ليلى تباني - تمرّد انطولوجي و جرأة متالغوية ، فلقاء ميتافيزيقي

أنا حين لا ألقاك أبتكرك



للشّعر بابان . باب خلفه أنت ...
وآخر خلفه ما شئت لو كنت ....
ليل المجازات لم يعثر على قمر ....
فأشعل الرّمز حتّى يبصر النّعت......
سرّ الكنايات في الفوضى ......
ولو هدأت لأنجبت شعراء كلّهم موتى ......
كلّ الحروف سواء إن ظفرت بها........
فلا تصدّق كلاما قيل عن حتّى .......
لك أحرف اسمك من لجين القلب ....كي لا ينمحي أثرك .......
أرأيت كيف يطول عمر بنفسجي ...؟ مهما يطل سفرك......
أرأيت كيف ألمّ وصفك في يدي وكيف أختصرك ؟......
أنا لست مشتاقا إليك ولست انتظرك ......
أنا حين لا ألقاك أبتكرك .......

الشّاعر الجزائري ـ ابراهيم صدّيقي ـ





القراؤة:


"أنا حين لا ألقاك أبتكرك" ، عنوان قصيدة مثيرة ، مذ أن قرأتها وأنا مشدودة بكلماتها وعمق معانيها وغايات بلاغتها ، نظم القصيدة الشاعر الجزائري" إبراهيم صدّيقي " . تعتبر القصيدة من الشعر الحرّ التجديدي ، تنفتح على أفق لغوي وفلسفي رحب، حيث يتداخل الغياب مع الحضور، ويتحوّل الحنين إلى عملية خلق جديدة، ويغدو النص مساحة وجودية لتعويض ما يتعذّر في الواقع. إذ لا تبدو عبارة الافتتاح "أنا حين لا ألقاك أبتكرك" مجرد تعبير عن شوق عابر، بل تأسيس لموقف فلسفي كامل؛ حيث تتحول المخيلة إلى سلطة توليدية، تبتكر المحبوب كلّما غاب، لتجعل من الغياب ذاته منبعا للحضور. الشعر هنا لا يصف الواقع، بل يعيد صياغته في شكل رمزي، حيث يصبح اللّقاء ممكنا عبر اللّغة وحدها .

المعجم الشعري الذي يعتمده النص يتوزّع بين الحقل العاطفي الحسي مثل "أثر، أختصرك، مطرك"، والحقل البلاغي النقدي مثل "مجازات، رمز، نعت، كنايات". هذه المزاوجة لا تأتي اعتباطًا، بل تكشف عن وعي الشاعر بالكتابة كفعل مزدوج: فعل حب وفعل لغة، فعل عاطفة وفعل بلاغة. لذلك تبرز المقاطع التي يسائل فيها الشاعر حدود المجاز وقدرته على حمل المعنى: "ليل المجازات لم يعثر على قمر"، وكأنه يعترف بعجز اللغة أحيانًا، ثم يستدرك "فأشعل الرمز حتى يبصر النعت"، معلنًا أن الإبداع لا يتحقق إلا عبر استمرار البحث والتجريب والتوليد الدائم للعلامات.

من أجمل مقاطع النص وأكثرها دلالة قوله في مطلع القصيدة : "للشعر بابان . باب خلفه أنت ... وآخر خلفه ما شئت لو كنت". فالشعر عند شاعرنا كبيت له أبواب ، أحدها يقود إلى حضور محدَّد هو "أنت"، المخاطب الحقيقي الذي يشكل مركز الإلهام، والآخر مفتوح على فضاء الإمكان "ما شئت لو كنت". هذه العبارة بالذات تحمل عمقا فلسفيا لأنها تشير إلى أنّ الشعر لا يقتصر على استعادة الحبيب الواقعي، بل يفتح بابا ثانيا على كل ما لم يوجد بعد، على الوجود الافتراضي المؤجّل. فالعبارة "ما شئت لو كنت" هي اختصار لعالمي الإمكان والحلم، لما لم يتحقق في الواقع لكنه يظل قائما بالقوة في الخيال . فيصير الباب الأول واقعيا يخص الحضور، أما الثاني فميتافيزيقيا يخصّ الممكن، وكأنّ الشاعر يعلن أن الشعر يعيش في التوتّر بين "ما هو" و"ما يمكن أن يكون". بذلك يتجلىّ وعيه بأنّ اللّغة لا تُستنفد بالواقع، بل تُولّد عوالم بديلة، وبأنّ الشعر هو المساحة التي يتحقق فيها المستحيل.

ويتواصل وعي الشاعر بقدرة اللغة على تجاوز حدودها في قوله: "كلّ الحروف سواء إن ظفرت بها / فلا تصدّق كلامًا قيل عن حتى". أين تتجلّى المفارقة، فيساوي بين الحروف جميعا، جاعلا قيمتها لا في ذاتها بل في طريقة صياغتها داخل النسيج الشعري، ثمّ يسخر من الجدل النحوي القديم حول "حتّى"، تلك الأداة التي أرهقت النحاة واحتلت حيّزا مبالغا فيه . بهذا الموقف يحرّر اللّغة من قيد القواعد ليعلن أن الشعر فضاء للحرية، وأن سلطة المعنى لا تأتي من النحو بقدر ما تأتي من المخيلة. إنها لحظة ما بعد اللغة( ميتالغوية) يعترف فيها النص بنفسه كفعل إبداعي يتجاوز كل الحدود المرسومة سلفا.

ومن بين أعمق مقاطع النص أيضا ما يقوله الشاعر: "سرّ الكنايات في الفوضى / فإن هدأت أنجبت شعراء كلهم موتى". هذه العبارة تحتضن أفقا بلاغيا وفلسفيا معا، إذ أنّها تقيم علاقة جدلية بين الفوضى والإبداع، الهدوء والموت. فالكناية، بوصفها أرقى أشكال البلاغة، لا تنبثق إلا من الفوضى؛ من الاضطراب والتوتر والخروج عن المألوف. أما حين يسود الهدوء، النظام والامتثال، فإن الشعراء يتحولون إلى موتى، لا بمعنى الغياب البيولوجي، بل بمعنى انطفاء الروح الخلاّقة. هنا نلمس إشكالية أنطولوجية تمسّ جوهر الشعر نفسه ،فالإبداع لا يمكن أن يولد من الاستقرار والهدوء الشبيه بالجمود، بل يحتاج إلى الصراع والقلق والتمرّد. هذه الرؤية تجعل من التمرّد ليس خيارا جماليا فحسب، بل شرطا وجوديا، حيث يصبح الخلق نفسه فعل مقاومة للسكون والموت .

ويتجلّى هذا العمق أيضا في آخر بيت في القصيدة ، حيث يكشف قوة الخيال عند إبراهيم صديقي، حين يقول: "أنا لست مشتاقا إليك ولست أنتظرك / أنا حين لا ألقاك أبتكرك". هذا البيت مدهش صادم لأنه ينفي حالتين طبيعيتين للحبّ هما الشوق والانتظار، ليقلبهما في لحظة شعرية فارقة، حيث يتحول الغياب إلى ولادة جديدة، ويغدو الحبيب مخلوقا بالخيال كلما تعذّر اللقاء في الواقع. في هذا الموضع يبلغ النص ذروته، لأن الشاعر لا يكتفي بالاعتراف بالحب بل يعيد ابتكار موضوع الحب ذاته، جاعلا من المخيلة مجالا أنطولوجيا للحضور، وكأن الشعر يتحول إلى فضاء وحيد يُعاش فيه اللقاء الممكن.

من هذا المنظور يغدو النص بيانا شعريا حول علاقة الوجود باللغة. فالشاعر يعي أن اللغة ليست شفافة ولا مباشرة، بل متمرّدة وغامضة، وأنها لا تُفصح عن أسرارها إلا في لحظة الفوضى. إنها إذن أنثى عصيّة، لا تلد إلا من رحم التوتر. وهنا تتضح فكرة أن الشعر في جوهره تمرّد مزدوج ،تمرّد على الواقع الذي يغيب فيه المحبوب، وتمرد على اللغة حين تُختزل في المباشر. ومن هذا التمرّد يتولد المعنى، ومن هذا القلق يتشكل الشعر.

من الواضح ا أن القصيدة ليست اعترافا غزليا فحسب، بل رؤية فلسفية حول الشعر نفسه. هي تأمل في علاقة اللغة بالوجود، وفي علاقة التوتر بالخلق، وفي دور المخيلة بوصفها البديل الوحيد للحضور المستحيل. لذلك يبدو أن العنوان "تمرّد ناعم" يلخص جوهر النص، إذ يدمج بين القوة الكامنة في التمرد واللطف الجمالي في الأسلوب. فهو عنوان يجمع المتناقضين ليكشف أن الشعر عند صديقي ثورة صامتة، ترفض الموت والغياب بالخيال، وتواجه الفناء بالابتكار.

يفضي بنا القول بأنّ قصيدة الشاعر ابراهيم صديقي تتجاوز حدود الغزل المباشر لتصبح بيانا شعريا في جوهره، فهي تؤسس لفلسفة الإبداع بوصفه فعل ابتكار للغياب، وتجعل من المخيلة بديلا للحضور المستحيل. كل بيت فيها ينطوي على جدلية أنطولوجية بين الواقع والممكن، بين "أنت" المحدّد و"ما شئت لو كنت" المفتوح على الحلم، بين فوضى الكنايات التي تنجب الشعر واللحظة الهادئة التي لا تنتج إلا موتا. أسلوبها المتوتر، صورها الرمزية، وتكرارها البنائي، كلّها تجعل النص فضاء حلزونيا يحاكي دورة الغياب والخلق، حيث لا ينتهي اللقاء بل يتجدد في اللغة. إنها قصيدة تمرّد ناعم، تنحاز للخيال ضد العدم، وللشعر ضد الفناء، لتجعل من الكلمة آخر موطن للحضور الإنساني الممكن.

ليلى تباني ــــ الجزائر







ـ ابراهيم صدّيقي ـ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...