أبووردة السعدني - فاتح عماراتي

... حرص السلطان مراد الثاني - ت١٤٥١ م - على تربية ولده الأمير محمد تربية دينية وعلمية ، فأحاطه بكوكبة من العلماء والصالحين ، الأمر الذي كان له أثر كبير في أن يوقر في قلبه أنه ما خلق إلا لرفع راية الإسلام ونصرة دين الله ، فشرح الله صدره ، ويسر له أمره ، وتمكن _ بفضل الله _ من فتح مدينة القسطنطينية العظمى _ عاصمة الإمبراطورية البيزنطية _ عام 1453م ، وحولها إلى عاصمة إسلامية ، وأطلق عليها اسما إسلاميا هو إسلامبول أو استانبول ، وحاز بهذا الفتح المبين شرف بشارة رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ في الحديث الشريف " لتفتحن القسطنطينية ، فلنعم الأمير أميرها ، ولنعم الجيش ذلك الجيش " ، فكان السلطان محمد الثاني " نعم الأمير " الذي مدحه رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ ، وكان جيشه " نعم الجيش " الذي ورد في الحديث النبوي الشريف ، وحق للسلطان محمد الثاني _ سابع سلاطين الدولة العثمانية _ أن يلقب بألقاب التعظيم والتفخيم ، منها : صاحب البشارة ، والملك المجاهد ، والسلطان الغازي ، غير أن لقبه الأشهر " السلطان الفاتح "...
... اقتدى السلطان الفاتح بسنة الفاتحين المسلمين في العصور الإسلامية السابقة ، الذين كانت فتوحاتهم تعميرا لا تخريبا وتدميرا ، وإرساء لحضارة إسلامية زاهرة ، بل ربما فاقهم في هذا المضمار ، فأنشأ في العاصمة الإسلامية الجديدة المدارس بمختلف مراحلها ، والمستشفيات التي تنوعت بتنوع الأمراض ، والجوامع الكثيرة جدا التي فاقت في طرزها المعمارية الطرز المعمارية السابقة ، والأسواق ، والمحاكم ، وتسارع الأمراء والعلماء والأثرياء _ رجالا ونساء - في رصد الأوقاف _ التي تفوق الحصر _ للإنفاق على تلك المشروعات الخيرية التي تحفظ التوازن في المجتمع الإسلامي....
....كان من بين تلك المنشآت التي تحفظ التوازن في المجتمع الإسلامي _ بين الفقراء والأغنياء _ في العصر العثماني ، نلك المباني الضخمة التي تسمى " عمارت " ،وهو مصطلح أطلق على الدور التي أقامها العثمانيون لإطعام طلاب العلم ولفقراء وأبناء السبيل والمحتاجين وغيرهم دون مقابل ، كانوا يحبسون لتلك المؤسسات الخيرية أوقافا عينية متنوعة ومتعددة للصرف عليها ، وكانت تلك " المطاعم الخيرية نوعين : مطاعم خيرية تقيمها الدولة العثمانية ، وصل عددها _ في النصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي _ في استانبول إلى تسعة عشر مطعما خيريا - وفق إحصاء أورده المستشرق اليهودي البريطاني الأمريكي برنارد لويس _ ت 2018 م _ في كتابه " إستنبول وحضارة الخلافة العثمانية " ، أما النوع الآخر من نلك المطاعم ، فكانت تلك المطاعم التي تنافس الخيرون من الأمراء والعلماء والأثرياء ومن إليهم في إقامتها و رصد الأوقاف للإنفاق عليها ، تقربا إلى الله تعالى وابتغاء مرضاته ....
... كانت " فاتح عمارتي " _ أي عمارة الفاتح _ أول " عمارت " خيرية أنشئت في العاصمة العثمانية إستانبول عقب فتحها عام 1453م ، وقد أقامها السلطان محمد الفاتح من ماله الخاص ضمن المجمع المعماري الكبير : الجامع والمدرسة ودار الشفاء ، ويذكر الدكتور صالح سعداوي صالح _ في كتابه : مصطلحات التاريخ العثماني _ أنها كانت تقدم الطعام مرتين في اليوم لألف شخص تقريبا ، ويعمل فيها : كاتب ، ووكيل للخرج ، وأمين للمخازن ( كيلارجي ) ، وعاملان للنظافة ، وعامل للقناديل ، وستة خبازين ، وعامل للبخور ، وعاملان لغسل الماعون ، وحمال للحطب ، وحمال للحوم ....
... ومن أمثلة الأطعمة التي كانت تقدمها " فاتح عمارتي " : حساء الأرز في الصباح ، وخبزا يسمى " فودولة "مع " يخني " باللحم والخضار ، وطعاما حلوا يطلق عليه " زردة " في المساء ، أما ليالي الجمعة وليالي شهر رمضان المبارك فكانت عمارة الفاتح تقددم للوافدين إليها : طعاما حلوا من السكر والنشاء وزيت الزيتون والتين يطلق عليه " زروا " ، أو طعاما حلوا آخر من الأرز والعنب الأسود والأحمر والتين والأجاص يعرف باسم " آقشى آشى " ، وخشاف العنب و" مخللات " البصل ....
... أما في غير أوقات الطعام فكانت عمارة الفاتح تقدم وجبات " خفيفة " للسائلين والمحتاجين ، منها : خبز " الفودولة " ، وعسل النحل ، والجبن ....
.... هذا وقد جاز السلطان محمد الفاتح إلى ربه راضيا مرضيا سنة 1481 م ، بعد أن حكم الدولة العثمانية ثلاثة عقود تقريباً ، فتنسفت أوربا الصعداء ، ودقت كنائس مدينة روما أجراسها ابتهاجا بموته ، لأنه كان قد عقد العزم على فتحها كما فتح مدينة القسطنطينية .....

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...