إبراهيم محمود - يدها دونَها "مسألة التجنيس أيضاً"

1
الحديث عن الجسد يتطلب تنويراً لسؤال يتركز عليه: أي جسد هو المسمى؟ من المؤكد أن الجسد المعني يذكّر في الحال بكل من الرجل والمرأة. مهلاً: أي مبرّر لهذا التشارك، في الوقت الذي يجرّد فيه جسد المرأة مما يخصه في اختلافه النوعي؟
تجنباً للاسترسال في الموضوع، أشير إلى المرأة بوصفها أنثى، وأن الأنثى هذه، ينظَر إليها، كما لو أنها يدٌ ليست إلا!
2
أليس الذي نعلَم بحقيقته في التعامل، واعتماداً على اليد، وعلامتها الفارقة في المرتبة الفاصلة قيمياً وسلطوياً، بين الرجل والمرأة، أن الرجل هو المعلوم اسماً ومقاماً، ولأنه يتقدّم بنوعه ذكراً، وأهلية التمثيل المباشرة لجسده قولاً وفعلاً، تكون المرأة في الانتظار القسري، أو في الحدود المرسومة لجسدها، عبر منافذ معلومة، تشير إليها، ومن خلال يدها. وأن المرأة في عداد الاسم المجهول قيمة معطلة إلى إشعار آخر ..

3

الرجل، كونه ذكراً، يطلب يدها. الذكر، ومن موقع القوة والهيمنة العائلية والاجتماعية وعلى مستوى البلاد تاريخياً، تكون يده الضاربة، يده الراسمة للحدود لجملة المؤثرات ومرجعياتها الجنسانية. بالنسبة للمرأة في وضعية التبعية، تُساق من يدها.
أن يطلب أحدنا يدها وهي فتاة، بنيّة الزواج، ومن " ولي أمرها " ، أن يقول " ولي أمرها ": أباً، أخاً، عماً، ومرادفه...إلخ: خذْها من يدها، كما لو أنها في وضعية الثبات، أو انتظار من ينتقل بها من مكان إلى آخر، وفي ظل رجل" ذكر ". يعني ذلك أنها محكومة باليد، يد الاخر، اليد الغيبية، المتعالية، المباركة، المرفوعة، " يد من فوق "، يد تشد، يد تضغط، يد توجه، يد تنذكر وتتوعد...إلخ، هي خلاصة الرجل، خلاصة جسده هو الآخر، ولكن جسده مرئي، متحرك، يعايَن بدقة، وهذا الجسد بعلاماته الكبرى المميزة لما هو ذكري فيه، تكون يده لسان حاله. يده هي التي تتكلم سيميائياً، في صمت إيمائي، معرّف بمحتواه، ويجري اقتفاء أثره إظهاراً للقيمة الممنوحة له عبرها، إزاء يد ، لا ينبغي للجسد الذي تنتمي إليه، أن يفصح عن حقيقته المختلفة. لتكون هذه اليد عمياء، فتنقاد ، أو جاهلة بالجهات، فيجري شدها بيد الرجل.
4
ماذا لو أننا تحرّينا تاريخاً كاملاً، نقرأه، ويتفعل داخلنا من خلال اليد، كمفهوم مكثف، لطريقة إدارة الجسد في سياقات شتى ؟
في سرديات " الشرق " الكبرى، من السهل الحديث عن يدين: يد مرهوبة الجانب، ويد منزوعة القوة، مهدَّدة بجسدها !
5
أن تكون اليد ، يد الإنسان، دون الكائنات الأخرى تعبيراً حياً ودالاً عن الإنسان تمييزاً له عنها، ترجمان تاريخ من التحولات على الإنسان، عما هو جسدي، وعما يشكل تنويراً للجسد في المراحل التي عاشها ومر بها ومن ثم بلغها تطوراً وإنماء لوعي الذات. لهذا، فإن الدور المعطى لليد، ليس منحة، أو هبَة خارجية، إنما قيمة محققة، ومحوَّلة من خلال الجسد نفسه، وشهادة على المكانة التي بلغها الإنسان في الوجود، وعلاقاته بما هو كوني، ومن حوله، وحتى على صعيد التمايز بين جماعة بشرية، وأخرى، مجتمع بشري وآخر. وأكثر من ذلك، وبكثير، بين إنسان وآخر داخل المجتمع الواحد أحياناً. سوى أن هذه اليد التي يُصرَّح بها، ويلمَّح بها، هي نفسها التي تكون شاهدة ذاتية على الجرْم المرتكب بها: إن اليدين اللتين تبرزان ظاهراً وهما تكونان وحدة مصير في وحدة حياة عائلية: بين الرجل والمرأة، حين تُضَم يداهما في مباشرة الحياة الزوجية في عقد القرآن، سرعان ما تنكشف الحقيقة المرة، في التباين الهائل بينهما مواقعياً: لا يد واحدة في خاصية المصير المشترك، أو في بناء المجتمع، إنما يد تتقدم على الأخرى، يد تمثّلها في عمومها جسدياً، ويد تفصح عن علاقة تراتبية:
يد قيّمة ويد تابعة، كما هي العلاقة بين كل من الرجل والمرأة . لقد تجمد التاريخ بكل صنميته هنا، عبر مشهد اليد " المقيَّدة " !
6
إن سهولة تمثيل الجسد بما هو يدوي، لا صلة له باليد، كعضو لافت، وفاعل جسدياً، إنما هي لعبة القوة المفعَّلة في الجسد، وبعثرة قواه، لحظة التفريق جنسانياً بينهما. إنها اليد التي تنقاد، ولا تقود بالشراكة، اليد التي يُتحكَّم بحركتها، وضبطها، وقيادها، وتوجيهها في المسار المرسوم لها من موقع الذكورة التي يُجتهَد في كيل المديح لها، وهي تنسّب " يدها " إليها . ثمة شيئنة لليد هذه بجلاء:
إن الحديث عن اليد التي تطبخ وتجلي" تغسل " تكاد توجز في تاريخها الطويل مجمل مسيرة المرأة في " ظل " الرجل .
كما لو أن المرأة معلومة بخاصيتيّْ: الطبخ والجلي، أي ما يجردها مما هو فكري، مما هو خارج نطاق " البيت " المضروب حولها .
في السياق نفسه: ليس طلب " يدها " وهي في الداخل" بين الأبوية " من الخارج، حيث يكون الرجل: الأب وفي ركابه الابن، الذي يصبح الزوج، الأب، ورب العائلة، إلا الدالة الكبرى على المرسوم الجهنمي لعلاقة تابع بمتبوع. وهذه اليد التي يزينها الذهب، والمديح المرفق والمعلوم قيمة، على قدر الذهب الممنوع: أساور وسواها،مثلاً، تعلِمنا بخاصية التبعية المتفق عليها، وضمناً اجتماعياً. ليكون لدينا التعبير الصارخ عن الملْكية: فالمهر مسمى ذكوري، مسمّي جنسانية الدافع، والذي له حسابه وحكْمه، واليد التي تظهِر هذه الخاصية، امتداد للملْكية المعترَف بها، لذلك التجريد العاري للجسد، وخفْض قيمته، إلى مرتبة متطلبات الآخر، والاستجابة لمبتغاه كرجل، كذكَر .
7
ليس للغة الناطقة أو المنطوقة في بنية العلاقات القائمة مجتمعياً، أي علامة مسجَّلة في الحساب الجاري لما هو أهل للنظر فيه قيمياً. لأن هناك ما يتقرر مسبقاً، ما جرى إقراره في لحظة غفل من تاريخ تليد، وأسدِل عليه الستار، ليكون حقيقة معزَّزة كطبيعة مدعمة إلهياً، تتصرف فيها " هندسة " الذكورة، كما بيعتْ، أو زكّيت إلى الأبد . أي حتى اللحظة، كما هو المأخوذ به هنا وهناك بصيغ شتى .
8
اليد خرساء، صماء، عمياء! إن العالم المحسوس في محيطها، يكون قد أودِعَ جسدها، يكون جسدها قد جرى ضبطه، انطلاقاً من مفهوم " الذاكرة الاجتماعية " وهي تفتقر إلى الدقة، لأنها ذكرة مركَّبة ثقافة ومعتقداً دينياً، وعلى أرض الواقع بإملاءات الحاضر بقواه: الرجل .
اللغة تحيلنا على الفضاء الواسع لمَا هو مسمى، ولما هو يجري في الحياة اليومية، على مستويات مختلفة، لأن الصوت المصغى إليه، في علاقة مباشرة، وانتهاء بما هو متعال، أو إحالة إلى ما هو متعال: غيبي، هو صوته، لا صوتها الفعلي. وليدها أن تشهد على ذلك .
9
يد الرجل امتداد لجسده، أو جسد الرجل هو الذي يمنح جملة المهام، وما أكثرها لليد، ليده، وهي تحكم، وهي تكتب، وتصدر الأوامر، وتقيّم، وترمز، وتفسر، وتلوّح بالقوة، وترسم حدود العلاقات، وتتكلم بما يظهر في مقامها السلطوي داخل البيت وخارجه .
يد المرأة، وهي تتحرك ضمن دائرة، وهي تلتزم بالحدود المرسومة لها، يد جسد مفصول عنها، جسد مقيَّد من داخله، معتّم على حقيقة: المرأة التي تولد بحسابات المنتظَر منها خارجاً، أو ما هو " مبرمج " بأكثر من معنى. اليد التي تنبّه المرأة عند أي خرق، يسهل النظر فيه، من خلال لائحة الطقوس والشعائر، أو الأعراف والتقاليد والتي تفرض زمنها المفتوح والمسيّد على زمن المتغيرات القائمة.
إنها نفسها اليد التي تهدَّد بالكسر، اليد التي يُمسَك بها، وبها يكون الضرب، أو التهديد، أو التلويح بسلطة " يد " تراقبها خارجاً .
10
أن نتحدث عن اليد " يدها " هذه التي لا تحتاج لمن يمعن النظر في بنيتها العضوية، وهي محكومة بالثقافة وهي بمحتواها القيمي، وأنواع الحجب التي تسربل جسدها، وحتى بالنسبة لها، حين تختفي في " قفاز "تجنباً للمس مشهود له بالتوتر العالي، خشية إيقاظ ما هو منبَّه عليه، ما هو موصوف بما هو تخريبي، ومفسد لعموم الجسد، وسرعة تسربه بدائه الغيبي إلى جسد المرأة المتَّهم تاريخياً، بالهشاشة، وسرعة قابليته للتلف، لـ" الانحراف "، أن نتحدث عن عالم محكوم بنقاط إسناد مراقبة مرعبة كهذه، هو أن نكون صادقين تجاه ما نراه ونحن نصغي إلى المصمت فيه، تجاه ما نشهده وهو طوع خارجه رغماً عنه، هو أن نتعقب مكونات هذه اليد التي نعرفها تاريخياً، حيث نعيشها ونحيا معها، ونشهد فناء لها: يد الأم، الأخت، هي نفسها يد الزوجة، الزوج" التي تؤنَّث هنا " كما تذكَّر، تعبيراً حياً ومعبّراً في الصميم عن مدى التساوي في البنية العضوية بين الاثنين: الرجل والمرأة، هي نفسها اليد التي أحكِم ويحكَم علينا، في ركاب من يشكلون "أولي أمر " مجتمع كامل، من يكونون قيمومين على حياة أوسع وأرحب وأعمق مما يتردد حولها.
11
هذه اليد" يدها " التي تحيلها إلى غياب دائم، غياب مسرمد في الوقت نفسها، غياب في الحاضر، شاهد على الجاري تمثيلاً يومياً بحقها جسدياً، أي إنسانياً، أي كونها أكثر مما تعرَف به كيد، قادرة على لمس كل ما حولها ونقل إحساسات تتجاوب مع حياة مختلفة، حياة تستحضر الطبيعة بكل غناها، الطبيعة/ الأرض التي سمّيت " الأم الكبرى " منذ القدم، هي نفسها هذه التي نتداولها فيما بيننا، ودون التفكير، ولو حسابياً في الدلالة الفعلية وهول المعطَّل في المقدَّر فيها وتجاهل حقيقته: اللغة الأم، وما يحيط بنا أرضياً، في فضاء الحدود السياسية في وطن " الوطن الأم "..إشعارات من داخل تاريخ هو نفسه محوَّر، مقهوم بنوعية الثقافة التي دوّن باسمها .
12
أليس هذا الذي نعيشه حسياً، ومن خلال العين المجردة، تعبيراً لا يُشك فيه، عما هو ملحَق من غبن يستحيل سدَاد دينها" جهة المرأة بمفهومها اليد الموسوم " جرّاء التقييد الذي فعّل ذكورياً، وباللغة التي تحمل بصمة الذكورة؟ أليس هذا الذي يعتمل فينا قهراً، وما نشهده من قتل، وتخريب، وموت مصنَّع، ووعود مقدَّرة بالمزيد من الميتات والأهوال وما يبقي الجسد الذي يعنينا ملغَّماً، يفسَّر كثيراً من هذا المنظور إليه علانية، بشهادة هذه اليد التي يتخوف منها الرجل المنقاد بذكورته، ونشوة المأثرة الجنسية الممهورة باسمه، اليد الناعمة عينها، لا الخشنة، كما يقال، اليد التي تعرَف فيها الحياة كثيراً، اليد التي تمرَّر على الذكر صغيراً حين يرضع، وكبيراً حين يسكن إليها؟
13
يد المرأة التي تكتب، في نظرة الكثيرين من المأخوذين بقيمومة الذكورة، والحق الغيبي الممنوح لهم، دخيلة في حسابهم! ولأنها تحيل الغياب إلى حضور، لأن الكتابة طعن في محظور موجَّه ذكورياً، وتعرية لحقيقة مصطنعة تخص العجز المزعوم في بنية جسد المرأة، والشبهات المفعَّلة فيها، يد آثمة، عاصية، متمردة. لا شيء مما يقال فيها، إلا بوصفه إرهاباً للرجل في نسبه الذكوري " الضاري " ومكاشفة لزيف المرسوم باسمه.
يد المرأة حين تكتب تمضي بالناظر إليها إلى الأبعد من الممتد فيها وعبرها، إلى جسد مفعم بالحياة، خلاف المتردد حوله في تاريخ طويل مذكَّر لغةً، وجرْم الملكية المشرعنة وسلعنة جسد المرأة بصيغ شتى !
14
أليس الذي استشعره الشاعرُ قبل عقود من الزمن وباسمها: أعطني حرّيتي أطلقْ يدياَّ..لا يزال يتردد صداه هنا وهناك صرخة يتيمة؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...