د/محمد عباس محمد عرابي - اللغة في قصص الكاتبة رانية المهدي قصة لمبة جاز أنموذجا

عرض /محمد عباس محمد عرابي


القصة فن أدبي، لذا فهي نسيج لغوي، وتعد اللغة ركنًا رئيسا في بيان أبعاد النص السردي، وهي بمثابة البوتقة التي يضع الكاتب فيها الأفكار والرؤى في صورة ملموسة للقارئ والمتلقي.
وتحتوي اللغة على حياة الناس ملتقطة من هذا المجتمع، وتحتوي على صورة من لهجاتهم وأصواتهم، وتستخدم رسائلهم التعبيرية أداة لرسم ملامح الصورة الخيالية فيها كما أنها نفسها التي تعبر عن رأي الكاتب ووجهة نظره، لذا تزدحم بأساليب الأشخاص والطبقات الاجتماعية، والأنواع القولية، حيت يجتمع فيها الألفاظ والجمل والعبارات بمستوياتها المختلفة متلما تدور على ساحة الأحداث والشخصيات "(عبد الرحيم ،1991م، ص 3)
والناظر في قصص الكاتبة رانية المهدي لا يجد لغة واحدة، ولا أسلوب واحد حيث تتشكل اللغة في كل قصة تبعا للمواقف والأحداث والعالم الذي تصوره
كما تتغير اللغة في قصص الكاتبة رانية المهدي تبعًا لاختلاف وتباين الشخصيات التي تروي، وتعدد الرواة، وتنوع الوظائف التي تؤديها لغة السرد
كلك نلمح مجيء اللغة باللهجة العامية الحقيقة التي يتم النطق بها في مختلف الأحداث الحقيقية
وفيما يلي بيان ذلك من خلال شواهد نصوص قصص الكاتبة رانية المهدي قصة لمبة جاز من مجموعتها القصصية تُمن شاي:
أولا: اللغة التقريرية:
وهي لغة تتصف بالوضوح وإعطاء المعنى بصورة مباشرة، فيبدو الراوي، وكأنه يقدم تقريرا عنها:
وهو ما نجده في مستهل قصة لمبة جاز يقول الراوي:
لم يكن مجرد منزل ريفي بسيط، لكنه كان المكان السحري الذي يجعل الوقت ينقضي في هذه القرية التي تفتقر لأبسط وسائل الترفيه.
أتذكر ذلك جيدًا، كأني عُدت لذلك الجسد الطفولي الذي يسعى في الجلباب الأزرق القصير المرقع، وهذه الأقدام الرفيعة الحافية المتشققة التي تتحرك دائما ولا تستكين، عُدت لصوت أمي الذي ينطلق بأجمل الكلمات فأطير من السعادة"
فالراوي هنا قدم لنا وصفا تقريرا حقيقا للمنزل الريفي وبساطته، ووصف جسم الطفل وملابسه، وصوت الأم وكلماتها، وأثره في تحقيق السعادة.
*ونجد تقريرا من الراوي في وصف صابرة عم فتحي المصري "صابرة الفتاة الصغيرة الجميلة، حلم كل شباب القرية، الكل يقدم فروض الولاء ويطلب الرضا، لكنها اختارته هو؛ عم فتحي المصري، شاب رقيق الحال ضعيف البنية توفى والده وترك له خمس بنات وأما، لم يكن يحتكم على شيء إلا فدان أرض بور، وبعض حزم من الخوص يصنع منها الحصير الملون الذي يُفرش في الجامع وفي دوار العمدة فقط.
حيث نجد وصفا تقريرا لصابرة وجمالها وفتحي المصري ووصف ضعفه وضيق ذات يده؟
كما نجدا أيضًا وصفا تقريرا لسبب لتدفق الذكريات للأستاذ الجامعي المرموق الذي لا تؤرقه النساء، وكيف خطفته هذه الصغيرة، وهي لغة تعبيرية ناسبت شخصية الأستاذ الجامعي "
كل هذه الذكريات التي تندفع وتتزاحم في عقلي.. لا أعلم لما تتجسد أمامي هذا المساء ؟! ربما لأن هذه الطالبة الإنجليزية المشاغبة لها نفس ضحكتها، نفس النظرة المتلاعبة بالأقدار، كيف خطفتني هذه الصغيرة وأنا الأستاذ الجامعي المرموق الذي لا تؤرقه النساء؟!
كيف جعلتني أتعرق أمامها وهي تتحدث وتتمايل بكل هذا الدلع والثقة في أنوثتها؟ كيف جعلتني أتمناها وأسرح معها إلى أبعد مما كنت أتخيل؟ كيف جعلتني أعدها بمقابلة أخرى وحديث آخر؟ ما السحر الذي يميزها عنهن جميعًا؟"
*كما تجد وصفا طويلا ممتد على لسان الراوي :" كل هذه التساؤلات أعادتني إلى هناك إلى وجه خالتي صابرة، إلى وجه المرأة كما يجب أن تكون.. أعادتني إلى تلك الليلة، إلى ثقب الجدار الذي كان بينها وبين أمي لتبادل احتياجات المنزل، هذا الثقب السحري الذي كان يغلق ليلا فتغلق كل أبواب السعادة أمام عيني.

أتذكر جيدًا يوم أغلق نهائيًا عندما غادرت خالتي صابرة وزوجها العزبة، أتذكر جلستها على العربة الكارو وهي تخفي دموعها بطرف طرحتها السوداء التي تحيط وجهها الجميل، وبجانبها بناتها الصغار وبعض الحاجيات المنزلية البسيطة، وأهل القرية يطلقون الشتائم والسباب ليرحل عم فتحي النصاب كما كانوا يقولون، وتلك الدعوات من النساء لخالتي صابرة أن تتركه يرحل بمفرده، وتعود بيناتها لدار أبيها الغنى، وتنجو من هذا النصاب المديون لطوب الأرض ولكنها لم تستمع لهم أو تعطي أي إشارةٍ أنها تهتم حتى بما يقولون.

عندما انطلقت العربة أخذت أجري خلفها بكل قوتي، وأتمنى أن تحدث معجزة تمنعها من الرحيل، أخذت أجري وأجري حتى انقطعت نفاسي فسقطت على الأرض وشُجت رأسي وسالت الدماء على وجهي لتختلط بدموعي التي لم تتوقف حتى اختفت العربة عن الأعين.

كبرت وغادرت القرية لأكمل تعليمي الجامعي، ولم ألتفت لكل هذه دعوات التي تطلقها أمي عن بنت الحلال والبيت والزواج، كنت أتساءل بيني وبين نفسي.. هل هناك مثلها؟ الإجابة القاطعة دائمًا لا. فقد ذهبت وذهبت معها أنوثة وجمال كل النساء.

كنت الأول دائما في كل شيء إلا الحب، تفوقت في دراستي وتخرجت من الجامعة، غادرت مصر في منحة دراسية لخمس سنوات وعند إتمام المنحة قبلت بالعرض المقدم لي بالتدريس في هذه الجامعة العريقة، لتمر سنوات وسنوات لم أعد أحصيها ، انغمست في حياة مختلفة عملية جامدة صلبة، لأنسى الكثير من ذكرياتي وحياتي القديمة إلا هي؛ لم تغب عني ولـم تغب صورتها أبدًا.

في بعض الأحيان، أسمع رنة ضحكتها فأبتسم لها وأزيد، أتمنى أن أراها وأتساءل كيف سارت؟ وإلى أين؟ وهل ما زالت جميلة كما أتذكرها ؟

اشتقت لفنجانٍ من القهوة، وفي طريقي لإعداده وقعت عيني على المرآة المعلقة على الحائط، لأرى هذه الشعرات البيضاء المتناثرة والتي تعلن عن نفسها بوضوحٍ وبلا خجل؛ وقفت أتأملها ودار هذا السؤال في رأسي : لماذا لم أتزوج حتى الآن؟

انتبهت على صوت حبات المطر التي تنهمر بقوة خارج نافذتي، لتأخذني لتلك الليلة الشتوية المظلمة التي غاب عنها القمر ، كنت خائفًا من صوت المطر والرعد والبرق؛ فتحركت وأنا أرتجف من البرد لأشرب بعض الماء من القُلة وقدمي الصغير يتحاشى أن يغوص في ذلك الطابور الطويل للأجساد المتلاحمة التي تفترش الأرض، كتلة اللحم البشري الممتزج التي تٌسمى إخوة"
واللغة هنا تقريرية مع تنوع وسط سيطرة اللغة الإخبارية التقريرية على معظم قصة "لمبة جاز ،حيث استطاعت القصة توظيف هذه اللغة التقريرية في تقديم الشخصية تقديما مباشرا ،وأحيانا من خلال أقوالها وأفعالها
*اللغة التعبيرية:
وهي لغة أعانت القاصة في التعبير عن المواقف العاطفية، والانفعالات الداخلية، وهي ساعدت القاصة هنا في تقديم تنويع مستويات اللغة السردية، وجاءت في قصة "لمبة جاز متنوعة للشخص المثقف، وأيضًا الشخص البسيط العادي
*اللغة التعبيرية للشخص البسيط العادي نجدها في قول الأم "_خد يا ولا، ودي الصحن ده لخالتك صابرة، اوعى يقع من إيدك المفلوتة دي خلي بالك يا واد.

وقبل أن تكمل جملتها أكون قد خرجت من الدار، أسابق الرياح وأنا أحلم بهذه الضحكة الشهية التي تنطلق من خالتي صابرة، وأنتظر لمسة يدها عندما تمسك وجهي وتضغط عليه بقوة:
_والنبي خدودك دي أحلى من بسيسة المولد يا واد يا مصطفی سلم لي على أمك يا ولا."
لغة بسيطة جاءت باللهجة العامية، ونجدها أيضًا في قول صابرة:"
فتحي المصري، ابن خالتها تربى معها وأحبته رغم أنه فقير وفي رقبته كوم لحم هكذا كانت تقول أمي، وتحكي أيضًا أنها قالت لوالدها الحاج علي الدسوقي الرجل الثري المقتدر عندما احتدم بينهما النقاش:
_فتحي المصري ده لحمي ودمي، يعني أخصه حتى لو أنا في رقبة راجل تاني، إن مكنتش أضلل عليه.. مين هيعمل كده؟ والنبي واللي نبى النبي نبي.. لو موافقتوش.. لأرمي روحي في الرياح، وذنبي يبقى في رجبتكم كلكم.
تزوجته وعاشت معه في دار صغيرة من الطوب اللبن المتهدم؛ هذه الدار التي اختارها العم فتحي لتجاور دار أمه وأخواته حتى يكُن تحت عينه ورعايته."


"
_يا فتحي، يا وله يا فتحي، ما تفتح انفتحت في رأسك فتحة ميلحقوش يلموها، الشتا سبَّحني إلهي تتسبَّح بمية نار.
عم فتحي يحاول أن يتقدم ويفتح الباب، لكن خالتي صابرة تمنعه ونتجه للباب وتنظر من خرم صغير؛ لترى أباها وتسمع صوته وهو يبتعد
_حد يسبب داره في الشتا كده! عيال هاملة صحيح، وحياة راس أبويا لطين عيشة أمك يا صابرة، قال إيه روح شوف البنت البنت زمان الشتا مغرق دارها، أهو الشتا خرم دماغي ودماغ اللي جابوني، إلهي تغرق هي والدار واللي خلفتها، أدي آخر اللي يسمع كلام النسوان.
أسرعت إلى شباكي لأشاهد الحاج علِيّ وهو يركب حماره ويغادر في منتهى الغضب، لأعود مسرعًا إلى الثقب وأشاهد ما يحدث، وأستمع لعم فتحي وهو يقول:
_ليه مفتحتيش لأبوك الباب ؟! كده تخليه يجي لحد دارك ويرجع والشتا مغرق الدنيا ؟!
_لو أبويا كان دخل كان هيعرف إن معندناش جاز حتى ينور اللنضة، ومكنتش هعرف أضايفه وساعتها كان هيفتح في التقطيم، وأنت عارف الموشح، وأنا شبعت خلاص، وأنت كمان مش حمل كلامه وتقطيمه.
_مش ندمانة يا صابرة؟
_ لو كان في ندم يبقى على كل يوم كنت فيه بعيد عنك يا فتحي."
فاللغة هنا تعبيرية جاء باللهجة العامية فناسبت الشخصيات والمواقف والأحداث
خلاصة:



لا توجد في قصص الكاتبة رانية المهدي لغة واحدة، ولا أسلوب واحد حيث تتشكل اللغة في كل قصة تبعا للمواقف والأحداث والعالم الذي تصوره.
* تتغير اللغة في قصص الكاتبة رانية المهدي تبعا لاختلاف وتباين الشخصيات التي تروي، وتعدد الرواة، وتنوع الوظائف التي تؤديها لغة السرد
*مجيء اللغة باللهجة العامية الحقيقة التي يتم النطق بها في مختلف الأحداث الحقيقية
*استطاعت القصة توظيف هذه اللغة التقريرية في تقديم الشخصية تقديما مباشرا، وأحيانا من خلال أقوالها وأفعالها
* أعانت اللغة التعبيرية القاصة في التعبير عن المواقف العاطفية، والانفعالات الداخلية، وهي ساعدت القاصة هنا في تقديم تنويع مستويات اللغة السردية، وجاءت في قصة "لمبة جاز متنوعة للشخص المثقف، وأيضًا الشخص البسيط العادي


المراجع:
عبد الرحيم، محمد عبد الرحيم: دراسات في الرواية العربية، دار الحقيقة للإعلام الدولي ،1991م
رانية المهدى، قصص رانية المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...