوظف بحساب دقيق يخدم البنية الكلية للقصيدة،
إذن نحن أمام قصيدة تشتغل وفق نسق الانزياح الأسلوبي الذي يخرق مألوف اللغة ويعيد بناءها داخل أفق جمالي جديد، والتحليل الأسلوبي التأويلي الذي قُدّم لها لم يكن قراءة وصفية جامدة، بل كان مشروع تأويل علمي يعيد تأكيد أن الشعرية ليست في الزينة البلاغية فحسب، وإنما في طاقة النص على توليد المعنى، وإرباك التلقي، وفتح القارئ على عوالم لم يكن ليدركها خارج التجربة الشعرية.
------------------------------------------------
قراءة : نورالدين السد -- الجزائر
-------------------------------------------------
-- ملحق:
على مشارف المولد النبوي
شعر: إبراهيم صديقي
ما للسكارى أضاعوا كل ما كسبوا
في الكأسِ ثم استزادوا كلما شربوا
و أنفقوا العمرَ في النشوى وقد بلغوا
سرَّ الغوايات و استهواهم الطربُ
مِن نبضهم عصروها كلما سكبوا
قدْرا رأوا دمعَهم في الكاس ينسكبُ
تعهَّدوها عصورا منذ مطلعها
و منذ كان يربي ماءَه العنبُ
و قرَّبوها إلى إحسانهم زمنا
حتى استوى في سناها الثلجُ و اللهبُ
و أشرق الوصلُ و انسابت مباهجُه
و أقبل الرحموت الصاخب اللجب
فجئتهم أمتطي الموروثَ أسألهم
بحقه أن يمدوني وأن يهبوا
ياسادةَ البوحِ اجثو في مواطنكم
أبكي على مامضى مني و أنتحبُ
مهرَّبا جئت من أشجان أزمنتي
وشاردا من ليال كلُها غضب
و قلتُ علي بهذا الوصل يسعفني
منكم بيان بليغ الوصف مقتضب
ياسادة البوح و المطلوب مرتفعً
فوق الكلام فماذا يصنع الطلبُ
و منتهى القول هل يعلو كما يجبُ
لكي يطول مجازا حدُّه عجبُ
فوق السماوات لا يدنو له قمرً
و لا نجومُُ ولا طيرُُ ولا سحبُ
بحق ما بيننا من ملح قافية
هلا جعلتم بعيد الرمز يقتربُ
الحب كان يتيمَ الوالدين إلى
أن جاءه من يتيمِِ في الحجاز أبُ
و الجود كان غريبا غيرَ منتسبِِ
و منذ جاء إلى كفيه ينتسب
و الليل كان طويلا قبل مبعثه
حتى أتى فإذا الأضواء تصطخبُ
و الخوف و الشك كانا يملكان قلو
ب الناس حتى انبرى فانهارت الرِّيَب
و الحق اطلقه من أسر،غاصبه
و قبلَه ظل دهرا وهْو مغتصبُ
ومنذ آدم كي يعلو بعنصره
في الخلق،ظلت له الأنسابُ تُنتخب
رأيتُ ما رسموا جورا ومن رسموا
هل أدركوا جُرمَ ما خطوا و ما ارتكبوا
لم يعرفوك و لو يدرون ما اقترفوا..
اتوك مشيا على الأشواك و انتحبوا
يجرِّحون الذي آسى جراحهُمُ
و يكذبون على مَن خصمُهُ الكذبُ
ما للقوافي إذا يمَّمت حضرتَه
لا تستجيبُ و ما للحرف يضطربُ
مهابةُ القصد فاقت كل مرتبةِِ
و الشعرُ يقهره أن تسموَ الرُّتبُ
فاصفح عليك صلاة الله يا وطنا
كل المعالي إلى دنياه تنتسبُ
شعر: إبراهيم صديقي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...