في كتابات (جاستون باشلار) شيء ساحر يحتويك منذ السطور الأولى مهما كانت صعوبة الموضوع الذى يتحدث عنه، وهو في هذا الكتاب يحاول الإجابة عن سؤال غاية في الصعوبة ، لا لشيئ سوى لأنه غاية في البساطة . السؤال هو: ماهي النار؟ .. تعريف النار يشبه كثيرًا تعريفنا للماء بعد الجهد بالماء، غير أن الكتاب يكشف لنا أن مثل هذه الظواهر الطبيعية التى تبدو بسيطة لألفتها ربما تنطوي على شئ جدير بالنظر .
ولغة باشلار وقدرته على سبر أغوار النار ، ومعرفة أسرارها في التاريخ النفسي والاجتماعى للبشر، وطريقته الشعرية في معالجة أعقد الموضوعات والظواهر، يجعل كل سطر يتسرب داخلك حتي لتشعر أنك صاحب الكتاب ومحيط بكل أسراره، بمعنى أن الكتاب يفتح لك أفقه القرائي على مصراعيه .
لجاستون باشلار منهجه الخاص ، فمع أنه واحد من أكبر أنصار العلم ، ومن أبرز المنظرين له والمؤكدين على قيمة المنهجية والموضوعية ، إلا إنه في نفس الوقت يقدم لنا منهجاً مختلفاً تماماً عن كل هذا ، ثم يطلق عليه اسماً فنياً (شاعرية أحلام اليقظة) فهو يرى أن كل النظريات والاختراعات الكبرى لم تأت عن حاجة كما يعتقد البعض بل عن رغبة. فالحاجة أوضح من الرغبة، تماما كما أن المعرفة أوضح من العلم. وهي تنطوي على قدر من التخطيط والنفعية، أما الرغبة فلا تنطوي إلا على متعة خالصة، وهي شئ سحري وغامض يسري في الوجود كالروح ويصيب الناس كالأحلام .
ولحظة حلم اليقظة هي لحظة شعرية لأنها خالصة من حسابات الواقع المعقد، لذلك فهي تباغت صاحبها فيما يشبه المكاشفات عند المتصوفة، فتطلق البصائر حتى تتجلى الأسرار العظمى، عندئذٍ ينطلق الإبداع من داخلنا، فندرك أنه موروث ساكن فينا، لكنه لا يعبّر عن نفسه عبر الخيال، ولهذا ف(جاستون باشلار) يرى أن لحظة انظلاق صورة قصصية من داخلنا هي بمثابة صورة من أحلام يقظتنا. معنى هذا أن القصة القصيرة لا تنتظر تصميمًا مسبقًا لكاتبها، ولا حكاية طويلة مسبقة، وفيها يصبح الإنسان جزءاً من الوجود ويتعرف ببساطة على ذاته.. يقول باشلار: حتى العلم بكل موضوعيته ومنهجيته عليه أن ينطلق من لحظة مشابهه، لأن هذا هو ما يضمن للعلم إنسانيته، وهكذا يصبح العالم في لحظة ما مثله مثل الشاعر. فالعلم وحده، من دون الشعر لايمكنه أن يقدم تفسيرأ مقنعاً لأصل النار. نقول إن احتكاك الأغصان ولد الشرارة الأولى ، وأن الإنسان في محاكاته للطبيعة تعلم أن يوقد النار، هذا يعلمنا كيف نشعل النار، ولكنه لايقول لنا ماهي النار؟
لكن الشعر ممسوس بالأساطير، يحدثنا عن نيران أخرى هي.. نار الحب، أو نار الشهوة، أو نار الغضب والحقد والألم. والنار قد تكون مخبوءة عند النساء، لكنها الأكثر اشتعالاً. فالنار ليست شيئاً واحداً ، ولكل نار وظيفة ومعنى وغاية، فالاحتكاك العنيف هو صراع وصدام، يولد الموت والدمار والألم والنار المدمرة، والاحتكاك اللطيف هو مداعبة، تولد المتعة وتثير الشهوة، إنها نار لاتدمر ولاتفني العالم بل تخلقه من جديد .
وعندما يتاخم باشلار عالم الأساطير، يحرك فينا وعينا البدائي وهو طاقة معرفين أيضًا، مارسناها منذ طفولتنا وكبرت معنا. و هو ما يدفع وعينا الغريزي للعمل، ويشير لنا على مواقع رغباتنا المقموعة التي تتوزع في حياتنا كألغام قابلة للانفجار في أي لحظة ، لهذا فكتابات باشلار عموماً ، وكتاب التحليل النفسى للنار خصوصاً ليس فقط متعة ذهنية وعقلية يمثلها منهجه البسيط العميق، بل هو أيضاً يؤدي لعدة وظائف إدراكية تمتد من التاريخي والأسطوري للإنسان إلى الواقع النفسي له. وتلقى بظلال كثيفة على ممارساتنا اليومية، فتفسر طموحاتنا وأفعالنا ورغباتنا بل وأحلامنا، وهذا هو ماحدث لى بعد قراءة ( التحليل النفسى للنار).
حلم السفينة المحترقة أيقظنى على تلك الليلة من عام 76، كنت على ظهر تلك السفينة. كنت أؤدي خدمتي العسكرية، وقتها كان لكل شئ تفاصيل حية وواضحة، وأنا أشاهد النار تشتعل في غرفة الماكينات، أما الآن فلم أعد اذكر غير أن النار كانت تحاصرني، وإنها ظلت تفعل ذلك لبضع دقائق. أطفأنا النار ، لكن تلك اللحظة التى يواجه فيها الإنسان عنفوان النار هي تجربة لاتمحى من الذاكرة، إنها الخبرة الحسية المؤلمة والمخيفة حتى الموت، تظل تشتعل وتتجدد كلما فكرت فيها. أما جاستون باشلار ، فيمكنه اقناعك أن النار هي الظاهرة الوحيدة التى بإمكانها أن تقبل بنفس الوضوح القيمتين المتضادتين، الخير والشر، إنها تلمع في الجنة ، وتحرق في الجحيم ، وتدهش في القصص، وتسحر في الشعر.
ترى ، هل الإنسان يمكنه أن يختار بأى من كل هذا يحلم .
شارك هذا الموضوع:
سيد الوكيل
sadazakera.wordpress.com
ولغة باشلار وقدرته على سبر أغوار النار ، ومعرفة أسرارها في التاريخ النفسي والاجتماعى للبشر، وطريقته الشعرية في معالجة أعقد الموضوعات والظواهر، يجعل كل سطر يتسرب داخلك حتي لتشعر أنك صاحب الكتاب ومحيط بكل أسراره، بمعنى أن الكتاب يفتح لك أفقه القرائي على مصراعيه .
لجاستون باشلار منهجه الخاص ، فمع أنه واحد من أكبر أنصار العلم ، ومن أبرز المنظرين له والمؤكدين على قيمة المنهجية والموضوعية ، إلا إنه في نفس الوقت يقدم لنا منهجاً مختلفاً تماماً عن كل هذا ، ثم يطلق عليه اسماً فنياً (شاعرية أحلام اليقظة) فهو يرى أن كل النظريات والاختراعات الكبرى لم تأت عن حاجة كما يعتقد البعض بل عن رغبة. فالحاجة أوضح من الرغبة، تماما كما أن المعرفة أوضح من العلم. وهي تنطوي على قدر من التخطيط والنفعية، أما الرغبة فلا تنطوي إلا على متعة خالصة، وهي شئ سحري وغامض يسري في الوجود كالروح ويصيب الناس كالأحلام .
ولحظة حلم اليقظة هي لحظة شعرية لأنها خالصة من حسابات الواقع المعقد، لذلك فهي تباغت صاحبها فيما يشبه المكاشفات عند المتصوفة، فتطلق البصائر حتى تتجلى الأسرار العظمى، عندئذٍ ينطلق الإبداع من داخلنا، فندرك أنه موروث ساكن فينا، لكنه لا يعبّر عن نفسه عبر الخيال، ولهذا ف(جاستون باشلار) يرى أن لحظة انظلاق صورة قصصية من داخلنا هي بمثابة صورة من أحلام يقظتنا. معنى هذا أن القصة القصيرة لا تنتظر تصميمًا مسبقًا لكاتبها، ولا حكاية طويلة مسبقة، وفيها يصبح الإنسان جزءاً من الوجود ويتعرف ببساطة على ذاته.. يقول باشلار: حتى العلم بكل موضوعيته ومنهجيته عليه أن ينطلق من لحظة مشابهه، لأن هذا هو ما يضمن للعلم إنسانيته، وهكذا يصبح العالم في لحظة ما مثله مثل الشاعر. فالعلم وحده، من دون الشعر لايمكنه أن يقدم تفسيرأ مقنعاً لأصل النار. نقول إن احتكاك الأغصان ولد الشرارة الأولى ، وأن الإنسان في محاكاته للطبيعة تعلم أن يوقد النار، هذا يعلمنا كيف نشعل النار، ولكنه لايقول لنا ماهي النار؟
لكن الشعر ممسوس بالأساطير، يحدثنا عن نيران أخرى هي.. نار الحب، أو نار الشهوة، أو نار الغضب والحقد والألم. والنار قد تكون مخبوءة عند النساء، لكنها الأكثر اشتعالاً. فالنار ليست شيئاً واحداً ، ولكل نار وظيفة ومعنى وغاية، فالاحتكاك العنيف هو صراع وصدام، يولد الموت والدمار والألم والنار المدمرة، والاحتكاك اللطيف هو مداعبة، تولد المتعة وتثير الشهوة، إنها نار لاتدمر ولاتفني العالم بل تخلقه من جديد .
وعندما يتاخم باشلار عالم الأساطير، يحرك فينا وعينا البدائي وهو طاقة معرفين أيضًا، مارسناها منذ طفولتنا وكبرت معنا. و هو ما يدفع وعينا الغريزي للعمل، ويشير لنا على مواقع رغباتنا المقموعة التي تتوزع في حياتنا كألغام قابلة للانفجار في أي لحظة ، لهذا فكتابات باشلار عموماً ، وكتاب التحليل النفسى للنار خصوصاً ليس فقط متعة ذهنية وعقلية يمثلها منهجه البسيط العميق، بل هو أيضاً يؤدي لعدة وظائف إدراكية تمتد من التاريخي والأسطوري للإنسان إلى الواقع النفسي له. وتلقى بظلال كثيفة على ممارساتنا اليومية، فتفسر طموحاتنا وأفعالنا ورغباتنا بل وأحلامنا، وهذا هو ماحدث لى بعد قراءة ( التحليل النفسى للنار).
حلم السفينة المحترقة أيقظنى على تلك الليلة من عام 76، كنت على ظهر تلك السفينة. كنت أؤدي خدمتي العسكرية، وقتها كان لكل شئ تفاصيل حية وواضحة، وأنا أشاهد النار تشتعل في غرفة الماكينات، أما الآن فلم أعد اذكر غير أن النار كانت تحاصرني، وإنها ظلت تفعل ذلك لبضع دقائق. أطفأنا النار ، لكن تلك اللحظة التى يواجه فيها الإنسان عنفوان النار هي تجربة لاتمحى من الذاكرة، إنها الخبرة الحسية المؤلمة والمخيفة حتى الموت، تظل تشتعل وتتجدد كلما فكرت فيها. أما جاستون باشلار ، فيمكنه اقناعك أن النار هي الظاهرة الوحيدة التى بإمكانها أن تقبل بنفس الوضوح القيمتين المتضادتين، الخير والشر، إنها تلمع في الجنة ، وتحرق في الجحيم ، وتدهش في القصص، وتسحر في الشعر.
ترى ، هل الإنسان يمكنه أن يختار بأى من كل هذا يحلم .
شارك هذا الموضوع:
سيد الوكيل
التحليل النفسي للنار عند (جاستون باشلار). بقلم: سيد الوكيل
في كتابات (جاستون باشلار) شيء ساحر يحتويك منذ السطور الأولى مهما كانت صعوبة الموضوع الذى يتحدث عنه، وهو في هذا الكتاب يحاول الإجابة عن سؤال غاية في الصعوبة ، لا لشيئ سوى لأنه غاية في البساطة . ا…