اشتد على فاطمة المخاضُ، وليس في القرية إلا القابلة الوحيدة أمي كنزة، كما يناديها أهل القرية، فقد وُلد على يديها جيل بكامله ذكورا وإناثا، ومنهم فاطمة نفسها التي هي الآن بين يدي القابلة "أمي" كنزة بيد أن المهمة اليوم تبدو عسيرة ، فوضعية الجنين مستعصية وغير طبيعية، وفاطمة تتنفس بصعوبة، وجبينها يتصبب عرقا. تحاول أم كنزة كعادتها تشجيع الأم الحامل وهي تبسمل بلا توقف كعادتها، مستحضرة خبرة سنين طوال، لكن دون جدوى.
مع طول الانتظار بدأ الشعور بالقلق يصيب أهل البيت، وقد انزوى الزوج محمد في ركن حاضناً ابنيه البِكرين، بينما لا تتوقف أم محمد عن الذهاب والإياب وسط الممر الداخلي للبيت، مما رفع منسوب التوتر والخوف على سلامة الأم والجنين معا، خاصة حين يهز صراخ فاطمة المدوي أركان البيت.
طال الانتظار وضعف الأمل في قرب الوضع، وأمي كنزة تغالب حالة مستعصية ولم تفلح إلا في إخراج قدمي الجنين، بينما ظلت بقية الجسد عالقة داخل الرحم.. قامت أمي كنزة وقد علا العبوس محياها وقطرات العرق تلمع في أعلى جبينها، اقتربت من الزوج محمد وقالت بصوت مليء باليأس:
-يجب أخذ فاطمة الى دار الولادة ..
-لماذا؟ ما الأمر؟
رد محمد محمد فزعا.
-رأس الجنين لازال عالقا، ولا أدري هل سيظل على قيد الحياة ..
-سنذهب صباحاً، في انتظار أن يجلب لي أخي العربة التي يشتغل عليها.
عقب محمد وهو يتجه إلى الغرفة المجاورة.
تبادلت السيدتان نظرة استنكارٍ بينهما ، وفغرت أمي كنزة فاها كأنها تتساءل:
ماذا لو ماتت فاطمة وجنينُها معا قبل الصباح؟..
رفعت السيدتان عينيهما إلى السماء كأنهما تستنجدان بمعجزة من الله في انتظار مجيء العربة صباحا.
دخلت أمي كنزة مجددا على فاطمة، التي أنهكها الألم الشديد وهدها الصراخ مستغيثة بلا جدوى.
ظلت وضعية الجنين عالقة ، لا تظهر إلا رجلاه، و قد علتهما زرقة كأنها نذيرُ شؤم، وبدأت رائحة غريبة تفوح منهما..
لم تتوقف أمي كنزة عن التضرع لله، إلى أن لاحت طلائع الفجر بطيئة كأنها عقارب ساعة لم يتم شحنها بما فيه الكفاية.
تم تجهيز العربة التي يستعملها محمد عادة لنقل الأغنام إلى السوق الأسبوعي ، وقد فرشوا صندوقها الخلفي بقطع من جلد الغنم فوقها سجاد لتتمدد فوقه فاطمة، ثم دثروها ببعض الأغطية من الصوف.
وبعد أن جلست أمي كنزة إلى جانبها وهي تضع كفها فوق جبينها، انطلقت العربة مخلفة وراءها صوت نواح الصغيرين وكأنما يودعان أمَّهما...
تفصلهم عن المستوصف حيث دار التوليد ثلاث ساعات.
هدأ أنين فاطمة على الرغم من هزات العربة فبدت كجثة تحتضر، خاصة وقد ارتفعت حرارة الجو مما سيسرع من سيلان النزيف لا محالة.
كنتُ جالسة بغرفة الحراسة، غرفة لا تتوفر على أدنى تجهيزات التبريد، باستثناء مبَرِّد مخصص لوضع اللقاحات وعلب الأنسولين كنا نحتفظ فيه ببعض قنينات الماء الصغيرة حتى تتجمد لنُمرِّرها على أيدينا ورقبتنا علها تخفف عنا وطأة الحرّ، وبينما أنا منهمكة في إعداد بعض المستلزمات ، إذا بالممرضة تدخل مستعجلة:
- دكتورة ..! دكتورة!
- نعم ماذا هناك ؟
-وصلت للتوِّ حالة ولادة مستعصية، تقول القابلة المرافقة لها إنها حاولت توليدها طيلة ليلة أمس وأنها في حالة يكاد أن يغمى عليها وأن ضغطها منخفض جدّا..
ارتديت وزرتي و وضعت قفازين طبيتين ثم هرولتُ نحوَ قاعة الولادة، لأجدني أمام شابة في العشرين من عمرها، وقدْ لصق التبن وعلفُ البهائم بثيابها، و تبدو كمن سقِمَ لشهور...
أمرت الممرضة بإلحاح وبصوتٍ عالٍ أن نقوم بتهيئة الأم أولا بأقصى سرعة ممكنة..
وبصعوبة شديدة تمكنْتُ من الامساك بوريدها، إذ لاحظت أن أوردَتَها شبه منعدمة بسبب النزيف والضغط المنخفض، لنحقن الأمصال والمضادات الحيوية ونمدُّها بالأوكسجين ، محاولين تعويض ما فقدتْهُ من دماء؛ قبل أن أشرع في محاولاة تخليصها من جثة الجنين، التي بدأت تتعفن فأي تأخير إضافي قد يزيد من خطورة وضع مريضتي الشابة و قد يتسبب في رحيلها.
أخذت المقص لبَضْعِ العضلات الجانبية وهي عملية نقوم بها لتوسيع مسلك الجنين، عادة نقوم بها من جهة واحدة، لكن اضطررت لإجراءها من الجهتين أملاً في خروج الرأس العالق.
كان الجنين في وضعية المقعَد أو الجالس أي أن رجليه كانا يتقدمان عن رأسه قبل الولادة ، وهي وضعية محفوفة بالمخاطر إن لم يكن ذاك معروفا من قبل , أخطرها أن يعلق ذقنه بالعظم الأمامي للحوض عند الأم .
بدأ اليأس يتسلل إلى قلبي فطلبت من مساعدتي تجهيز سيارة الإسعاف ، وإعلام سائقها لننقل فاطمة إلى المشفى الجامعي ..
-هـيَّا، لنقم بمحاولة أخيرة قبل أن ننطلق إلى المدينة..
أستعين بملقط طبِّي بينما ممرضة تضغط على بطن الأم وأخرى تساعدني في جذب الجنين.
واحد، اثنان، ثلاثة!!. -لقد خرج! هاهو قد خرج! .
صرخنا جميعا صرخة فرح، لقد نجحنا...
كان مولودا مشوّها برأس ضخم جدا و كأنهما رأسان ملتحمان ، وبدا لي أنه كان ميتا قبل الولادة، فجسده الصغير متحلِّلٌ، وتفوح منه رائحة نتنة؛ لم يعرف أحد ذلك من قبل، فهي لم تزر قطُّ طبيبا لمتابعة حملها..
ناولت محمد وصفة ليجلب لنا من المدينة مضادا حيويا عالي الفعالية الذي لم يكن ممكنا أن يتوفر، بمركزِ توليدٍ بجماعة قروية، لم يجرؤ على مناقشتي، فأردفت :
-حبذا لو جلبت وجبة مغذية لفاطمة، وعليك أن تحمد الله أنها لم تمُت ، بعد أن تركتها تتخبط في دمائها ليلة كاملة..
طأطأ رأسه و مضى لتنفيذ ما طُلِبَ منهُ.
بقيَتْ فاطمة بضعة أيام في المركز حتى تخلصت من أعراض التعفن قبل أن تعود لطفليها.
سرى الخبر في القرية كالنار في الهشيم و منذ ذاك اليوم صار أهل القرية يلقبونني ب"مخلصة ذي الرأسين".
دة. بلقيس بابو
من سلسلة:
▪︎ يوميات طبيبة▪︎
مع طول الانتظار بدأ الشعور بالقلق يصيب أهل البيت، وقد انزوى الزوج محمد في ركن حاضناً ابنيه البِكرين، بينما لا تتوقف أم محمد عن الذهاب والإياب وسط الممر الداخلي للبيت، مما رفع منسوب التوتر والخوف على سلامة الأم والجنين معا، خاصة حين يهز صراخ فاطمة المدوي أركان البيت.
طال الانتظار وضعف الأمل في قرب الوضع، وأمي كنزة تغالب حالة مستعصية ولم تفلح إلا في إخراج قدمي الجنين، بينما ظلت بقية الجسد عالقة داخل الرحم.. قامت أمي كنزة وقد علا العبوس محياها وقطرات العرق تلمع في أعلى جبينها، اقتربت من الزوج محمد وقالت بصوت مليء باليأس:
-يجب أخذ فاطمة الى دار الولادة ..
-لماذا؟ ما الأمر؟
رد محمد محمد فزعا.
-رأس الجنين لازال عالقا، ولا أدري هل سيظل على قيد الحياة ..
-سنذهب صباحاً، في انتظار أن يجلب لي أخي العربة التي يشتغل عليها.
عقب محمد وهو يتجه إلى الغرفة المجاورة.
تبادلت السيدتان نظرة استنكارٍ بينهما ، وفغرت أمي كنزة فاها كأنها تتساءل:
ماذا لو ماتت فاطمة وجنينُها معا قبل الصباح؟..
رفعت السيدتان عينيهما إلى السماء كأنهما تستنجدان بمعجزة من الله في انتظار مجيء العربة صباحا.
دخلت أمي كنزة مجددا على فاطمة، التي أنهكها الألم الشديد وهدها الصراخ مستغيثة بلا جدوى.
ظلت وضعية الجنين عالقة ، لا تظهر إلا رجلاه، و قد علتهما زرقة كأنها نذيرُ شؤم، وبدأت رائحة غريبة تفوح منهما..
لم تتوقف أمي كنزة عن التضرع لله، إلى أن لاحت طلائع الفجر بطيئة كأنها عقارب ساعة لم يتم شحنها بما فيه الكفاية.
تم تجهيز العربة التي يستعملها محمد عادة لنقل الأغنام إلى السوق الأسبوعي ، وقد فرشوا صندوقها الخلفي بقطع من جلد الغنم فوقها سجاد لتتمدد فوقه فاطمة، ثم دثروها ببعض الأغطية من الصوف.
وبعد أن جلست أمي كنزة إلى جانبها وهي تضع كفها فوق جبينها، انطلقت العربة مخلفة وراءها صوت نواح الصغيرين وكأنما يودعان أمَّهما...
تفصلهم عن المستوصف حيث دار التوليد ثلاث ساعات.
هدأ أنين فاطمة على الرغم من هزات العربة فبدت كجثة تحتضر، خاصة وقد ارتفعت حرارة الجو مما سيسرع من سيلان النزيف لا محالة.
كنتُ جالسة بغرفة الحراسة، غرفة لا تتوفر على أدنى تجهيزات التبريد، باستثناء مبَرِّد مخصص لوضع اللقاحات وعلب الأنسولين كنا نحتفظ فيه ببعض قنينات الماء الصغيرة حتى تتجمد لنُمرِّرها على أيدينا ورقبتنا علها تخفف عنا وطأة الحرّ، وبينما أنا منهمكة في إعداد بعض المستلزمات ، إذا بالممرضة تدخل مستعجلة:
- دكتورة ..! دكتورة!
- نعم ماذا هناك ؟
-وصلت للتوِّ حالة ولادة مستعصية، تقول القابلة المرافقة لها إنها حاولت توليدها طيلة ليلة أمس وأنها في حالة يكاد أن يغمى عليها وأن ضغطها منخفض جدّا..
ارتديت وزرتي و وضعت قفازين طبيتين ثم هرولتُ نحوَ قاعة الولادة، لأجدني أمام شابة في العشرين من عمرها، وقدْ لصق التبن وعلفُ البهائم بثيابها، و تبدو كمن سقِمَ لشهور...
أمرت الممرضة بإلحاح وبصوتٍ عالٍ أن نقوم بتهيئة الأم أولا بأقصى سرعة ممكنة..
وبصعوبة شديدة تمكنْتُ من الامساك بوريدها، إذ لاحظت أن أوردَتَها شبه منعدمة بسبب النزيف والضغط المنخفض، لنحقن الأمصال والمضادات الحيوية ونمدُّها بالأوكسجين ، محاولين تعويض ما فقدتْهُ من دماء؛ قبل أن أشرع في محاولاة تخليصها من جثة الجنين، التي بدأت تتعفن فأي تأخير إضافي قد يزيد من خطورة وضع مريضتي الشابة و قد يتسبب في رحيلها.
أخذت المقص لبَضْعِ العضلات الجانبية وهي عملية نقوم بها لتوسيع مسلك الجنين، عادة نقوم بها من جهة واحدة، لكن اضطررت لإجراءها من الجهتين أملاً في خروج الرأس العالق.
كان الجنين في وضعية المقعَد أو الجالس أي أن رجليه كانا يتقدمان عن رأسه قبل الولادة ، وهي وضعية محفوفة بالمخاطر إن لم يكن ذاك معروفا من قبل , أخطرها أن يعلق ذقنه بالعظم الأمامي للحوض عند الأم .
بدأ اليأس يتسلل إلى قلبي فطلبت من مساعدتي تجهيز سيارة الإسعاف ، وإعلام سائقها لننقل فاطمة إلى المشفى الجامعي ..
-هـيَّا، لنقم بمحاولة أخيرة قبل أن ننطلق إلى المدينة..
أستعين بملقط طبِّي بينما ممرضة تضغط على بطن الأم وأخرى تساعدني في جذب الجنين.
واحد، اثنان، ثلاثة!!. -لقد خرج! هاهو قد خرج! .
صرخنا جميعا صرخة فرح، لقد نجحنا...
كان مولودا مشوّها برأس ضخم جدا و كأنهما رأسان ملتحمان ، وبدا لي أنه كان ميتا قبل الولادة، فجسده الصغير متحلِّلٌ، وتفوح منه رائحة نتنة؛ لم يعرف أحد ذلك من قبل، فهي لم تزر قطُّ طبيبا لمتابعة حملها..
ناولت محمد وصفة ليجلب لنا من المدينة مضادا حيويا عالي الفعالية الذي لم يكن ممكنا أن يتوفر، بمركزِ توليدٍ بجماعة قروية، لم يجرؤ على مناقشتي، فأردفت :
-حبذا لو جلبت وجبة مغذية لفاطمة، وعليك أن تحمد الله أنها لم تمُت ، بعد أن تركتها تتخبط في دمائها ليلة كاملة..
طأطأ رأسه و مضى لتنفيذ ما طُلِبَ منهُ.
بقيَتْ فاطمة بضعة أيام في المركز حتى تخلصت من أعراض التعفن قبل أن تعود لطفليها.
سرى الخبر في القرية كالنار في الهشيم و منذ ذاك اليوم صار أهل القرية يلقبونني ب"مخلصة ذي الرأسين".
دة. بلقيس بابو
من سلسلة:
▪︎ يوميات طبيبة▪︎