منذ أكثر من قرن، في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، صاغت بريطانيا على لسان وزير خارجيتها آنذاك آرثر بلفور وعدًا منح فيه لليهود “وطناً قومياً” في فلسطين. لم يكن ذلك الوعد مجرد رسالة قصيرة، بل لحظة تأسيسية لمأساة تاريخية مستمرة، شكّلت الأرضية السياسية والقانونية والأخلاقية لمشروع استعماري استيطاني ما زال ينهش الأرض والإنسان الفلسطيني حتى اليوم.
لقد اختزل وعد بلفور فلسطين إلى “أرض بلا شعب”، وكان بذلك أولى حلقات الإقصاء التاريخي للفلسطيني، وتجسيدًا للذهنية الكولونيالية التي نظرت إلى شعوب الشرق باعتبارها موضوعًا للتقسيم والإلحاق والسيطرة. لم يكن الوعد فعلًا سياسيًا فحسب، بل إعلانًا عن ميلاد مأساة مركبة: استعمار استيطاني يجد غطاءً دوليًا، وشعب يُسلب وجوده ويُلقى به خارج التاريخ.
اليوم، وبعد أكثر من مئة عام، تعود بريطانيا نفسها لتعلن اعترافها بالدولة الفلسطينية، إلى جانب دول أوروبية أخرى كالفرنسيين والإسبان، فضلًا عن الاعترافات السابقة من الصين وروسيا. قد يبدو الأمر للبعض رمزيًا ومتأخرًا، لكن الرمزية هنا عميقة في قلب التاريخ: بريطانيا التي منحت الأرض للمستعمر، تعود لتمنح الاعتراف بالحق الوطني لأصحابها الشرعيين.
هذا الاعتراف لا يغيّر الواقع على الأرض فورًا، ولا يوقف الحرب في غزة، لكنه يخلخل البنية الرمزية والسياسية التي قامت عليها شرعية المشروع الصهيوني منذ بداياته. فإذا كان وعد بلفور وثيقة الميلاد الأولى لهذا المشروع، فإن اعتراف بريطانيا اليوم يمثل – ولو متأخرًا – انكسارًا في متخيّل الشرعية التاريخية التي حاولت إسرائيل بناؤها على مدى عقود.
قد يظن البعض أن الرمزية مجرد بعد معنوي ضعيف، لكنها في قضايا الشعوب المستعمَرة أحيانًا أقوى من الحدث المادي نفسه، لأنها تفكك السردية المؤسسة للاستعمار. اعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية يعني عمليًا أن الراعي الأول لوعد بلفور يتراجع عن سرديته، ويعترف بأن هناك شعبًا وحقًا وسيادة. هذه النقلة الرمزية تعيد كتابة التاريخ، وتكسر القاعدة التي حكمت الوعي الغربي تجاه فلسطين قرنًا من الزمن.
إذا كان وعد بلفور وعدًا بالإقصاء، فإن اعتراف بريطانيا اليوم هو وعد بالعودة إلى الذات الفلسطينية، ولو متأخرًا. نحن أمام مفارقة تاريخية: الوثيقة الأولى ألغت وجود الفلسطيني، أما الوثيقة الجديدة فتؤكد هذا الوجود وتشرّعه. إنها ليست مجرد “نقلة دبلوماسية”، بل ارتداد عميق في بنية الوعي السياسي الغربي الذي كان يرى في إسرائيل حصنًا استعماريًا دائمًا، ليجد نفسه اليوم مضطرًا لموازنة المعادلة.
الاعتراف البريطاني ومعه اعتراف دول أوروبية وأعضاء دائمون في مجلس الأمن (فرنسا، الصين، روسيا) لا يمكن عزله عن التحولات العميقة في النظام الدولي. إنها لحظة تكشف بداية انحسار التفرد الأمريكي، وتفتح مجالًا لتعددية دولية جديدة، يكون فيها الحق الفلسطيني ورقة اختبار لصدقية النظام العالمي القادم.
لا يمكن فصل هذه الاعترافات عن حرب الإبادة الجارية في غزة. فالمجازر اليومية، وصور الأطفال تحت الركام، أجبرت الضمير العالمي على مواجهة سؤال لم يعد يحتمل التأجيل: إلى متى يُعفى الاحتلال من القانون الدولي؟ إلى متى تُمنح إسرائيل حصانة مطلقة؟ في هذا السياق، يصبح الاعتراف بفلسطين فعلًا رمزيًا، لكنه فعل يكسر جدار الصمت ويمهّد لمرحلة تُعاد فيها صياغة موقع القضية الفلسطينية كبوصلة أخلاقية وسياسية في العالم.
إن اعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية ليس مجرد قرار دبلوماسي، بل حدث بنيوي يعيد قراءة قرن كامل من التاريخ. إنه لا يمحو وعد بلفور، لكنه يضعه في موقعه الحقيقي: وثيقة استعمارية عفا عليها الزمن. وفي المقابل، يرفع الاعتراف الجديد الراية التي تقول إن الشعب الفلسطيني لم يُمحَ، ولم يُقصَ، بل هو حاضر، ويمتلك شرعية الدولة.
هذه الرمزية ليست ترفًا، بل شرط من شروط المستقبل. فالأمم لا تُبنى فقط بالقوة المادية، بل بالاعتراف، بالذاكرة، وبالرمز. وإذا كان القرن العشرون قد بدأ فلسطينياً بوعد بلفور، فإن القرن الحادي والعشرون قد يحمل معه وعدًا آخر: أن تتحول الرمزية إلى واقع، والاعتراف إلى دولة حرة على أرضها.
الاعترافات الدولية بدولة فلسطين حدث مهم، لكنه ليس النهاية بل البداية. قيمته لا تكمن في النصوص التي تُكتب في العواصم، بل في القدرة الفلسطينية على استثماره في مشروع تحرري شامل.
المأساة أن الفلسطينيين يعيشون اليوم في أقسى ظروفهم: تشظٍ داخلي، حصار، حرب إبادة، سلطة مرهونة، شعب جائع ومهدد. لكن التاريخ يثبت أن اللحظات الأشد ظلامًا قد تفتح الطريق لانبعاث جديد.
السؤال إذن ليس: ماذا فعلت لنا بريطانيا وفرنسا؟ بل: ماذا سنفعل نحن بهذه اللحظة؟ هنا يُصنع الجواب، وهنا يبدأ المستقبل.
بقلم : خالد صالح عطية
٢٢-٠٩-٢٠٢٥
لقد اختزل وعد بلفور فلسطين إلى “أرض بلا شعب”، وكان بذلك أولى حلقات الإقصاء التاريخي للفلسطيني، وتجسيدًا للذهنية الكولونيالية التي نظرت إلى شعوب الشرق باعتبارها موضوعًا للتقسيم والإلحاق والسيطرة. لم يكن الوعد فعلًا سياسيًا فحسب، بل إعلانًا عن ميلاد مأساة مركبة: استعمار استيطاني يجد غطاءً دوليًا، وشعب يُسلب وجوده ويُلقى به خارج التاريخ.
اليوم، وبعد أكثر من مئة عام، تعود بريطانيا نفسها لتعلن اعترافها بالدولة الفلسطينية، إلى جانب دول أوروبية أخرى كالفرنسيين والإسبان، فضلًا عن الاعترافات السابقة من الصين وروسيا. قد يبدو الأمر للبعض رمزيًا ومتأخرًا، لكن الرمزية هنا عميقة في قلب التاريخ: بريطانيا التي منحت الأرض للمستعمر، تعود لتمنح الاعتراف بالحق الوطني لأصحابها الشرعيين.
هذا الاعتراف لا يغيّر الواقع على الأرض فورًا، ولا يوقف الحرب في غزة، لكنه يخلخل البنية الرمزية والسياسية التي قامت عليها شرعية المشروع الصهيوني منذ بداياته. فإذا كان وعد بلفور وثيقة الميلاد الأولى لهذا المشروع، فإن اعتراف بريطانيا اليوم يمثل – ولو متأخرًا – انكسارًا في متخيّل الشرعية التاريخية التي حاولت إسرائيل بناؤها على مدى عقود.
قد يظن البعض أن الرمزية مجرد بعد معنوي ضعيف، لكنها في قضايا الشعوب المستعمَرة أحيانًا أقوى من الحدث المادي نفسه، لأنها تفكك السردية المؤسسة للاستعمار. اعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية يعني عمليًا أن الراعي الأول لوعد بلفور يتراجع عن سرديته، ويعترف بأن هناك شعبًا وحقًا وسيادة. هذه النقلة الرمزية تعيد كتابة التاريخ، وتكسر القاعدة التي حكمت الوعي الغربي تجاه فلسطين قرنًا من الزمن.
إذا كان وعد بلفور وعدًا بالإقصاء، فإن اعتراف بريطانيا اليوم هو وعد بالعودة إلى الذات الفلسطينية، ولو متأخرًا. نحن أمام مفارقة تاريخية: الوثيقة الأولى ألغت وجود الفلسطيني، أما الوثيقة الجديدة فتؤكد هذا الوجود وتشرّعه. إنها ليست مجرد “نقلة دبلوماسية”، بل ارتداد عميق في بنية الوعي السياسي الغربي الذي كان يرى في إسرائيل حصنًا استعماريًا دائمًا، ليجد نفسه اليوم مضطرًا لموازنة المعادلة.
الاعتراف البريطاني ومعه اعتراف دول أوروبية وأعضاء دائمون في مجلس الأمن (فرنسا، الصين، روسيا) لا يمكن عزله عن التحولات العميقة في النظام الدولي. إنها لحظة تكشف بداية انحسار التفرد الأمريكي، وتفتح مجالًا لتعددية دولية جديدة، يكون فيها الحق الفلسطيني ورقة اختبار لصدقية النظام العالمي القادم.
لا يمكن فصل هذه الاعترافات عن حرب الإبادة الجارية في غزة. فالمجازر اليومية، وصور الأطفال تحت الركام، أجبرت الضمير العالمي على مواجهة سؤال لم يعد يحتمل التأجيل: إلى متى يُعفى الاحتلال من القانون الدولي؟ إلى متى تُمنح إسرائيل حصانة مطلقة؟ في هذا السياق، يصبح الاعتراف بفلسطين فعلًا رمزيًا، لكنه فعل يكسر جدار الصمت ويمهّد لمرحلة تُعاد فيها صياغة موقع القضية الفلسطينية كبوصلة أخلاقية وسياسية في العالم.
إن اعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية ليس مجرد قرار دبلوماسي، بل حدث بنيوي يعيد قراءة قرن كامل من التاريخ. إنه لا يمحو وعد بلفور، لكنه يضعه في موقعه الحقيقي: وثيقة استعمارية عفا عليها الزمن. وفي المقابل، يرفع الاعتراف الجديد الراية التي تقول إن الشعب الفلسطيني لم يُمحَ، ولم يُقصَ، بل هو حاضر، ويمتلك شرعية الدولة.
هذه الرمزية ليست ترفًا، بل شرط من شروط المستقبل. فالأمم لا تُبنى فقط بالقوة المادية، بل بالاعتراف، بالذاكرة، وبالرمز. وإذا كان القرن العشرون قد بدأ فلسطينياً بوعد بلفور، فإن القرن الحادي والعشرون قد يحمل معه وعدًا آخر: أن تتحول الرمزية إلى واقع، والاعتراف إلى دولة حرة على أرضها.
الاعترافات الدولية بدولة فلسطين حدث مهم، لكنه ليس النهاية بل البداية. قيمته لا تكمن في النصوص التي تُكتب في العواصم، بل في القدرة الفلسطينية على استثماره في مشروع تحرري شامل.
المأساة أن الفلسطينيين يعيشون اليوم في أقسى ظروفهم: تشظٍ داخلي، حصار، حرب إبادة، سلطة مرهونة، شعب جائع ومهدد. لكن التاريخ يثبت أن اللحظات الأشد ظلامًا قد تفتح الطريق لانبعاث جديد.
السؤال إذن ليس: ماذا فعلت لنا بريطانيا وفرنسا؟ بل: ماذا سنفعل نحن بهذه اللحظة؟ هنا يُصنع الجواب، وهنا يبدأ المستقبل.
بقلم : خالد صالح عطية
٢٢-٠٩-٢٠٢٥