يُعدُّ التأويل من أبرز المفاهيم التي
شغلت الفكر الفلسفي واللغوي والنقدي على امتداد تاريخه، إذ ارتبط منذ بداياته بمحاولة الإنسان فهم النصوص الدينية والميتافيزيقية، ثم اتسع مجاله ليشمل الأدب والفنون والعلوم الإنسانية. وقد مرّ التأويل بمراحل متعدّدة شكّلت مساره المفهومي ، ومع القرن العشرين تحوّل التأويل إلى حقل فلسفي وجودي مع مارتن هايدغر، الذي ربطه بفهم الكينونة ، ثم جاء هانس-غيورغ غادامير ليؤكد على الطابع الحواري للتأويل وانفتاحه على أفق القارئ ، وفي الدراسات المعاصرة ارتبط التأويل بمناهج ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة، حيث أصبح النص فضاءً مفتوحًا للتعدد والتأويلات اللامتناهية، بعيدًا عن سلطة المؤلف أو الحقيقة الواحدة ، وهكذا غدا التأويل أداة مركزية في النقد المعاصر لفهم النصوص وتفكيكها وإعادة بنائها باستمرار .
إلّا أن ظهور السرديات الكبرىٰ على المستويين الديني والٱيديولوجي وألإصرار على الادعاء بامتلاكها الحقيقة لوحدها قد وضع الفعالية التأويلية المعاصرة في اختبار الصمود بوجه تلك الإدّعاءات ،
ويناقش مقالنا هذا علاقة السرديات الكبرى بالتأويل، مبرزًا كيف أن هذه السرديات ـ بما تمتلكه من نزعة شمولية وادعاء لاحتكار الحقيقة النهائية ـ تعمل على إبطال إمكانات التأويل أو تقييدها في إطار أيديولوجي مغلق ، في المقابل يكشف عن كيفية أنّ انهيار هذه السرديات في مرحلة ما بعد الحداثة فتح المجال أمام التأويل ليزدهر بوصفه أفقًا للتعدد والاختلاف .
يشكّل التأويل (Hermeneutics) فعلًا نقديًا مركزيًا في تاريخ الفكر الانساني ، إذ ينهض بوظيفة الكشف عن الدلالات العميقة للنصوص، ويعيد إنتاج المعنى في ضوء سياقات متجددة ، غير أنّ هذه الوظيفة لا تتحقق في كل الأزمنة بالدرجة نفسها، إذ تتعرض أحيانًا للتقييد أو الإبطال تحت ضغط أنساق فكرية كبرى تُعرف بـ السرديات الكبرى كما صاغها الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار في كتابه وضع ما بعد الحداثة (1979) ، ويقصد ليوتار بالسرديات الكبرى تلك الأطر الفكرية والميتافيزيقية التي تَعِدُ بتفسير شامل للتاريخ والمعرفة والوجود ، كالسردية الماركسية التي تردّ جميع الظواهر إلى الصراع الطبقي والبنيةالاقتصادية ، والسردية التنويرية التي ترى في العقل والعلم خلاص البشرية ، و
السرديات الدينية التي تنظر إلى الحقيقة باعتبارها متعالية ومطلقة ، وكذلك السردية القومية أو القيمية المطلقة التي تفترض وجود هوية أو معنى تأريخي جامع لايقبل الانقسام ، وسردية الرأسماليةالليبرالية التي بشّرت بالحرية الفردية والتقدم الاقتصادي،
أن هذه السرديات لم تكن مجرد رؤى فكرية ، بل هي أنظمة معرفية تحكم قبضتها على الخطاب ، وتفرض نفسها مرجعا أوحد لتفسير الظواهر كما وتتسم هذه السرديات بالكليّة ، إذ لا تترك مجالًا للجزئي أو النسبي، وهو ما يجعلها ذات طابع يقيني مغلق ، وبما أنّ التأويل بطبيعته يقوم على التعددية والاحتمال فإن السرديات الكبرى تقوم على الواحدية واليقين، ومن ثمّ فإن هذه السرديات تعمل على إبطال التأويل بطرق عدّة ، منها إقصاء التعددية ، فهي تفترض أنّ المعنى واحد ونهائي، وبالتالي لا مجال لتأويلات متعددة ، و تحويل النصوص إلى وثائق يقين ، إذ يصبح النص دينيًا كان أو سياسيًا ـ مرجعًا للتسليم لا فضاءً للاختلاف ، فضلاً عن ممارسة الرقابة الأيديولوجية التي تُجرِّم أي تأويل مخالف وتصفه بالهرطقة أو الخيانة ، كما أنها تسدُّ أفق الاحتمال بتحويلها المعنى إلى يقين مطلق لا يحتمل التعدد أو الانفتاح ، وعليه فإن التأويل في ظل السرديات الكبرى يصبح إمّا تابعًا وإمّا مقموعًا ،
فالتأويل التابع حين يخضع لمرجعيتها، كما في التفسير الماركسي أو اللاهوتي الذي لا يخرج عن أفقها الكلي أما التأويل المقموع ، فحين يحاول القارئ كسر هيمنة السردية فإنه يُجرّد من شرعية القراءة ، وهكذا يُختزل التأويل إلى وظيفة تبريرية، بدل أن يكون ممارسة نقدية منتجة للمعنى .
ومع إعلان ليوتار انهيار مشروعية السرديات الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية دخل التأويل مرحلة جديدة ، إذ صار النص فضاءً مفتوحًا لقراءات لا نهائية بفعل المشروع التقويضي لجاك دريدا ، إذ انتقل من البحث عن الجوهر الواحد إلى الاحتفاء بالاختلاف والتعدد ، فقد تحرر التأويل من سلطة المرجعية العليا ليصبح أفقًا للإبداع والتفكيك وانه لا ينتهي ، لأن النصوص نفسها تملك طاقة دلالية متجددة ، اذ أنّ الفهم دائمًا مشروط بأفق القارئ وتاريخه ، وهو ما يعزز فكرة التأويل المفتوح بعد سقوط السرديات الكبرى التي مثّلت لحظة إبطال للتأويل، عبر ادعائها امتلاك الحقيقة النهائية وسدّها باب التعدد ، إذ أن تقويض السرديات الكبرى كان نتيجة لفقدان الثقة بالوعود الشمولية التي فشلت تأريخياً ، ونتيجة التحولات الفكرية لما بعد الحداثة التي ٱمنت بالتعددية ، بالإختلاف ، بالسرديات الصغرى / المضادة ، أمّا مرحلة ما بعد السرديات فقد حررت التأويل من قيد الواحدية، لتعيده إلى دوره الأصلي بعدّه فعلًا نقديًا إبداعيًا لا ينضب ، ومن هنا فإنّ أي خطاب يدّعي الكلية والنهائية يظلّ خطرًا على حيوية التأويل، فيما تظلّ قيم الاختلاف والتعدد شرطًا لازدهاره.
وتأسيساً على ماتقدّم يمكننا التوصل إلى وضع القاعدة النقدية التالية لتوضيح العلاقة بين السرديات الكبرى والتأويل :--
السرديات الكبرى / تقويض للتأويل لأنها تفترض الحقيقة النهائية وتغلق النص .
مابعد السرديات الكبرى / ازدهار التأويل لانه يشرعن التعدد والاختلاف ويفتح النص بلا مركز ، وهو ما شكّل استراتيجيات القراءة اللانهائية .
وتأسيساً على ماتقدم فإن إصرار السرديات الكبرى على ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة دون سواها جعلها تمارس هيمنة فكرية وسياسية وأيديولوجية امتدت لتطبع حياة المجتمعات بطابع دوغمائي صارم ، لا يتيح مجالاً للتعدد ولا يفسح مكاناً للاختلاف ، فحين تتماهى هذه السرديات مع السلطة أو الدين أو القومية أو الأيديولوجيا الاقتصادية، فإنها تفرض خطابها بوصفه مرجعاً أوحداً وتقصي كل محاولة لتأويل النصوص أو تفكيكها أو تقديم قراءة بديلة ، وهنا يكمن جوهر إبطال التأويل: فالسردية الكبرى لا ترى في التعدد سوى تهديداً لمشروعها الكلياني، لذلك تسعى إلى قمع كل سردية مضادة، سواء تجسدت في جماعات مدنية، أو حركات ثقافية، أو أصوات فردية ناقدة. وبذلك، يتحول الإصرار على امتلاك الحقيقة إلى أداة قهر، ويغدو التدوغم سلاحاً يجرّد المجتمعات من إمكانات الحوار والتفكير النقدي، ويعيد إنتاج أنماط الطاعة والخضوع ، إن خطورة هذا المنحى تكمن في أنه يفرغ الفضاء الثقافي من الحيوية ويجعل النصوص أحادية الصوت، بينما يظل التأويل – بما يملكه من قدرة على الانفتاح والتعدد – الوسيلة الأقدر على كسر هذه الأحادية واستعادة التوازن بين القوى الرمزية في المجتمع. ومن هنا، فإن تفكيك مركزية السرديات الكبرى يمثل خطوة أساسية لإطلاق طاقات النقد وإعادة الاعتبار إلى التعددية بوصفها شرطاً ضرورياً لتجدد الفكر وحرية الإنسان .
شغلت الفكر الفلسفي واللغوي والنقدي على امتداد تاريخه، إذ ارتبط منذ بداياته بمحاولة الإنسان فهم النصوص الدينية والميتافيزيقية، ثم اتسع مجاله ليشمل الأدب والفنون والعلوم الإنسانية. وقد مرّ التأويل بمراحل متعدّدة شكّلت مساره المفهومي ، ومع القرن العشرين تحوّل التأويل إلى حقل فلسفي وجودي مع مارتن هايدغر، الذي ربطه بفهم الكينونة ، ثم جاء هانس-غيورغ غادامير ليؤكد على الطابع الحواري للتأويل وانفتاحه على أفق القارئ ، وفي الدراسات المعاصرة ارتبط التأويل بمناهج ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة، حيث أصبح النص فضاءً مفتوحًا للتعدد والتأويلات اللامتناهية، بعيدًا عن سلطة المؤلف أو الحقيقة الواحدة ، وهكذا غدا التأويل أداة مركزية في النقد المعاصر لفهم النصوص وتفكيكها وإعادة بنائها باستمرار .
إلّا أن ظهور السرديات الكبرىٰ على المستويين الديني والٱيديولوجي وألإصرار على الادعاء بامتلاكها الحقيقة لوحدها قد وضع الفعالية التأويلية المعاصرة في اختبار الصمود بوجه تلك الإدّعاءات ،
ويناقش مقالنا هذا علاقة السرديات الكبرى بالتأويل، مبرزًا كيف أن هذه السرديات ـ بما تمتلكه من نزعة شمولية وادعاء لاحتكار الحقيقة النهائية ـ تعمل على إبطال إمكانات التأويل أو تقييدها في إطار أيديولوجي مغلق ، في المقابل يكشف عن كيفية أنّ انهيار هذه السرديات في مرحلة ما بعد الحداثة فتح المجال أمام التأويل ليزدهر بوصفه أفقًا للتعدد والاختلاف .
يشكّل التأويل (Hermeneutics) فعلًا نقديًا مركزيًا في تاريخ الفكر الانساني ، إذ ينهض بوظيفة الكشف عن الدلالات العميقة للنصوص، ويعيد إنتاج المعنى في ضوء سياقات متجددة ، غير أنّ هذه الوظيفة لا تتحقق في كل الأزمنة بالدرجة نفسها، إذ تتعرض أحيانًا للتقييد أو الإبطال تحت ضغط أنساق فكرية كبرى تُعرف بـ السرديات الكبرى كما صاغها الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار في كتابه وضع ما بعد الحداثة (1979) ، ويقصد ليوتار بالسرديات الكبرى تلك الأطر الفكرية والميتافيزيقية التي تَعِدُ بتفسير شامل للتاريخ والمعرفة والوجود ، كالسردية الماركسية التي تردّ جميع الظواهر إلى الصراع الطبقي والبنيةالاقتصادية ، والسردية التنويرية التي ترى في العقل والعلم خلاص البشرية ، و
السرديات الدينية التي تنظر إلى الحقيقة باعتبارها متعالية ومطلقة ، وكذلك السردية القومية أو القيمية المطلقة التي تفترض وجود هوية أو معنى تأريخي جامع لايقبل الانقسام ، وسردية الرأسماليةالليبرالية التي بشّرت بالحرية الفردية والتقدم الاقتصادي،
أن هذه السرديات لم تكن مجرد رؤى فكرية ، بل هي أنظمة معرفية تحكم قبضتها على الخطاب ، وتفرض نفسها مرجعا أوحد لتفسير الظواهر كما وتتسم هذه السرديات بالكليّة ، إذ لا تترك مجالًا للجزئي أو النسبي، وهو ما يجعلها ذات طابع يقيني مغلق ، وبما أنّ التأويل بطبيعته يقوم على التعددية والاحتمال فإن السرديات الكبرى تقوم على الواحدية واليقين، ومن ثمّ فإن هذه السرديات تعمل على إبطال التأويل بطرق عدّة ، منها إقصاء التعددية ، فهي تفترض أنّ المعنى واحد ونهائي، وبالتالي لا مجال لتأويلات متعددة ، و تحويل النصوص إلى وثائق يقين ، إذ يصبح النص دينيًا كان أو سياسيًا ـ مرجعًا للتسليم لا فضاءً للاختلاف ، فضلاً عن ممارسة الرقابة الأيديولوجية التي تُجرِّم أي تأويل مخالف وتصفه بالهرطقة أو الخيانة ، كما أنها تسدُّ أفق الاحتمال بتحويلها المعنى إلى يقين مطلق لا يحتمل التعدد أو الانفتاح ، وعليه فإن التأويل في ظل السرديات الكبرى يصبح إمّا تابعًا وإمّا مقموعًا ،
فالتأويل التابع حين يخضع لمرجعيتها، كما في التفسير الماركسي أو اللاهوتي الذي لا يخرج عن أفقها الكلي أما التأويل المقموع ، فحين يحاول القارئ كسر هيمنة السردية فإنه يُجرّد من شرعية القراءة ، وهكذا يُختزل التأويل إلى وظيفة تبريرية، بدل أن يكون ممارسة نقدية منتجة للمعنى .
ومع إعلان ليوتار انهيار مشروعية السرديات الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية دخل التأويل مرحلة جديدة ، إذ صار النص فضاءً مفتوحًا لقراءات لا نهائية بفعل المشروع التقويضي لجاك دريدا ، إذ انتقل من البحث عن الجوهر الواحد إلى الاحتفاء بالاختلاف والتعدد ، فقد تحرر التأويل من سلطة المرجعية العليا ليصبح أفقًا للإبداع والتفكيك وانه لا ينتهي ، لأن النصوص نفسها تملك طاقة دلالية متجددة ، اذ أنّ الفهم دائمًا مشروط بأفق القارئ وتاريخه ، وهو ما يعزز فكرة التأويل المفتوح بعد سقوط السرديات الكبرى التي مثّلت لحظة إبطال للتأويل، عبر ادعائها امتلاك الحقيقة النهائية وسدّها باب التعدد ، إذ أن تقويض السرديات الكبرى كان نتيجة لفقدان الثقة بالوعود الشمولية التي فشلت تأريخياً ، ونتيجة التحولات الفكرية لما بعد الحداثة التي ٱمنت بالتعددية ، بالإختلاف ، بالسرديات الصغرى / المضادة ، أمّا مرحلة ما بعد السرديات فقد حررت التأويل من قيد الواحدية، لتعيده إلى دوره الأصلي بعدّه فعلًا نقديًا إبداعيًا لا ينضب ، ومن هنا فإنّ أي خطاب يدّعي الكلية والنهائية يظلّ خطرًا على حيوية التأويل، فيما تظلّ قيم الاختلاف والتعدد شرطًا لازدهاره.
وتأسيساً على ماتقدّم يمكننا التوصل إلى وضع القاعدة النقدية التالية لتوضيح العلاقة بين السرديات الكبرى والتأويل :--
السرديات الكبرى / تقويض للتأويل لأنها تفترض الحقيقة النهائية وتغلق النص .
مابعد السرديات الكبرى / ازدهار التأويل لانه يشرعن التعدد والاختلاف ويفتح النص بلا مركز ، وهو ما شكّل استراتيجيات القراءة اللانهائية .
وتأسيساً على ماتقدم فإن إصرار السرديات الكبرى على ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة دون سواها جعلها تمارس هيمنة فكرية وسياسية وأيديولوجية امتدت لتطبع حياة المجتمعات بطابع دوغمائي صارم ، لا يتيح مجالاً للتعدد ولا يفسح مكاناً للاختلاف ، فحين تتماهى هذه السرديات مع السلطة أو الدين أو القومية أو الأيديولوجيا الاقتصادية، فإنها تفرض خطابها بوصفه مرجعاً أوحداً وتقصي كل محاولة لتأويل النصوص أو تفكيكها أو تقديم قراءة بديلة ، وهنا يكمن جوهر إبطال التأويل: فالسردية الكبرى لا ترى في التعدد سوى تهديداً لمشروعها الكلياني، لذلك تسعى إلى قمع كل سردية مضادة، سواء تجسدت في جماعات مدنية، أو حركات ثقافية، أو أصوات فردية ناقدة. وبذلك، يتحول الإصرار على امتلاك الحقيقة إلى أداة قهر، ويغدو التدوغم سلاحاً يجرّد المجتمعات من إمكانات الحوار والتفكير النقدي، ويعيد إنتاج أنماط الطاعة والخضوع ، إن خطورة هذا المنحى تكمن في أنه يفرغ الفضاء الثقافي من الحيوية ويجعل النصوص أحادية الصوت، بينما يظل التأويل – بما يملكه من قدرة على الانفتاح والتعدد – الوسيلة الأقدر على كسر هذه الأحادية واستعادة التوازن بين القوى الرمزية في المجتمع. ومن هنا، فإن تفكيك مركزية السرديات الكبرى يمثل خطوة أساسية لإطلاق طاقات النقد وإعادة الاعتبار إلى التعددية بوصفها شرطاً ضرورياً لتجدد الفكر وحرية الإنسان .